التهرب الضريبي والقانون الجديد
نصح صندوق النقد الدولي الحكومة في آخر مباحثات بينهما بضرورة الاسراع في إنجاز مشروع قانون جديد للضريبة يبدأ تطبيقه اعبتارا من العام المقبل، يسمح بزيادة الايرادات المحلية من خلال زيادة معدلاتها على مختلف الشرائح والقطاعات .
الحكومة بدورها بدأت فعلا خطوات الاعداد لمسودة جديدة لمشروع قانون ضريبة الدخل، وأهم ما جاء فيه أنها وحدت النسبة الضريبية على القطاعات الكبرى من بنوك وشركات اتصالات وصناعات استخراجية ومالية وجعلت الضريبة عليها 35 في المئة، في المقابل الغت الاعفاءات الضريبية على الافراد وخفضت الضريبة عليهم، بحيث ألغت الميزة السابقة التي كانوا يتمتعون بها في ظل القانون المعمول به والذي يقضي باعفاء اكثر من 97 في المئة من الافراد من الضريبة، في حين ان المسودة الحالية تخفض هذه النسبة الى 87 في المئة.
الحقيقة التي مازال النظام المالي الرسمي يتهرب منها في المسألة الضريبية هي التهرب التي باتت ظاهرة مقلقة تضرب جهود الاصلاح الاقتصادي بعرض الحائط.
البنك الدولي يقدر قيمة الاموال “المهربة” ضريبيا بنحو 800 مليون دينار، والحكومة تقول إن لديها سجلات ضريبة وقضائية في المحاكم معلقة منذ عقود تتجاوز قيمتها 1.2 مليار دينار، وهي موارد مالية ضائعة على الخزينة التي تعاني من صعوبات في تلبية تمويل نفقاتها المتزايدة.
المشروع مازال قاصرا لناحية اتخاذ الاجراءات الكفيلة بالمعالجات الفاعلة لقضية التهرب الضريبي في المملكة، والتي يعتقد ان وجود الكثير من الثغرات القانونية في هذا المجال يعزز من حالة الاحتقان بالشارع نتيجة غياب عدالة الاستحقاق الضريبي في المجتمع.
اثبتت التجارب السابقة في الممارسات الضريبية ان قضية معالجة التهرب الضريبي والحد من هذه الآفة لا يكون برفع معدلات الضريبة، وانما بتوسيع قاعدة المشمولين بالضريبة وانضمامهم الى سجلات رسمية، تبين حقيقة اعمالهم بصرف النظر عن النسب الضريبية المفروضة عليهم، وعادة ما تكون العلاقة طردية بين انخفاض الضريبة والتزام المكلف بالدفع وعدم التهرب.
في بعض الدول مثل تايوان لا تعاني هذه الدولة الصناعية الكبرى من أية مشاكل متعلقة بالتهرب الضريبي، وقد تبين وجود عنصرين رئيسيين في هذا المجال اتبعتهما الحكومة هناك في هذا القطاع، فالضريبة تفرض وفق الحالة الاقتصادية، فتخفيضها يكون في حالة الركود والتباطؤ الاقتصادي ورفعها يكون في حالات الانتعاش والازدهار.
الامر الثاني متعلق بمدى تقبل المجتمع للضريبة وتفهمه لهذا الامر باعتباره عنصرا من عناصر الولاء لدولتهم، وفي هذا الصدد تقوم الحكومة هناك باعداد مسابقة مالية تشجع المواطنين على ان يتقدموا بفواتير شرائهم الى عمليات سحب تجريها الحكومة وتمنح ملايين الدولارات للفائزين حسب ارقام متسلسلة على الفواتير، ما يجعل كل مواطن يطلب فاتورة شراء من اي محل يرتاده، وبالتالي طريقة غير مباشرة تلزم كافة المحلات بان يكون لها سجل ضريبي وتدفع وفق فواتير منضبطة.
مازال القانون عاجز عن التعامل مع قطاعات ثرية وهي الان بمعزل عن التحصيل الضريبي وتمتلك قدرة على التهرب وفق احكام القانون الذي لا يعالج التحصيلات منها بفاعلية مثل المحاماة والاطباء وبعض عمليات التدريس، كلها من المفترض ان تدخل الوعاء الضريبي، حينها سيكون العائد على الحكومة اكبر مما تفكر به وزارة المالية.

