رحيل حاكم الفايز ومانديلا..
في نفس اليوم، يرحل نلسون مانديلا وحاكم الفايز، وهما مناضلان سياسيان قديمان، الأول معروف عالميا بنشاطه ضد الفصل العنصري المقيت في جنوب افريقيا، والثاني معروف عربيا بنضاله القومي ضد الظلم والاستبداد العربي والأجبني، تم سجن مانديلا لمدة 27 عاما، وتم سجن حاكم الفايز لمدة 23 عاما، وقد أطلق وصف «مانديلا العرب» على ضافي الجمعاني، رفيق حاكم الفايز و «عديله»، وهما الصديقان اللذان تم سجنهما من قبل الرئيس السوري حافظ الأسد عام 1970، برفقة الرئيس السوري «نور الدين الأتاسي» وصلاح جديد، وذلك لرفضهم الانقلاب العسكري الذي قام به حافظ الأسد»وزير الدفاع» وأطاح بالرئيس الأتاسي، واعتقل كل معارضي الانقلاب من قيادات حزب البعث العربي الحاكم.
بداية شهر ايار 2013، زرت منزل حاكم الفايز، ولم أتمكن من اللقاء به، بسبب وضعه الصحي، لكنني جلست مع زوجته السيدة واجد الجمعاني «ام الفهد»، وهي واحدة من الأمهات الأردنيات، وسيدات العمل الاجتماعي، ورفيقة درب المناضل المرحوم، رافقتها لمدة تزيد عن 3 ساعات، حدثتني فيها عن حاكم الفايز وولدها المرحوم «صخر»، وكتبت مقالة تم نشرها في هذه الزاوية يوم 14-5-2013، بعنوان عاش صخر، تحدثت فيها عن صبر ونضال وأصالة وإنسانية بيت أردني، جمع القيم والمبادىء والصدق والشجاعة والصبر، ودفع الكثير من استقراره واستمراره، وسجل في ذاكرة الأردنيين أعظم قصص النضال ورسم أبهى صور النقاء والالتزام والإنسانية..
يقف العالم حدادا على موت نلسون مانديلا، ونقف حدادا على حاكم الفايز ومانديلا أيضا، ونتأمل في المصادفة الغريبة التي جمعت بين المناضلين، إذ يرحلان في نفس اليوم»الجمعة الماضي»، بعد أن سطرا في أذهان الناس أعظم قصص التضحية والنضال والثبات على المبادىء الكبيرة السامية، وحين نعود لنقرأ تاريخ حاكم الفايز، سنجد في صفحاته مواقف لا تصدر عن رجال عاديين، فمسيرة الرجل حافلة بالنضال والتضحية، وهي السيرة والمسيرة التي كانت وما زالت صفة أبنائه وزوجته، وليس غريبا أن تصبح ابنته «هند» نائبا في مجلس النواب الأردني، نفهم موقفها السياسي وأداءها حين نعلم أنها ابنة المناضل الكبير حاكم الفايز..
حين أسمع حديثا عن مثقال الفايز أو عن أي من أبنائه وأحفاده، فلا أستقبله كما يستقبله باقي المستمعين، لأنني أملك ذاكرة عن هذه العائلة، وتاريخا رواه لي المرحوم والدي وتبادله أعمامي وقبلهم أجدادي، وعلى الرغم من أنني من مواليد قرية الربة- الكرك، وعشت فيها كل حياتي، إلا أنني أعرف عن ام العمد والسامك وبرازين ومنجا والغبية وام البساتين وحسبان..الخ، وأملك نسخة «طبق الأصل» من ذاكرة ورواية والدي عن تاريخه الشخصي وتاريخ أجداده مع عشائر البلقاء، وحكايات شيقة مع وعن الشيخ الكبير مثقال الفايز وأبنائه، وهي ذات الحكايات مع عشائر العجارمة والشيخ «ابن شهوان»..وهذا سبب إضافي يجعلني أعتز بمناضل مثل حاكم الفايز، البدوي، ابن أكبر الاقطاعيين الأردنيين، الذي اقتنع طوعا بالانتساب الى حزب قومي اشتراكي، فكافأه الرئيس السوري الراحل بالسجن لمدة اقتربت من ربع قرن، ومازادته الا تمسكا بمبادئه ورفضه لكل أشكال الاستبداد والطغيان..
يحق للمناضلين حول العالم الحزن على نيلسون مانديلا، وكذلك نقول عن شرفاء الأردن ومناضليه ونخبه وكل مواطنيه، يحق لنا جميعا أن نحزن على رحيل حاكم الفايز، وأن نعتز بتاريخه النضالي الأردني المشرف، فهو قامة أردنية استطالت حتى أشرفت على بحر من تاريخ أردني كتبه عظماء، قاموا بأداء رسالتهم بشرف وشجاعة، ثم رحلوا بصمت، فجدير بنا أن نذكرهم بالخير..ونطلب لهم الرحمة ولذويهم الصبر والسلوان.
الدستور

