صحيفة الكترونية اردنية شاملة

نعم .. حجة التنويع لا تزال وجيهة

0

منذ عام 2008 أظهرت حركات رأس المال العالمية بصورة ملحوظة، غريزة العودة إلى مكانها الأصلي. وأحياناً كانت هذه العودة ناتجة عن الأنظمة، ولنأخذ مثالاً واضحاً على ذلك. في البنوك، كانت الأجهزة التنظيمية في البلدان المضيفة حريصة على أن تجعل البنوك الأجنبية العاملة فيها تحتفظ بوسائد وقائية أكبر من رأس المال. وأثناء ذلك، أدت أزمة السندات السيادية في منطقة اليورو إلى هجرة جماعية لرأس المال الأجنبي من البلدان الطرفية في منطقة اليورو.
ورغم أن سوق السندات الأمريكية كانت تعمل بمثابة الملجأ والمخبأ للأموال الأجنبية المتوترة طيلة الفترة التي استغرقتها الأزمة المالية، إلا أن حصة الأجانب من سوق السندات الحكومية الأمريكية تراجعت في حقيقة الأمر.
والواقع أن الأرقام تنبئنا بحكاية لافتة للنظر. ففي الفترة من عام 2008 إلى الربع الثاني من هذا العام، لا مجال لإنكار أن مقتنيات الأجانب من سندات الخزانة الأمريكية ارتفعت من 6.5 تريليون دولار إلى 11.9 تريليون دولار، لكن هذا يظل مع ذلك يمثل تراجعاً في الحصة السوقية من 51.3 في المائة إلى 47.1 في المائة. يبدو أن الاتجاه العام الشامل هو علامة على التوتر من جانب مديري الاحتياطي الرسميين في الصين، وفي بلدان أخرى بخصوص سياسة المالية العامة الأمريكية، وفي الفترة الأخيرة بخصوص استعداد أعضاء الكونجرس من أصحاب النزوات للعبث مع فكرة إعسار حكومة الولايات المتحدة.
هذا التراجع ملحوظ حتى أكثر من ذلك في الأوراق المالية التي تصدرها الوكالات الحكومية الأمريكية. فقد تراجعت هذه بالمعدلات المطلقة خلال الفترة نفسها من 8.2 تريليون دولار إلى 7.6 تريليون دولار. ويمثل هذا تراجعا في الحصة السوقية من 17.2 في المائة إلى 11.4 في المائة.
ولا شك أنه من الممكن تفسير التحول الآني في رصيد مقتنيات الاحتياطي الأجنبية من سندات الخزانة الأمريكية، نسبة إلى الوكالات، عن طريق انفجار فقاعة الإسكان الأمريكية وإنقاذ وكالتي فريدي ماك وفاني ماي. ففي حزيران (يونيو) 2008 كانت مقتنيات الصين من سندات الوكالات، مثلا، تشكل 43.7 في المائة من مخزونها من الأوراق المالية الأمريكية – وهي نسبة تزيد حتى على مقتنياتها البالغة 43.3 في المائة من سندات الخزانة. وبالأرقام المدورة، والتحول التالي في محفظتها الاستثمارية جعل مقتنياتها من سندات الخزانة تصل إلى 1.1 تريليون دولار في حزيران (يونيو) 2012، مقارنة بـ 202 مليار دولار فقط في سندات الوكالات.
مع ذلك، في وسط هذه الهجرة الجماعية من أسواق البنوك والسندات الأجنبية، كانت الأسهم منيعة بصورة مذهلة، إذ ارتفعت حصة الأجانب من سوق الأسهم الأمريكية بصورة مستمرة من 11.6 في المائة عام 2008 إلى 13.7 في المائة في الربع الثاني من 2013، وأثناء تلك الفترة ارتفعت الرسملة السوقية من 15.6 تريليون إلى 29.4 تريليون دولار.
