بعد ‘المفاوضات’.. من سيحزم الحقائب؟!
جرى الترويج لاستئناف “محادثات السلام” الحالية بين الفلسطينيين والكيان، باعتبارها انفراجاً للمأزق الطويل، ستفضي إلى اتفاق في غضون تسعة أشهر. ينبغي أن يُنجز في تسعة أشهر عمياء ما لم يتم إنجازه في عشرين سنة من التلاعب المكشوف بالفلسطينيين واعتقالهم في مصيدة المفاوضات. ويعني ما يقوله كل المنخرطين في أطروحة المفاوضات أن المسائل ستكون إجرائية فقط قبل أن يوضِّب أي فلسطيني في المنفى حقيبة صغيرة، ويستعد لييمم شطر الوطن -حتى لو كان الوطن الصغير في الضفة- بلا تأشيرة ولا تعقيدات. وسيستقبله مواطنوه فقط في مكاتب الحدود بما يُستقبل به مغترب قديم عائد للزيارة أو الإقامة. وحسب وعد المفاوضات، ثمة آخرون سيحزمون حقائبهم أيضاً؛ المستوطنون المحتلون في الأراضي الفلسطينية المغتصبة. سوف “يعود” هؤلاء إلى مستوطناتهم الأقدم -بيوت الفلسطينيين التي صادروها وسكنوا فيها بعد ترويع وطرد أهلها في العام 1948. إذا كان هذا هو ما جلس المفاوضون الفلسطينيون على طاولة المفاوضات الأخيرة لأجله، فأنعم وأكرم. أما إذا كان أي شيء أقل من ذلك، فعلام يجلسون؟
ما رشح عن الأشهر الثلاثة التي انقضت من التسعة المعيّنة للتوصل إلى السلام، هو “إكسير الخيبة” مركزاً. يقال -كما يعرف أي عاقل- أن مفاوضي الكيان يحكون كل الوقت عن “أمن إسرائيل” وفقط “أمن إسرائيل”. وأثناء المفاوضات نفسها، أعلن رئيس وزراء الاحتلال أنه لا سلام ما لم يعترف الفلسطينيون أولاً بيهودية “الدولة”، ويتخلون عن حق العودة للأبد. وفي الطريق تشتري له هذه التسعة أشهر من “أحاديث العجائز” غطاءً ممتازاً مجانياً بأيدٍ فلسطينية ليستمر في بناء المستعمرات و”الوقائع على الأرض”. وفي الأثناء، يغتنم المتطرفون الحاكمون في دولة الكيان تفاقم حالة الخدَر التي تصيب الفلسطينيين في المفاوضات، للمطالبة الواثقة بضم الضفة جميعاً في دولة الاحتلال وتنتهي قصة فلسطين.
حسب البعض، تنوي الولايات المتحدة أيضاً حزم حقائبها والرحيل عن المنطقة المليئة بالمتاعب، بعد أن حلت مشكلة بترولها وطاقتها بعيداً عن هنا. ويقولون إنه لم يعد للأميركيين شيء يفعلونه بعد الانسحابات من العراق وأفغانستان وغيرهما، سوى حل مسألتين: إيران النووية، والمسألة الفلسطينية.
لذلك، ينهمك أوباما في العمل مع روحاني، وينهمك كيري في الشغل على “عملية السلام”. لكنّه حتى لو كان موضوع حزم الحقائب الأميركية صحيحاً، فإنّ ما يُدعى “أمن إسرائيل” هو في الجوهر من المسألتين المذكورتين. وإذا كانت أميركا تفعل الآن شيئاً، فهو استخدام عضلاتها ضد الجميع لإعطاء حلفائها المحتلين في فلسطين ما يكفّ شرهم عن الكونغرس ورئيس البيت الأبيض. ولأن هؤلاء لا يرضون بأقل من إلغاء شيء اسمه فلسطين وفلسطينيون من الخريطة والقاموس، فبماذا يطمع الفلسطينيون من محادثات ترعاها أميركا؟ هل سيجلبون البوارج وصواريخ كروز إلى سواحل المتوسط، ويجبرون الكيان على الرحيل من الأرض الصغيرة التي يمنّون بها -اسمياً- على الفلسطينيين؟!
الطرف الأخير الذي يقال إنه قد يلمّ أوراقه ويرحل، هو المفاوضون الفلسطينيون.
ويقترح مراقب حسن الاطلاع أن هؤلاء المفاوضين لو امتلكوا الحد الأدنى من الجرأة الأدبية، لغادروا هذه الاجتماعات التي يتعرضون فيها للإذلال والسخرية فقط. هل يجرأون ويوفرون على شعبهم الوقت والحرج، ويرفعون الغطاء عن بشاعة وحش الاحتلال الذي ينتفخ كل دقيقة؟ إذا كانوا سيفعلون، فإنّ ذلك ينبغي أن يفضي إلى حزم الحقائب التي كان ينبغي حزمها منذ بدأت خيبات أوسلو و”العملية” تلقي بأولى ظلالها الكئيبة: حقائب “السلطة الفلسطينية” التي أنتجتها المفاوضات من أجل إدامة المفاوضات، ثم المفاوضات، واشترت كل هذا الوقت للاحتلال حتى يسمَن بلا مقاومة.
في الحقيقة، لن تحزم الولايات المتحدة حقائبها وتحلّ عن ظهر الفلسطينيين ليخوضوا نضالهم بعدالة. لن يحزم المستوطنون حقائب الرحيل عن الأرض المحتلة بينما تحرسهم فيها بنادق “فلسطينية”. لن تحزم “السلطة” حقائبها، ربما خشية أن ينال العدو الفرصة ليعتذر بأنه ليس له “شريك سلام” -فيحتل فلسطين ويقمع المقاومين؟!
لن يحزم المنفيون الفلسطينيون حقائب العودة -لا إلى وطن صغير ولا كبير- وسيظلون يحملون الوطن في حقيبة المهاجر الجاهزة دائماً لرحيل آخر. لن يحزم حقائبه أحد بعد “المفاوضات” -حتى يقرر الفلسطينيون شيئاً آخر!
الغد

