صحيفة الكترونية اردنية شاملة

نظرية ‘الإرهاب والكباب’!

0

ثمة مبالغة فيما نقرأه من تصريحات وتقارير إعلامية، عن تأثير تنظيم “القاعدة” في سورية على الأردن. إذ يشير بعض التقديرات الإعلامية إلى أنّ تعداد التنظيم هو بحدود 30 ألف شخص مدرّب ومعدّ وجاهز للمضي قدماً إلى أبعد مدى؛ أي العمليات الانتحارية والسيارات المفخّخة. بل ويتجاوز أحد المتحدثين (غير الرسميين) باسم السلفية الجهادية في الأردن هذا الرقم، إلى القول إنّ عدد أفراد “القاعدة” يصل في سورية إلى 60 ألف شخص مدرّب، ولديه خبرة قتالية كبيرة!

هذه الأرقام ليست صحيحة، ولا قريبة من الصحة، حتى في التقارير والدراسات الأمنية الغربية؛ إذ يتراوح عدد أفراد “القاعدة” (“الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) مع “جبهة النصرة”) ما بين 8-10 آلاف شخص. وإذا كانت هنالك تقديرات تتجاوز ذلك، فإنها تجعل الحدّ الأعلى نحو 12 ألف شخص، مع الأخذ بعين الاعتبار للاختلاف الحالي بين “داعش” وجبهة النصرة؛ إذ تقترب الأخيرة من الاندماج في الطبيعة المحلية للصراع، فيما تحافظ “داعش” على الطبيعة الإقليمية والمفهوم “العالمي” للصراع.
ربما جاء الخلط من قراءة بعض التقارير الأمنية الغربية التي تقدّر عدد المنتسبين إلى التيارات الإسلامية المتشددة في سورية بحوالي 25-30 ألف شخص، بالطبع من دون “القاعدة” (أي إننا نتحدث في حال إضافة “القاعدة” عن قرابة 40 ألف شخص). وهذا تصنيف إشكالي وجدلي. إذ من الواضح أنّ المقصود هنا بـ”المتشددة”، تلك الفصائل التي تنتمي إلى الجبهة السورية الإسلامية (وأبرزها حركة أحرار الشام)، والتي تمتاز بالطبيعة السلفية الحركية، لكنّها تختلف مع أجندة “القاعدة”، سياسياً وفكرياً، ودخلت في صدام كبير معها.
التطوّر الجديد اليوم يتمثّل في “القيادة الإسلامية المشتركة”، وتوحيد أهم الفصائل الإسلامية الكبرى، وأغلبها ذات طابع سلفي، في ائتلاف، تمهيداً لتوحيد تنظيماتها وتشكيلاتها، وستكون أكبر وأهمّ تجمع في سورية، يضم قرابة 70 ألف مقاتل. ومن المتوقع أن يحدث اشتباك واختلاف كبير بين هذا الائتلاف و”القاعدة”، ما يعني أنّ وضع هذه الفصائل السلفية مع “القاعدة” في حزمة واحدة، هو تصنيف غير موضوعي، وغير واقعي، ويعكس تسطيحاً للمشهد السوري، ولإدراك التنوع الكبير بين أجندات هذه الفصائل وخلفياتها وأهدافها السياسية!
المبالغة الثانية تتمثل في تقدير خطر “القاعدة” على الأردن. إذ إنّ “داعش” موجودة غالباً في المناطق الشمالية، ولا تملك حضوراً كبيراً في درعا، بينما وجود “جبهة النصرة” في درعا هو وجود محدود، فيما لا تنتمي أغلب الفصائل الأخرى في المناطق الجنوبية لـ”القاعدة”. هذا فضلاً عن أن الأردن ودول الخليج تمتلك نفوذاً في هذه المناطق، وحلفاء من الفصائل والمجتمع المحلي؛ ما يجعل من سيناريو سيطرة “القاعدة” عليها أمراً بعيد الاحتمال.
يضاف إلى هذا وذاك، أنّ تيار السلفية الجهادية في الأردن اتخذ موقفاً حاسماً خلال السنوات القليلة الماضية، عبر شيخه السجين أبو محمد المقدسي (وينضم إليه حالياً أبو قتادة الفلسطيني)، ويتمثل في التأكيد على “سلمية الدعوة”؛ أي نزع المشروعية عن أي أعمال عنف يقوم بها أفراد محسوبون على هذا التيار في الأردن، ما يضعف من هذا الاحتمال ويجعله ثانوياً ومحدوداً جداً.
مع الإقرار بوجود احتمالات وتداعيات لوجود “القاعدة”، لكنّها لا تصل إلى جزء بسيط مما نقرأه في الإعلام. وما نخشاه أن يكون الهدف من هذه المبالغة هو خلق حالة مقصودة من التخويف والرعب، بما يتجاوز الواقع الموضوعي كثيراً، ويكرّس أوهاماً حول الخطر الحقيقي والتهديد الجوهري (الذي يأتي من الداخل بصورة رئيسة)، فتضيع البوصلة ما بين الخطر الموهوم (الإرهاب) والحقيقي (الكباب- لقمة العيش)!

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.