انتعاش بريطانيا المتباطئ وضع يفتقد التبرير
جورج أوزبورن، وزير الخزانة البريطاني متأكد تماماً من أن “خطة اقتصاد بريطانيا ناجحة”. الآن، مع عودة النمو، يجادل في سبيل “انتعاش مسؤول”. على أن السؤال المسبق هو: ما الذي تنتعش به المملكة المتحدة؟ لقد استسلم صناع السياسة فما يتعلق بإنعاش ما فقده الاقتصاد. إنهم يعتقدون أنه على الجمهور أن يتقبل أمراً أقل من ذلك بكثير، وسيفعل. وحدهم المتشائمون على حد سواء، في عام 2013، أي بعد ستة أعوام من بداية الأزمة، ما زال على اقتصاد المملكة المتحدة أن يتعافى ليصل إلى مستوى الذروة المتحققة قبل الأزمة. وفقاً لمكتب مسؤولية الميزانية، سيحدث ذلك في عام 2014. ومع ذلك، حتى في ذلك الحين، سيكون الاقتصاد أكبر بمجرد 0.6 في المائة مما كان عليه قبل سبعة أعوام، وهو أبطأ انتعاش طوال أكثر من قرن.
الصورة على المدى الطويل أكثر إحباطاً، ففي عام 2013 كان اقتصاد المملكة المتحدة أقل بـ 14 في المائة من الاتجاه العام الذي كان سائداً خلال الأعوام من 1955-2007.
ويتوقع مكتب مسؤولية الميزانية المستقل ألاّ يتعافى أي من ذلك بحلول عام 2018. بدلاً من ذلك، يعتقد أن التحسينات الأخيرة لم تفعل سوى تقديم التاريخ الذي سيعود فيه الاقتصاد لطاقته الكاملة. والانحراف من الاتجاهات السابقة سينمو على نطاق أوسع: المعدل السنوي لنمو الاتجاه العام في الأعوام 1955-2007 كان 2.8 في المائة، بينما تقف توقعات مكتب مسؤولية الميزانية لمعدل نمو الناتج المحتمل عند نحو 2 في المائة.
وهكذا، في حين استعاد الاقتصاد النمو، عليه قريباً أن ينعش مستويات الناتج لما قبل الأزمة، فمن المتوقع ألا يتعافى إلى مستوى اتجاهه أو معدل نموه قبل الأزمة. في ظل افتراضات معقولة، فإن القيمة الحالية للناتج المفقود كنتيجة للأزمة وتداعياتها، ستكون 500 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي.
وفي حين أن آفاق الناتج لا تزال محبطة، فإن تلك المتعلقة بالتوظيف باعثة على البهجة. كما قال أوزبورن: “البطالة أقل مما كانت عليه في عام 2010، ومن المتوقع أن تنخفض أكثر، من 7.6 في المائة هذا العام إلى 7 في المائة في عام 2015، وذلك قبل أن تنخفض حتى أكثر من ذلك لتصل إلى 5.6 في المائة بحلول عام 2018”. لذا فإن أولئك الذين كانوا يخشون من أن الانتعاش الضعيف قد يعني معدل بطالة مرتفع، هم على خطأ.
للأسف، إن هذا الأداء الذي يثلج الصدر بخصوص التوظيف ما هو إلاّ صورة طبق الأصل عن الأداء الضعيف للإنتاجية. في نهاية المطاف، فإن الأجور الحقيقية انخفضت لأن الناتج في الساعة قد انخفض، الأمر الذي خفف من فقدان الوظائف. ويفترض مكتب مسؤولية الميزانية أن خسائر الإنتاجية السابقة، بالنسبة إلى الاتجاه العام، لن يتم استردادها. مع ذلك يأمل أن ينتعش نمو الناتج في الساعة ليقترب من 2 في المائة بحلول عام 2015.
لا يوجد شيء يذكر في أداء الاقتصاد الحالي يبعث على التفاؤل بشأن ديناميكية المستقبل. كما يشير مكتب مسؤولية الميزانية، فإن السبب الرئيسي للنمو المتسارع الذي فاق التوقعات هو الاستهلاك النشط. والسبب الرئيسي لذلك هو “الادخار المنخفض، وليس الدخل المرتفع”.
