عدسات التلفزة تسأل عن الدم العربي بين أكداس الترتر وبريق الألماس
سنحت لي الفرصة هذا العام للتجول في أروقة مهرجان دبي السينمائي العاشر. لم تكن للسجادة الحمراء تلك المتعة المبهرة، حيث ليس للنجوم الألق نفسه فيما لو كنت تتابع الحدث عبر شاشات التلفزيون. قلت في نفسي بوركت كشافات الإضاءة والعدسات المفلترة التي تخفي التجاعيد والبثور وطبقات الماكياج السميكة ولا تأخذ لقطات للسيقان التي تتقصف فوق الكعوب العالية تحت الفساتين الطويلة. إذا كنت تحمل هما وقضية، سيوجعك قلبك وتتنقل بين الجموع تسأل عن الدم العربي بين أكداس الترتر وبريق الألماس والرموش الاصطناعية؟ لحظة الإستعراض هذه أمر بعيد كل البعد عما تبحث عنه.
ومهما اقتربت للسؤال في حوار صحافي فلن يعطيك النجوم إجابة شافية. الكل يتهرب من الألم الذي يملأ عينيك. في الحقيقة كثير منهم كشروا وامتعضوا وتهربوا بأقصى ما يمتلكون من دبلوماسية من الأسئلة. ففي زمن الانقسامات ولوائح العار والشنار، لا أحد يريد أن يخسر المزيد من الجمهور بإعلان موقف، الكل أبدى تعاطفاً ورسم ملامح الحزن على وجهه، وقدم أحر التمنيات بانتهاء الأزمات والسلام.
وكان هذا بالنسبة إليهم أضعف الإيمان وأقصى المستطاع. لذا كان علي أن أبحث في الأفلام السينمائية ذاتها عن الرسائل العميقة والإجابات الواثقة والمواقف. أمتع ما يمكن أن تفعله كصحافي في مهرجان سينمائي، قضاء الوقت في مكتبة الأفلام. وتختار الأفلام التي حاولت اختراق الممنوع والاقتراب من الحقيقة، وسأقول لكم سراً صغيراً.. أي منها لا يقوم ببطولته أحد من النجوم!
‘عمر’ والجدار الفاصل
كانت خطوة ممتازة اختيار الفيلم الروائي ‘عمر’ للمخرج الفلسطيني الهولندي هاني أبو أسعد، لافتتاح المهرجان. فالفيلم يعيد القضية الفلسطينية إلى الواجهة محمولة على دراما إنسانية عميقة ومؤثرة من خلال قصة حب. بطلها فرّانٌ مقاوم يشارك مع فصيل من الكتائب بقتل جندي إسرائيلي، يتم القبض عليه ويتعرض للتعذيب ويتم الإيقاع به لانتزاع اعتراف منه، مما يضطره للتعاون مع ضابط مخابرات إسرائيلي. لن أحرق عليكم الحبكة والأحداث والنهاية المفاجئة، لكن الفيلم مدجج بكل ما يمكن أن يجعل منه عملاً مؤثراً وجذاباً. من الصور الشعرية السينمائية والمطاردات المتقنة في حارات وأسواق القدس والمشاهد التي يتسلق فيها البطل الجدار الفاصل ليلتقي حبيبته على الطرف الآخر.
سيناريو الفيلم يتضمن القليل من الهنّات والنواقص التي كان يمكن تفاديها، مواقف غير منطقية أو غير مفسرة بما فيه الكفاية، أو مشاهد كان يمكن زيادة زخمها لتوضيح معاناة المعتقل أكثر في سجون الاحتلال.
همّ كلاب.. حكاية معتقل!
فيلم ‘همّ كلاب’ للمخرج المغربي هشام العسري، يتتبع حكاية معتقل مجهول خرج من السجن بعد ثلاثين عاما من الاعتقال. أي منذ عام 1981 حين قامت السلطات بقمع مظاهرات شعبية احتجاجية على ارتفاع أسعار المواد الأساسية. يلتقيه بالصدفة طاقم تلفزيوني صحافي ومصور ومخرج.
