‘طوشات الجامعات’ العلاج أكبر من التعليم العالي
يروي احد طلاب جامعة البلقاء التطبيقية أحداث الثلاثاء الماضي فيقول كنا في الساحة عندما فوجئنا بجماعات تأتي من اليمين واليسار تتبادلان إطلاق النار من فوق رؤوس مئات الطلبة ، ويضيف ، لأول مرة في حياتي أشاهد الرصاص الحي يتطاير بينما هرع الطلبة مذعورون الى المباني ومطعم الجامعة ، وسيطر الهلع على الجميع خاصة الطالبات وقد أصيب احد الطلاب في عنقه بينما استخدمت قوات الامن قنابل الغاز المسيلة للدموع وهناك معلومات عن جرح بعض رجال الامن .
لم يندلع العنف في هذه الجامعة فجأة انما أتى بعد يومين من ( الطوشات الطلابية )داخلها وإطلاق النار من حولها . هذا الحادث الذي وقع يوم الثلاثاء قوبل كالعادة بجملة من ردود الفعل مثل التصريحات المنددة وتعليق الدراسة واحالة ١٦ طالباً الى المحاكم وهو ما احتوته وسائل الاعلام من اخبار خلال يوم الاربعاء ، لكن جميع هذه الردود لم تمنع اندلاع طوشه اخرى يوم الخميس التالي في جامعة آل البيت اسفرت عن اصابة طالب ، وهو نفس اليوم الذي شهد اصدار بيان عن رؤساء الجامعات بعد لقائهم مع وزير التعليم العالي يطالبون فيه التصدي بحزم لجميع مظاهر العنف الجامعي .
بالتأكيد مثل هذه البيانات لم تعد مفيدة للتصدي لمشكلة اكبر من قدرة وزارة التعليم العالي ورؤساء الجامعات ومن مجالس امنائها الذين يعدون بالمئات . ما نواجهه اليوم ، حصاد ما زرع على مدى أربعة عقود من سياسات تربوية وأمنية ومن عادات اجتماعية أفرغت الجامعات من الإحساس القوي بالهوية الأكاديمية والوطنية التي تشعر الطلبة بفخر الانتماء اليها وذلك لحساب هويات وانتماءات صغيرة مغلفة بعادات بالية يعاد إنتاجها من زمن الغزو والنخوات العشائرية والتعصب الجهوي حتى تحولت الساحات الجامعية الى مجموعات كل واحدة تتصرف ( وعقلها على راس خشمها) . وبدل ان تغير الجامعات عقليات وسلوك المجتمعات المحيطة بها ، يحدث العكس حيث أصبحت الساحة الجامعية منفساً لسلوك الحارات . وتتجلى هذه الظاهرة في انتخابات مجالس الطلبة عندما ترى يافطات لقوائم تحالف بين هذه العشيرة وتلك بمواجهة تحالف عشائري وجهوي مضاد على طريقة ( عدو جدي عدوي ) .
لقد أغرقت الجامعات بإعداد هائلة من الطلبة بدون التقيد بأسس علمية للقبول حتى وصل عدددهم في الجامعة الاردنية ،على سبيل المثال ، ما يساوي عدد طلاب جامعة أكسفورد التي عمرها ١٠ قرون ، وجامعة اشنطن عاصمة ال ٣٠٠ مليون أمريكي ، واذا أردت ان تبحث في الموسوعة (ويكيبيديا )عن جامعات العالم تجد قوائم بأسماء علماء ومشاهير من خريجيها لكنك تصدم وانت تقرأ على صفحات بعض جامعاتنا في الموسوعة أخبار عن الطوشات والعنف والفصل والتحويل للمحاكم !!.
العنف الجامعي مجرد قشور لمشكلة أعمق واكبر من قدرة وزارة التعليم العالي ومن رؤساء الجامعات ، انها قضية وعي عام وسلوك وعادات اجتماعية سلبية اخترقت ساحات التعليم العالي بما هو دخيل ونقيض كامتداد لما طرأ من عادات سلبية غريبة في المجتمعات المحلية . ونتيجة لسياسية التعيينات والقبول التي قامت على أسس امنية غير أكاديمية . واذا اردنا (للتمكين الديموقراطي ) المنشود ان ينطلق على أسس صحيحة فانه يجب العمل على فصل الاختصاص التعليمي والهويات الأكاديمية وما تفرضه من احكام عند القبول والتعيين ، عن السياسة القائمة على اعتبارات التنمية الاجتماعية والسياسات الأمنية حتى تكون الاختصاصات لمن يستحقها ولمن يكرس وقته وعقله لاستيعابها ( وهو ما نراه عملياً موجود في كليات الطب والاختصاصات العلمية ) لان افضل أنواع الامن واقصر الطرق لتنمية المجتمع هو ترسيخ الانتماء للهوية الأكاديمية والوطنية في الجامعات والتصدي لاي انتماءات اخرى .