هذا أمر غير قابل للاستدامة. ويأمل بأن الانتعاش سيقوّي الاعتماد على الإنتاجية المرتفعة والأرباح الحقيقية. للأسف، من المتوقع أن تقل استثمارات الشركات بنسبة 5.5 في المائة هذا العام. ومن المتوقع أن تنتعش بقوة في العام المقبل. دعونا نأمل ذلك. لا يتوقع أية تحسينات في صافي التجارة. واستعادة التوازن لا تزال حلماً مستحيلاً.
إن محور خطة الحكومة هو تعزيز أوضاع المالية العامة. هنا، تحسن الموقف لأن الانتعاش جاء أبكر مما هو متوقع. ويتوقع مكتب مسؤولية الميزانية أن يكون صافي اقتراض القطاع العام وصافي دين القطاع العام، نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي (الذي ذروته الآن 80 في المائة في عامي 2015 و2016)، أقل مما كان في آذار (مارس). مع ذلك، نظراً لكونه غير متفائل بعد بشأن الوضع الهيكلي، فإن الضغوطات على المالية العامة لن تتغير.
بعض المضامين ستكون مذهلة. فمن المتوقع أن ينخفض عجز الموازنة 11.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مدى تسعة أعوام ابتداءً من عامي 2009 و2010. ونحو 80 في المائة من هذا الانخفاض هو نتيجة انخفاض الإنفاق العام. الأمر الذي جعل استهلاك الحكومة من السلع والخدمات هو الحصة الأصغر من الدخل الوطني على الأقل منذ عام 1948. ينبغي أن نشك بشدة بأن هذا سيحدث مهما كانت وعود الحكومة. وإذا حدث بالفعل، فإن الأمور ستسير في الاتجاه الآخر.
كان رد الحكومة الحالية السائد للأزمة هو افتراض أن أولوياتها الساحقة كانت تعزيز الأوضاع المالية العامة. لقد افترضت بأنها تواجه أزمة في المالية العامة بدلاً من أزمة اقتصادية أوسع. ولم تركز على السياسات التي تحتاجها لإعادة الاقتصاد بأسرع وقت ممكن، لمستويات الاتجاه طويلة الأمد ومعدلات نموه.
ويظهر العمل في صندوق النقد الدولي أن الأزمات المالية الضخمة لها في العادة آثار وخيمة طويلة الأجل. لكن الموظفين هناك لاحظوا أن: “الاقتصادات التي تطبق حوافز في المالية العامة وحوافز نقدية لمواجهة التقلبات الدورية على المدى القصير .. تميل إلى أن تحقق خسائر أقل في الناتج على المدى المتوسط”.
كان لدى الحكومة المجال لمواصلة تعزيز المالية العامة، لكنها عكسته قبل الآوان. ليس من الصعب قبول أن هذا قد أثر على الاستثمار، وبالتالي على الناتجين المحتمل والفعلي.
وعلاوة على ذلك، فعلى الرغم من تكاليف الاقتراض المنخفضة للغاية، من حيث القيمة الاسمية والحقيقية، سيبلغ معدل صافي الاستثمار العام 1.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بين الأعوام 2013-2014 و2018-2019 – أي نحو ثلثي الحصة قبل الأزمة، وبالتأكيد أقل بكثير مما يحتاج إليه الاقتصاد وما يمكن تحمله. هذه واحدة من عدة طرق، إزاء الهوس بعجز القطاع العام وديونه، بدلاً من صحة الاقتصاد وصافي قيمة القطاع العام، وهو ما أدى بالحكومة إلى الضلال.
الحكومة ليست مجرد أسرة أخرى، خاصة بعد أزمة طاحنة، فوظيفتها استعادة صحة الاقتصاد بأسرع وقت ممكن، وبالتالي تقليل الضرر طويل الأجل. لقد فشلت في فعل ذلك. وحقيقة أن النمو قاد عاد فهذا خبر جيد، لكن هذا لا يمكن أن يبرر استراتيجية سمحت بمثل تلك الخسائر الضخمة، طويلة الأجل.

