صحيفة الكترونية اردنية شاملة

لماذا تثير صفقة إيران مخاوف السعودية؟

0

كتب أستاذ العلوم السياسية في جامعة فيرمونت وزميل غير مقيم في مركز بروكنجز بالدوحة، ومؤلف كتابي “ممالك النفط” و”العلاقات الدولية في الخليج الفارسي”، غريغوري غوز (F. Gregory Gause) مقالا نشرته مجلة “نيويوركر”، وعنوانه: “لماذا تثير صفقة إيران مخاوف السعودية”.

بعد أن خلصت الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وألمانيا إلى توقيع اتفاق مبدئي مع إيران يوم الأحد (الماضي)، لم يستغرق منتقدو الصفقة الإقليميين وقتا طويلا للرد، حيث وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الاتفاق بأنه “خطأ تاريخي”، في حين أبدت المملكة العربية السعودية، الحليف الأميركي الآخر في الشرق الأوسط قلقها إزاء الانفتاح على إيران، واتخذ نهجا مختلفا وأصدرت بيانا صيغ بعناية، رحبت فيه بالاتفاق ولكن بحذر.

وقال الكاتب إن السعوديين ليس لديهم حلفاء في السياسة الأميركية للحشد ضد إدارة أوباما ، وليس لديهم رغبة في وضع أنفسهم ضد القوى الدولية الأخرى التي وقعت على الاتفاق، بما في ذلك أهم شركائها الأمنيين، فرنسا وبريطانيا، وزميلها في إنتاج النفط: روسيا، وزبونها الرئيس في استهلاك النفط: الصين. لكنهم غير راضين مثل الإسرائيليين، ولكن لأسباب مختلفة قليلا.

السعوديون ليسوا قلقين لمجرد طموحات إيران النووية، لديهم خوف أكثر عمقا: أن الاتجاهات الجغرافية السياسية في الشرق الأوسط لا تصبَ في صالحهم، مما يهدد كلا من مكانتهم الإقليمية وأمنهم الداخلي. ذلك أن السعودية ترى في إيران منافسا يهيمن في العراق ولبنان، ويسند حليفه في سوريا ويصوغ الآن علاقة جديدة مع واشنطن، وباختصار، السعودية متخوفة من أن هذه الصفقة تزيل كل العقبات أمام إيران للهيمنة الإقليمية وتمنح جرأة إضافية للسكان الشيعة في دول الخليج، بما فيها السعودية، لمعارضة حكامهم السنة.

في الأسابيع الأخيرة، زادت حدة الاعتراضات والمخاوف السعودية (وحتى التهديدات بالحصول على السلاح النووي) من التقارب الأميركي الإيراني وكثرت الشكاوى من إستراتيجية إدارة أوباما في الشرق الأوسط.

ويرى الكاتب أن السبب المباشر لاستياء السعودية (قبل الاتفاق مع إيران) كان سوريا. ذلك أن الرياض أيدت بحماس تهديد الرئيس أوباما باستخدام القوة ضد نظام الأسد بعد هجوم بالأسلحة الكيميائية على إحدى ضواحي دمشق في اغسطس الماضي.

كان أمل السعوديين في أن ضربة أميركية ستدفع واشنطن للتدخل العسكري المباشر لإسقاط الأسد . ولكن الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا، بعد التفاوض، للتخلص من الأسلحة والمواد الكيميائية الأسلحة، ويعتبره الكاتب نصرا دلوماسيا لإدارة أوباما في سوريا، رأت فيه الرياض ليس فرصة ضائعة لتوجيه ضربة حاسمة إلى الأسد وحسب، ولكنه أيضا اعتراف بأن نظام الأسد أصبح شريكا دوليا له الشرعية بدلا من أن يكون منبوذا وجب خلعه. ومع التزام مجلس الأمن الدولي باتفاق الأسلحة الكيميائية، قرر السعوديون رفضهم الانضمام إليه.

وعندما ذهب وزير الخارجية جون كيري إلى الرياض في 4 نوفمبر لطمأنة السعوديين بالتزام أميركا المستمر لأمنهم، أشار وزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل، إلى سوريا بأنها “أرض محتلة”. ولكن كل محاولات الرياض في كبح جماح القوة الإيرانية في العالم العربي (من لبنان إلى العراق) قد فشلت تقريبا.

ويرى الكاتب أن هذا لم يكن مجرد نكسة “جغرافية سياسية” للرياض، إذ إن القيادة السعودية تعتقد أن زيادة القوة الإيرانية سوف تؤدي إلى تعبئة الشيشة سياسيا داخل دول الخليج التي يحكمها السنة.