وحين نعود بأنظارنا إلى الوراء فترة أطول بكثير في أوروبا، نجد أن الوزن النسبي للمستثمرين الأجانب ارتفع من 10 في المائة عام 1975 إلى 45 في المائة عام 2012، رغم أن الزيادة ستكون أقل لو أن الصناديق الموجودة في لوكسمبورج وإيرلندا تعتبر محلية، وليس صناديق استثمار أجنبية. وكانت بريطانيا تشكل حالة متطرفة، حيث ارتفعت حصص الأجانب من إجمالي الأسهم من 3.6 في المائة عام 1981 إلى 53.2 في المائة عام 2012. فما معنى كل هذه الحركات؟
للوهلة الأولى، يبدو توجه الحركة في الأسهم منحرفاً. ومن أكبر الدروس المستفادة من الأزمة المالية أن التنويع الدولي أخفق في حماية المَحافظ حين تشنجت السوق، لأن معظم الأصول تشنجت معها. وبالنسبة لمستثمري الأمد الطويل، مثل صناديق الرواتب التقاعدية غير المستحَقة أو المؤسسات الأكاديمية، ربما لا يكون لهذا أهمية. إذا كانت إدارة حركة النقد لديها سليمة، فإنها تستطيع ببساطة الاستمرار في عملها بصرف النظر عن ذلك.
وبالنسبة لمستثمري الأجل القصير يعتبر المنطق مختلفاً، لكنه يشير إلى الاتجاه نفسه. فإذا كانت معظم أصولك يرجح لها أن تتضرر في آن واحد في جميع الأحوال، فلماذا لا تتخذ نظرة استراتيجية وفي الوقت نفسه تبذل أفضل ما لديك في إدارة السيولة بعناية؟
كثير من مناهج إدارة المحافظ السائدة في الوقت الحاضر تطالب باتباع نهج عالمي، وما يلفت النظر في هذا المجال هو الاستثمار بحسب مواضيع معينة. فهو يهدف إلى الاستفادة من المنافع التي تعود من الاتجاهات العامة الكبيرة في الاقتصاد الكلي والاتجاهات الهيكلية. لنقل مثلاً، إن التوزيع السكاني أحد المجالات التي تثير اهتمامك، وتريد الذهاب إلى اليابان لتطلع على القطاعات التي ستستفيد من التقدم في السن، أو إلى الأسواق الناشئة للاطلاع على قطاع الشباب. ولا توجد سوق محلية تستطيع الوفاء بهذا المطلب.
ولا تستطيع أية سوق محلية خارج الولايات المتحدة أن تتيح لك المجال للاطلاع على التكنولوجيا. حتى في اليابان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا هناك فجوات في القطاعات – وبطبيعة الحال هناك مَواطن قوة قطاعية لها جاذبية على المستوى الدولي – مثل السيارات في ألمانيا واليابان، والسلع الفاخرة في فرنسا، والأدوية في بريطانيا، وما إلى ذلك.
ومن أكبر المواضيع منذ عام 2008 هناك بلدان البريكس – البرازيل وروسيا والهند والصين ـ إلى جانب الأسواق الناشئة بصورة عامة. كان هذا مفهوماً من حيث إن البلدان النامية كان من المتوقع أن تنمو بسرعة أكثر من بلدان العالم المتقدم المثقلة بالديون بعد الأزمة. ومع ذلك، كما قلتُ من قبل، لا يوجد ارتباط بين النمو الاقتصادي والعوائد من أسواق الأسهم. كما أن الميزان عاد الآن إلى ما كان عليه.
ولعل أفضل سبب للتوجه العالمي هو حين يكون مدير الصندوق موجوداً في بلد تكون فيه الميزانية العمومية للبنك المركزي في ذلك البلد منتفخة. إن الاستثمار العابر للحدود في الأصول الحقيقية يعد تحوطا ضد تحويل الديون إلى سلع مالية تباع وتشترى. وهذه ليست فضيلة يمكن الاستهانة بها. لذلك أقول: نعم، لا تزال حجة التنويع وجيهة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.