صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الأردن يدشّن واحة رقميّة خضراء في الصحراء

0

في كانون الثاني (يناير) ركبت جودي سمكة وأخوها كريم الحافلة من حلب التي مزقتها الحرب في سورية، متجهين إلى الحدود اللبنانية، وقطعا مسافة 20 كليو متراً مشياً على الأقدام وسط الثلوج لركوب الطائرة من بيروت إلى عمان.
استغرقت هذه الرحلة 40 ساعة، وكان الهدف منها هو الانضمام إلى 60 شخصاً أو نحو ذلك في دورة مدتها أسبوع، لأصحاب المشاريع الطموحين من الأردن والبلدان العربية الأخرى.
جودي هي ابنة عائلة كانت تتخصص في صناعة اللبن والمسلي والزبدة، وسبق أن عملت في صناعة الوجبات السريعة في سورية، وبالتالي كانت لديها فكرة عن الأعمال. وتقول: ”شهادتي في الأدب الفرنسي، لكن شغفي العملي هو الطعام.” أراد أخوها إنشاء شركة تعمل في خدمة التوصيل. كانت الدورة تحت إشراف شركة أويسيس 500، وهي شركة تعمل في تسريع الأعمال في عمان، بهدف احتضان الشركات أصحاب المشاريع من خلال الرعاية وتقديم رأس المال وشبكات المعارف. الشركة مدعومة من قبل مستثمرين خاصين، معظمهم من قطاع تكنولوجيا المعلومات المزدهر في الأردن، والملك عبد الله الثاني، المحب للتكنولوجيا. الأردن بلد يفتقر إلى الموارد الطبيعية، ويواجه نسباً مرتفعة من البطالة بين الشباب؛ لكنه في الوقت نفسه يتمتع بثروة من الخريجين في تكنولوجيا المعلومات، كما أن قيادة البلد مهتمة بتشجيع النمو السريع للشركات الناشئة.
هذه المؤسسة ”المسَرِّعة” للأعمال عملت على تدريب أكثر من 1440 من أصحاب المشاريع في 24 معسكراً تدريبياً، منها واحد في بيروت واثنان في رام الله في الضفة الغربية في فلسطين. بعد ذلك يتلقى المشاركون الذين يأتون بأفضل الأفكار بعد قضائهم مدة شهر أو نحو ذلك في الدورات، رأسمال مبدئي وتدريباً من أهل الخبرة في الأعمال حول كيفية كتابة خطط العمل، وتصميم موقع على الإنترنت، وإعداد أهدافهم. معظم هذه الشركات مشاريع رقمية.
هناك عدد أقل حتى من ذلك يتلقون المساعدة في العثور على مستثمرين، واستثمار آخر من شركة أويسيس 500 نفسها. استثمرت هذه المسرِّعة الحاضنة 2.4 مليون دولار في 61 شركة حتى الآن، واجتذبت ثمانية ملايين دولار في تمويل لاحق، وهو رقم يقول الراعون عنه إنه يؤكد وجودها ويشهد بالنجاح المالي للشركة نفسها.
لم تحظ فكرة سمكة بالفوز، لكن أخته مشغولة الآن بتطوير شركة فرش آند مور Fresh & More، التي تصفها بأنها: ”شركة مجاميع للطعام الصحي”، فهي تجمع وتنشر رقمياً معلومات وتحاليل غذائية لمواد الوجبات في مطاعم عمّان المشهورة.
يأتي التشبيه الوارد في اسم شركة أويسيس 500 حول ظهور البراعم الخضراء، من الصحراء (أويسيس معناها واحة بالعربية)، وتعتبر وصفاً جيداً للأردن المليئة باللاجئين، وحيث تعاني الشركات الرئيسية تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع أسعار الطاقة. لدى الأردن نسبة من أعلى النسب في العالم في خريجي تكنولوجيا المعلومات، الذين طوروا في العقد الماضي أكبر قطاع لتكنولوجيا المعلومات في العالم العربي نسبة إلى بقية الاقتصاد، ويعود الفضل في ذلك إلى الجهود المتواصلة للملك عبد الله الثاني وصناع السياسة الحكومية، في تعزيز بيئة صديقة للأعمال.
بالرهان على أسواق متخصصة في تكنولوجيا المعلومات، مثل التجارة الإلكترونية وتعريب المحتوى على الإنترنت، نما القطاع من شركات يبلغ إجمالي مبيعاتها 500 مليون دولار، ويعمل بها نحو عشرة آلاف موظف، إلى 2.3 مليار دولار من المبيعات وتشغيل نحو 80 ألف موظف في الوقت الحاضر. تشكل تكنولوجيا المعلومات 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بصورة مباشرة وغير مباشرة، بعد أن كانت 3 في المائة في 2000.
يقول مروان جمعة، وهو صاحب مشاريع ووزير سابق للاتصالات، وساعد في هندسة جهود الأردن نحو الرهان على شركات تكنولوجيا المعلومات والشركات الرقمية: ”هذه هي المرة الأولى في الشرق الأوسط التي ”يمتلك” فيها القطاع الخاص عملية إنتاجيّة، ويعمل مع الحكومة من أجل تحقيق النتائج”.
