صحيفة الكترونية اردنية شاملة

‘الشعب يريد تغيير المناهج’

0

جميل أن تعلن الحكومة عن تغيير اسم البتراء في الكتب المدرسية الجديدة، ليصبح “البترا”؛ من دون الهمزة.

بيد أن اسم “البتراء” ليس الخطأ الوحيد الموجود في الكتب المدرسية؛ بل ثمة تشوهات أكبر وأشد خطراً تتضمنها المناهج، أهمها أنها تقوم على مبدأ التلقين الذي لا يضيف مهارات مفيدة للطلبة، ويقتل التفكير الإبداعي الخلاق لديهم.

وكل الحديث عن مواجهة تراجع التعليم يحتاج إلى ثورة في المناهج، لإبعاد الطلبة عن حشو المعلومات والحفظ المرهق من دون جدوى. وأسوأ من ذلك تخرجهم من المدرسة وقد وُضعوا على طريق، فيما العالم وفرصه في طريق أخرى؛ فيغدون غرباء في عالمهم، غير قادرين على مجاراته!

الرأي السابق يقر به كثير من الخبراء الذين يدركون ضعف دور المناهج الحالية في بناء قدرات مختلفة للطلبة، وبما يحول دون تطويرهم وتأهيلهم للانتقال إلى مرحلة جديدة تناسب النقلات السريعة التي يمر بها العالم على صعيد التعليم والعمل.

فكثير من مضامين مناهج التعليم في الأردن ليست سوى مضيعة للوقت، وجهد غير ذي نفع. والنتائج واضحة من المخرجات التي تُظهر ضعفا كبيرا في تطوير الشخصية وفتح آفاق جديدة للطالب في حياته العملية.

ثمة شواهد متزايدة على التراجع الكبير الذي أصاب مخرجات التعليم في الأردن، والحوادث تتكرر مؤكدة ذلك. ففي مسابقة لأكثر من شركة عالمية لاختيار موظفين للعمل لديها في مجال المحاسبة وتكنولوجيا المعلومات، اجتاز الاختبار عدد محدود لا يتجاوز

نسبة 5 % من المتقدمين.

كثيرة هي المطالبات بإعادة النظر في المناهج لتبتعد عن الروح الحالية، هذا إن وُجدت فيها روح أصلاً. وقد شملت هذه المطالبات تعديل نصوص تتضمنها كثير من المناهج في مختلف المراحل التعليمية، تكرس ثقافة رفض الآخر والانغلاق، ولا علاقة لها باحترام الآخر والتعايش. وهذه مبادئ أساسية يقوم عليها البلد، في وقت نحن في أشد الحاجة إلى تعزيز اللُّحمة الوطنية. إذ تغيب مناهج التربية الوطنية المرسّخة للوعي الوطني ومفاهيمه ذات الصلة، لتنبت بدلاً منها الولاءات الفرعية.

النائب ونقيب المعلمين مصطفى الرواشدة يروي تجربته الخاصة وتقييمه للمناهج، بعد سنوات من العمل في مهنة التعليم. وأنا اقتبس من كلامه إذ يقول: “كنت أطرح على طلابي في الصفوف المختلفة، الأساسية أو الثانوية، أول سؤال عندما أنتقل لمدرسة أو أدخل أول مرة لصف من الصفوف: من يُعرّف لي الوطن؟ أحياناً كثيرة لا أجد طالبا يجيب عن هذا السؤال.. أيضاً ما هو الشعب؟ المفهوم غير واضح للطلبة”. ويضيف الرواشدة: “لاحظت غيابا شبه مطلق لإلمام الطلبة بالعديد من المفردات أو المفاهيم والمصطلحات الضرورية لتعميق الانتماء الوطني؛ فهذه غير موجودة. بالتالي، يجب التركيز على الأبعاد السابقة في صياغة منهاج التربية الوطنية، والتاريخ والجغرافيا”.

دور المناهج في خلق حالة وطنية جمعية غائب؛ وزرع الانتماء الحقيقي والصادق من خلال المناهج النافذة غير ممكن. ما يجعل تغييرها حاجة ماسة، لإعادة غرس هذه المفاهيم وتنميتها في الأجيال المقبلة، بهدف القضاء على التعصب والهويات الفرعية التي تتنامى بشكل خطير، وتنعكس كل يوم في سلوك هنا وأزمة هناك، ونقطف “ثمارها!” كل يوم.

قتل الإبداع، وقتل القيم التقدمية في المناهج، تم في حقبة الثمانينيات. وقد ساهمت عوامل متعددة في الإبقاء على كل التشوهات في الكتب التي يحملها أطفالنا، حتى جاء يوم صرنا نشكك فيه بقدرة المدارس على تخريج أجيال قادرة على مواجهة الحياة.

إن الشعار المطلوب رفعه فعلاً في المرحلة الحالية، وفق قول أكثر المهتمين بالنهوض بالتعليم في الأردن، هو “الشعب يريد تغيير المناهج”. وإصلاح التعليم هو الطريق لتحقيق كل تغيير إيجابي مطلوب.(الغد)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.