والسعوديون وحلفاؤهم في الخليج متيقنون من أن إيران تتدخل مباشرة في شؤونهم الداخلية، وهم مقتنعون بأن الدور الإقليمي المتزايد لإيران سوف يُلهم حتما استياء الشيعة، الأمر الذي يجعل صعود إيران بمثابة تهديد غير مباشر لاستقرار دول الخليج أيضا.

ولكن، كما أورد الكاتب، كانت هناك بقعة واحدة مشرقة للسعوديين وسط الاضطرابات الإقليمية، وهي تحديدا لانتفاضة ضد الأسد في سوريا، أقرب حليف لإيران في العالم العربي، وتمثل أفضل فرصة للرياض منذ أكثر من عشر سنوات لدحر القوة الإيرانية.

وعلى هذا، كان رفض أوباما اتخاذ إجراءات ضد الأسد، بالنسبة للسعوديين، أحد الأمثلة على عدم قدرة واشنطن على تقدير المخاطر والفرص في الربيع العربي.

وكان وقوف واشنطن جانبا في الثورة على الرئيس المصري المخلوع، حسني مبارك، سيئا للغاية، ولكن احتضان حكومة الإخوان في القاهرة ، والتي كانت الرياض ترى فيها شريكا غير موثوق في المواجهة ضد إيران، ومنافسا للسلطة السعودية في تفسير “الإسلام السني”، كان أسوأ من تخليها عن مبارك.

وترى إدارة أوباما، وفقا للكاتب، في انفتاحها على إيران جزءا من جهد أوسع لتحقيق الاستقرار في المنطقة، وترى في التزام إيران بنبذ الأسلحة النووية بوصفه استحقاقا لحلفاء مثل المملكة العربية السعودية. ولكن السعوديين، من دون مقعد على طاولة المفاوضات، يخشون من أن واشنطن سوف تثبَت الهيمنة الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان وفي الخليج أيضا مقابل الصفقة النووية.

ومع ذلك، فإن الكاتب يرى أن الخلافات الحالية بين الحكومتين السعودية والأمريكية لا تؤدي إلى تمزق دائم في العلاقة، كما يعرف السعوديين أنفسهم يعترفون، ذلك أن المصلحة الأساسية التي ربطت السعودية بالولايات المتحدة (ضمان أمن الخليج مقابل التدفق الحر لموارد الطاقة) لا تزال قائمة.

ولكن طبيعة الخلافات الأخيرة تشير إلى وجود صراع كامن بين الحليفين. المشكلة، حسب الكاتب، ليست في أن الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية لديهم أهداف مختلفة في المنطقة، ولكن المشكلة هي أن لديهم وجهات نظر مختلفة جدا عن مدى أهمية وأولوية هذه الأهداف، والسبيل الأمثل وحجم الجهد المبذول لتحقيقها.

ويرى الكاتب أن مخاوف السعودية من أن واشنطن سوف تبيع مصالحها الإقليمية في “صفقة كبرى” مع إيران، مبالغ فيها، ذلك أن السياسة الأمريكية في منطقة الخليج، ولعقود عديدة ، قائمة على منع أي قوة أخرى من أن تصبح المهيمنة، وواشنطن ليست على وشك تحويل المفاتيح وتسليمها لإيران.

ولكن الكاتب يوافق السعوديين بشأن قلقهم إزاء عدم إقرار الولايات المتحدة بأن أي اتفاق نووي إنما يتضمن تنازلات لإيران على الجغرافيا السياسية الإقليمية، ويرى (الكاتب) أن للسعودية الحق أيضا في الاستنتاج بأن واشنطن لا ترى في الإطاحة بالأسد أولوية كما هو الشأن بالنسبة للرياض، وأن الولايات المتحدة لا ترى القضية الفلسطينية بوصفها القضية الأساسية لسياستها في المنطقة.

ويرى الكاتب أن هناك العديد من المصالح المشتركة للحفاظ على استمرار هذا التحالف، بما في ذلك المخاوف المشتركة حول النفوذ الإيراني في المنطقة وحول القاعدة وفروعها.

وليس لدى السعوديين أي بدائل في الوقت الحاضر لضمان أمنهم أفضل من علاقاتهم مع الولايات المتحدة: فالأوروبيون ضعيفون جدا عسكريا، روسيا في تراجع، والصين ليست لديها القدرة ولا الرغبة في إظهار القوة في الخليج.

لكن مع مرور الوقت، يمكننا توقع المزيد من فترات الاضطراب بين واشنطن والرياض. الحلفاء قد لا يختلفون على الأهداف، ولكن سوف يختلفون على أولوياتها على نحو متزايد.

وعندما تأذن ساعة نهاية “علاقة خاصة”، ربما بعد عقود من الآن، فإنها لا تنتهي بسماع دوي وإثارة ضجة ولكن بالافتراق التدريجي عن بعضهما البعض.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.