كانوا يحاولون تغطية بعض المظاهرات في المغرب في عز زخم الربيع العربي عام 2011، فيرافقونه للبحث عن عائلته بعد أن وجدوا فيه مادة لتقريرهم. الفيلم يعتمد على حركة الكاميرا الطبيعية التي قد تحاذي الشارع والأرجل وتهرول وتركض وتتعثر على إيقاع حركة الفوضى المحيطة. تدخل بنا في الأزقة الفقيرة والزواريب المعتمة، وتخوض في البحر وفي المواخير وفي حمام السوق.
الصوت أيضاً قد يعطل وينقطع تقنياً وكل ذلك موظف بشكل مدروس لخدمة الدلالة والمعنى. فيلم يريد أن يقول ان عجلة الزمن التي تدور طيلة الوقت بيد البطل لم تتحرك وما زال الوضع كما كان عليه قبل ثلاثين عاماً. فما زال الناس يحتجون على البطالة والغلاء المعيشي. الأسباب التي من أجلها ضاع عمر الرجل الذي دخل إلى المعتقل شاباً وخرج كهلاً. تقول زوجته: ‘شهادة وفاتك.. هاد الشي اللي بقي’!
يوميات شهرزاد.. ملكات بعبدا
أكثر الأفلام التي أثارت اهتمامي هو فيلم السيكودراما ‘يوميات شهرزاد’ للمخرجة زينة دكاش. وزينة متخصصة في العلاج بالدراما. ولهذا الغرض يصور الفيلم مشروعا استغرق شهرين في سجن بعبدا للنساء لنستمع إلى حكاية آلام ومعاناة المرأة من أوسع الأبواب وأضيق الأماكن في المجتمع الذكوري.
نساء مجرمات في عرف المجتمع والقانون، وضحايا في عين الفيلم. نساء منسيات بين جدران السجن تعيد لهن زينة نفسها الحياة من خلال تدريبهن على أداء مسرحية ورقصة فلامنغو تدعو إليها الجمهور ليحضرها في داخل السجن ويستمع إلى قصة كل شهرزاد منهن ويتعرف بشكل أقرب على هذه المأساة الإنسانية.
فوراء كل جريمة قتل أو مخدرات أو زنا يكمن الفقر والعنف والاغتصاب، تكمن طفولة منتهكة وتفكك أسري وأنوثة معتدى عليها، وذكرٌ متسلط. ومن خلال الفيلم نتابع كيف أعادت هذه التجربة الثقة والحياة والأمل للسجينات وأدخلت النور إلى القلوب المتشحة بالحزن والسواد.
قبل ختام الفيلم يهدي مأمور السجن فاطمة التي أطلق سراحها ثلاث زهرات، الحمراء للحب، والبيضاء للقلب الطاهر، والوردية.. لأن خير الأمور أوسطها. لم تنس المخرجة إهداء الفيلم إلى ثلاثة رجال غاضبين، فهي سبق وأن نفذت مشروعا مشابها في سجن رومية للرجال بفيلم حمل عنوان’ 12 لبناني غاضب’ سبق وأن فاز بجائزة المهر الذهبي، وعرضا مسرحيا بعنوان ‘من كل عقلي’ في مستشفى الفنار للأمراض العقلية.
تجربة العلاج بالدراما تستحق المتابعة والدعم والتعميم، فلقد أصبحت لدينا أعداد هائلة من ضحايا العنف والحرب في السنوات الثلاث الأخيرة، كأطفال المخيمات والنازحين والمعتقلين والمعتقلات والسجناء.
وهذه الطاقة من الألم والغضب ستتفجر في المجتمع يوما ما.
بيت التوت.. قلب اليمن
سارة إسحاق مخرجة يمنية اسكتلندية الجنسية. ‘بيت التوت’ هو منزل والدها في اليمن. ولأن الفيلم من نوع السيرة الذاتية ويصور يوميات العائلة أثناء الثورة في اليمن فلا بد أن نعطي نبذة عن سارة.
