رفع معدلات القبول في الجامعات
“تخفيض عدد الطلبة المقبولين في الجامعات ليس عقابا لأحد..فهو في صالح الاقتصاد و المجتمع و حتى غير المقبولين في الجامعات.”
لا تكاد تتوقف تلك الحوارات الصاخبة و المشادات الساخنة حول موضوع العنف الجامعي، من دون النظر الى السبب الحقيقي للمشكلة و امتداداته على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي.
و مع الاحترام الى جميع الاراء و المقترحات التي طفت على السطح منذ بدأت معضلة العنف الجامعي، بيد أنها حامت في معظمها حول المشكلة دون ملامسة الجرح، في مفارقة يحتمل تفسيرها اختلاف وجهة النظر أو الافتقار الى شمول التحليل.
المشكلة بعد التحليل و التمحيص تنحصر في تدني معدلات القبول الجامعي و ما يتبع ذلك من ارتفاع في أعداد الطلبة غير المكترثين و تدني جودة التعليم و تفاقم التراجع المالي في موازنة الجامعات.
أما امتداد المشكلة فيتعلق بحالة الاحباط و غياب الطموح خصوصا لدى الشريحة الواسعة غير المكترثة من الطلبة، و هي حالة مبررة في اقتصاد لا يستطيع استيعاب 50% من الخريجين الجامعيين سنويا في سوق العمل.
تراكم حالة الاحباط و تفاقم اعداد الطلبة و التبعات المترتبة على تدني معدلات القبول هي العوامل المسؤولة عن العنف الجامعي، و ليس كما اختزلتها شريحة واسعة من المعارضة بغياب الحياة الحزبية و تراجع النشاطات اللامنهجية.
و لمن يصر على أهمية غياب الحياة الحزبية و تراجع النشاطات اللامنهجية أن ينظر الى ما يعوض غيابها و يزيد من وسائل الترفيه الحديثة و وسائل التواصل الاجتماعي و غير ذلك من أدوات مفرغة لطاقة الطلبة و معززة للتعبير بحرية عن اراءهم، و هي جميعها أدوات و وسائل لم تكن متوفرة أيام سادت الانتماءات الحزبية في الاردن.
و لأصحاب نفس الطرح أيضا النظر الى أقران الاردن من دول عربية مشابهة الظروف لا تحصل فيها أحداث العنف رغم وجود بيئة عشائرية و قبلية، مقابل حصول العنف في جامعات ذات الدول لأسباب سياسية و حزبية.
حتى في الجامعات الغربية و في أكثر الدول تقدما، لا توجد أي مظاهر عنف بين الطلبة رغم الغياب شبه الكامل للحياة السياسية الحزبية داخل الجامعات.
ليس أمام صناعة القرار في الاردن إلا رفع معدلات القبول جوهريا لتجاوز مشكلة العنف الجامعي، و بغير ذلك لن يكون هناك توقف للعنف مهما اشتدت قبضة الأمن، و يعرف الجميع فشل الاعتماد حصريا على الحل الأمني في معالجة الثورات و الحراك و مظاهر العنف الاجتماعي المختلفة.
تخفيض عدد الطلبة المقبولين في الجامعات ليس عقابا لأحد..فهو في صالح الاقتصاد و المجتمع و حتى غير المقبولين في الجامعات.
فاقتصاد الخدمات بحاجة الى الحرفيين من ذوي التعليم المتوسط و المتدني أكثر مما هو بحاجة الى الجامعيين، و إلا لماذا يبلغ تعداد العمالة الوافدة أضعاف العاطلين عن العمل؟
و بينما أفضل خدمة تقدمها الحكومة لرعاياها تأهيلهم للتوافق مع متطلبات سوق العمل و تعزيز جودة التعليم المتوسط، تعتبر جريمة في حق الاقتصاد و المجتمع استمرار الجامعات بعملها الحالي كفترة حضانة لمرض البطالة و ما يرافق هذا المرض من مضاعفات اقتصادية و اجتماعية.
بالمناسبة، يمكن للحكومة تحديد معدل رفعها السنوي لمعدلات القبول استنادا الى مؤشر رسمي و شفاف لمعدل العنف داخل الجامعات !