شهد قطاع تكنولوجيا المعلومات الأردني أول بروز كبير له في 2009، حين اشترت شركة ياهو شركة مكتوب، أول بوابة إنترنت كبيرة باللغة العربية، مقابل 164 مليون دولار كما ذكرت التقارير. إلى جانب تعزيز مشاعر الاعتزاز الوطني، أدت الصفقة إلى عاصفة ذهنية في البلاط الملكي. جمع الملك مجموعة من المستشارين غير الرسميين، لدراسة السبب في عجز البلاد عن تحقيق المزيد من عمليات النجاح الكبيرة من هذا القبيل، بقيادة قطاع تكنولوجيا المعلومات، وتوصل النقاش إلى فجوة في التمويل الأساسي والاستثمار من الأفراد، وهو ما أدى إلى تأسيس شركة أويسيس 500، لسد تلك الثغرة.
في مقر شركة أويسيس 500 في منطقة أعمال راقية في عمان، يتواصل مجموعة من الرؤساء التنفيذيين حديثي العهد وأمامهم يوم عمل طويل؛ ويغلب عليهم الدوام في الساعات نفسها، مثل أصحاب المشاريع الآخرين الطامحين للنجاح في قطاع التكنولوجيا، في أماكن مثل وادي السيليكون. جدران المكاتب مزينة بآيات من القرآن الكريم أو أمثال وحكم عربية لتحفيز أصحاب المشاريع، مثل قول علي بن أبي طالب: ”لا تكرهوا أولادكم على أخلاقكم، فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم” على اختلاف طفيف في الروايات، أو الآية الكريمة رقم 11 من سورة الرعد: ”إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم”.
أحد الأدوار التي تضطلع بها ”أويسيس 500” هي المساعدة في تغيير عقلية هؤلاء الأشخاص المبتدئين، بما في ذلك قبول الفشل. في إحدى غرف اجتماعات شركة أويسيس 500 يقول جمعة فياض، رئيس مجلس الإدارة التنفيذي: ”لن تتعلم أبداً ركوب الدرّاجة، ما لم تقع عدة مرات”. وهو صاحب مشاريع أردني ـــ أمريكي ناجح، وصنع لنفسه اسماً في وادي السيليكون بلعب أدوار في شركات منها مايكروسوفت وياهو، حيث عمل في منصب كبير إداريي البيانات، وفي شركات ناشئة أسسها بنفسه، مضيفاً: ”الشيء الآخر، هو أن علينا تغيير أخلاقيات العمل، وكامل مفهومنا لقيمة الوقت”.
من بين الشركات الصغيرة التي يجري احتضانها تحت سقف ”أويسيس 500” هناك ”جاليري الشرق” التي تبيع الصور الجاهزة المرخصة لاستخدامها في أغراض خاصة، على الإنترنت عبر الشرق الأوسط. تقول ريهام مَحافْظة، مؤسسة شركة جاليري الشرق والرئيسة التنفيذية: من الصعب في الواقع في هذه المنطقة جمع الأموال بمبالغ بين 100 ألف إلى مليون دولار. هنا يأتي دور شركة أويسيس”. من الشركات الأخرى التي ترعاها شركة أويسيس، هناك ”فيشة”، أول محل على الإنترنت في الشرق الأوسط لبيع الأدوات الموسيقية؛ و”مسموع”، وهي شركة لإنتاج الكتب الصوتية باللغة العربية، وتشيزو، التي تنتج برامج لصناعة ألبومات الصور.
تُردد دعاء الشيخ، مؤسسة موقع ”حجابكِ” أصداء تعليق فياض حول تغيير العقلية: ”لقد جعلونا نركّز ونهتم بالتركيز ـــ هذا أكثر أهمية من الفكرة نفسها.” وهي تعمل على تطوير محل على الإنترنت لبيع حجابات أنيقة. وتقول إن الفكرة جاءتها بعد أن ”عانت الأمَرين” أثناء تسوقها لشراء حجابات تكون أنيقة وميسورة التكلفة في الوقت نفسه. وأثناء تطوير الفكرة مع المدربين والمستشارين في” أويسيس 500”، قررت ألا يتم تصنيع الأقمشة محلياً في الأردن، بل استيرادها من ماليزيا، للاستفادة من التكاليف المتدنيّة وأسعار الصرف المناسبة. وحتى مع ذلك، يبين غيث قعوار، مؤسس تشيزو والرئيس التنفيذي لها، في حوار في مكاتب المؤسسة المسرِّعة، أن الطموح لإنشاء شركة ليس واسع الانتشار حتى الآن بين الشباب في الأردن، قائلاً: ”هذه هي شركتي الناشئة الثامنة، وينظر إليَّ الجميع على أني مجنون، ويقولون لي: ما مشكلتك؟ اذهب واحصل على وظيفة مع شركة للاتصالات.”
ويضيف علاء سليمان، الرئيس التنفيذي لشركة ”مسموع” أنه حتى في الأردن، ”عادة ما يصاحب إنشاء إحدى الشركات، أن تكون العائلة ثرية أو يكونوا على صلة بالعائلة المالكة أو أصحاب ألقاب. هذه هي الطريقة التي نشأنا عليها”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.