بعد الطلاق سافرت والدتها الاسكتلندية إلى موطنها وبقيت سارة عند والدها حتى أتمت سبع عشرة عاما لتختار الالتحاق بوالدتها لإتمام دراستها بعد أن وعدت والدها بألا تنسى جذورها.
عادت سارة أثناء الثورة لتفي بوعدها، لنتعرف في الفيلم على عائلتها اليمنية الكبيرة بشكل حميمي. الكاميرا توثق الواقع، تنقل بعض يوميات هذه الأسرة والعادات والعقلية وطريقة التربية والتفكير.
فمثلا نتعرف على الأب المنفتح المثقف المشغول بكيفية إيصال قضية ابن أخيه المعتقل إلى الرأي العام عبر ‘الفيس بوك’، كيف يترك لبناته حرية الحوار حول مستقبلهن متشتتا بين رغبته بمنحن حرية الاختيار وقناعته بوجوب تأمين مستقبلهن بالزواج.
وسارة المشغولة بالثورة اليمنية وتحاول التواصل مع الـ’بي بي سي’ لنقل تفاصيل ما يحدث من قمع للمظاهرات وسقوط الشهداء. كل ذلك بتصوير طبيعي مثل كاميرا منزلية تنقلنا من الطفولة إلى اليوم.
فترتدي على مضض الملابس المحتشمة النقاب والحجاب لتنزل الى ساحة المظاهرات لتتابع نقل الأحداث ميدانيا. فيلم وثائقي بلمسة غضّة لمخرجة شابة تعد بالكثير.
‘شباب اليرموك’.. الورطة الوجودية
يشارك المخرج الفرنسي إكسيل سالفاتوري سنز في المهرجان بفيلمه الوثائقي ‘شباب اليرموك’. في هذا المخيم الكبير، الذي أصبح يحمل مع مرور الوقت مواصفات مدينة تعج بالأسواق والأبنية السكنية، نتعرف على خمسة شباب فلسطينيين ومعاناتهم في سوريا.
إنهم يتشظون بين تعلقهم بالمكان ورغبتهم بالخروج منه. حيث تزداد صعوبة إيجاد فرص عمل، هم مطلوبون للخدمة في جيش تحرير فلسطين، وهو فصيل تابع للجيش السوري ولا تستطيع التعبير عن رأيك أو المشاركة بالنشاط السياسي.
ولتغادر سوريا عليك أن تحصل على جواز سفر وتأجيل لخدمة الجيش. ومن خلال أحاديث الشباب وعرض حكاياتهم نجدهم يعون بدقة أن حالهم يشبه حال المواطن السوري، الذي أصبح يقاسمهم العيش في المخيم أيضاً. الشعور الدائم بالمنع والإلغاء لم يعد حكراً على الفلسطيني. ‘المخيم مكان لا يتسع للأمل، المكان القبيح الذي أحسنا صنعا بتجميله، نتبادل الخيبات كما نتبادل تحية الصباح’، تقول إحدى الفتيات.
تتجلى الورطة الوجودية في الزمان المنفي في اللا مكان ‘في المخيم تحب وطناً لا تعرفه ولم تره، ووالدك أيضاً لم يره’.
الصورة الشعرية السينمائية أخذت المخيم من فوق الأساطيح. ليبدو في النهار تجمعاً من الصدأ والاسمنت، الخردة والنفايات والإنسان، ستالايتات، خزانات، حبال غسيل، لكن سماء دمشق تضفي لمستها الصافية من حين لآخر بأسراب الحمائم. ينجح أحد الشباب بالسفر إلى تشيلي وتبدأ الثورة السورية، وتتعمق أزمة الفلسطيني الذي لا يعرف إلى أين ستؤول الأمور. لكن الفيلم أنجز قبل أن تصل الأحداث إليه ويهجر ساكنوه اليوم من الفلسطينيين والسوريين على حد سواء.
القدس العربي

