موازنة 2014 .. انحراف عن الاصلاح
حتى نطلق على موازنة الدولة اسم موازنة إصلاحية، فإن هناك شروط يتطلب تحقيقها للوصول الى هذا الهدف، فهل مشروع قانون موازنة 2014 تقشفي؟ هل زاد من مسألة الاعتماد على الذات؟ هل استطاع أن يعكس توجهات الحكومة النظرية في تصغير حجم الحكومة لتكون أكثر رشاقة وكفاءة، من خلال دمج المؤسسات والهيئات؟ هل تحتوي على خطط واضحة لمواجهة التحديات التي تحيط بالاقتصاد سواء الداخلية أو الخارجية؟ وكيف تتعامل خطة الدولة المالية للعام المقبل مع قضية المديونية؟
أسئلة تحيط بكل موازنة؛ فماذا عن مشروع قانون موازنة 2014 الذي بات الآن في إدراج اللجنة المالية لمجلس النواب؟
الأرقام تجيب على التساؤلات السابقة بكل وضوح وتفند كل الادعاءات التي تخالف الحقيقة، فالنفقات العامة ارتفعت 11 في المئة، ما يدلل على أنها موازنة غير تقشفية كما ادعت الحكومة.
المنح الخارجية زادت بشكل ملحوظ في تقديرات 2014 لتصل إلى 1.151 مليار دينار، مقابل 860 مليون دينار في سنة 2013، ما يدلل على زيادة الاعتماد على المساعدات الخارجية بدلا من الاعتماد على الذات.
تعهدات الحكومة بمعالجة التشوهات في المؤسسات والهيئات المستقلة بات حبرا على ورق، وقد تنصلت من تلك الوعود التي تغنت بها على مدى أكثر من عام فيما يتعلق بدمج المؤسسات وتوحيد إنفاقها ومعالجة اختلالاتها، إذ اظهرت الارقام التقديرية أن اجمالي الايرادات المحلية للعام 2014 للوحدات المستقلة بلغت نحو 710 ملايين دينار مقارنة مع 457 مليون دينار معاد تقديره في العام 2013، شكل الدعم الحكومي من هذه الايرادات نحو 268 مليون دينار والمنح الخارجية 67 مليون دينار مقابل 251 مليون دينار و68 مليون دينار في العام 2013 على التوالي، اي اننا نلاحظ مزيدا من الدعم الرسمي من الخزينة لتلك المؤسسات ومزيدا من الاعتماد على المنح الخارجية والاقتراض، ما يزيد من المديونية العامة للبلاد.
اما المديونية فقد تجاوزت 81 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، فالحكومة كانت في حالة هلع غير منطقي نحو الاقتراض الداخلي والخارجي معا، ففي العام 2013 اقترضت من البنوك المحلية ما يزيد عن الملياري دينار، ومن الخارج ما يناهز 500 مليون دولار، ما رفع خدمة الدين من 800 مليون دينار في العام الحالي الى 1.1 مليار دينار في سنة 2014، ولا يوجد في الافق ما يوحي بان الحكومة ستحد من هذا التوجه على العكس، فهي في حالة بحث مستمر عن الاقتراض.
حتى فرضيات الموازنة حول اسعار النفط بـ100 دولار، وتحقيق نمو اقتصادي بمعدل 3.5 في المئة، كلها فرضيات من نسج خيال وزارة المالية بعيدة عن الاسس الاقتصادية والدراسات البحثية، وحتى لو افترضنا صحة التقديرات فهي لا تعكس اي مدلولات ايجابية لزيادة الانفاق العام على الاداء الاقتصادي من حيث قدرته على خلق فرص عمل جديدة ومواجهة جيوب الفقر المنتشرة في كل محافظات المملكة.
أكثر شيء مقلق في موازنة 2014 هو غياب مبدأ التحوط في تقدير الايرادات المحلية ورفع سقوف التوقعات بشكل مبالغ فيه، ما سيسبب اختلالات مالية كبيرة مع نهاية السنة المالية كما حدث في موازنة 2013. مشروع قانون موازنة 2014 يخالف كل تعهدات الحكومة بالاصلاح الاقتصادي، ولا يتناسب مع حجم الدعم الدولي لها، وكل اعتمادها الآن بات محصورا في زيادة الاسعار ورفع الدعم والضرائب، في ظل غياب أية حلول اقتصادية ناجعة للاقتصاد الوطني.

