مضمون خطاب الملك.. له جذور وفروع وأغصان
يعتبر خطاب العرش الذي ألقاه جلالة الملك عبد الله الثاني يوم الأحد الماضي اثناء افتتاحه الدورة العادية لمجلس الأمة بمثابة ترجمة واضحة لرؤى جلالته الساعية للإصلاح والتطوير ملقية الضوء على محطات متنوعة لها جذور الماضي وسوق الحاضر وفروع وأغصان المستقبل طارحة بين الحين والآخر ثمار الإصلاح التي لا تتوقف عن العطاء عبر الفصول المختلفة، فإن لم نحصل على ثمرة إصلاح معينة في فصل معين سنحصل عليها في فصل آخر وهكذا دواليك.. وهذا لن يتاتى بدون عمل دؤوب تتشارك فيه كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب وكافة شرائح المجتمع لتخرج كلها بمحصلة نهائية تنضوي تحت عنوان واحد ألا وهو «المواطنة الفاعلة»..
وهذه المواطنة قد تم فعلا تحفيزها كما اشار جلالته في خطابه من خلال تشريعات تنبثق عن الميثاق الوطني الناجم عن الحوارات المتعددة التي اجرتها اللجنة الملكية للنزاهة من اجل مكافحة الفساد والمحسوبية..
رسائل عدة تضمنها خطاب الملك بتوقفه عند محطات مضيئة وليست بالعابرة بل عميقة المضمون، بليغة المحتوى،بالغة الأثر، بلّغها جلالته بلغة الأب الحاني العطوف الحنون الحازم، الذي يستشرف المستقبل ببصيرة ملكية إصلاحية تنتظر التنفيذ الفعلي من خلال برامج مختارة يتم تطبيقها على أرض الواقع لتحقيق أهداف محددة تتراوح بين قصيرة وطويلة الأمد..
فالإستشراف يعتمد على التحليل المنطقي للأحداث والخبايا، ويعتمد على إدراك جيد لما يمكن أن يتوقعه على الساحة السياسية وغيرها.. كما أن الاستشراف هو بمثابة قدرة عجيبة يمتلكها البعض ولا يمتلكها البعض الآخر.. فما أحوجنا لأولئك ممن يقرأون ويحللون مستخلصين النتائج، وما أحوجنا الى العمل معا بيد واحدة لتطبيق رؤية الملك الإصلاحية القادرة على إستشراف المستقبل دون ان تهمل الحاضر وتتناسى الماضي..
وفعلا لقد بدأنا نحصد نتائج هذه الرؤى الاستشرافية حيث تّوجتها تعديلات دستورية نتج عنها إصلاحات تشريعية مثل قانون استقلال القضاء ومحكمة أمن الدولة.. ناهيك عن الإنجاز الكبير الذي تحقق نتيجة إجراء الانتخابات النيابية والبلدية في نفس العام بغض النظر عن الظروف الصعبة التي مر بها الأردن خلال الفترة الزمنية القصيرة الماضية..
فعلى سبيل المثال لا الحصر تعتبر رؤية الملك الإصلاحية الاستشرافية المتطلعة نحو حكومة برلمانية قد ساعدت على تمهيد الطريق من خلال تزويدها بركائز وأسس تدعّم مأسسة العمل الحزبي لينعكس بدوره على العمل النيابي مما سيعمّق فيما بعد النهج الديمقراطي محدثا القفزة النوعية نحو حكومات برلمانية..
ولهذا تناولتْ هذه الرؤى الإصلاحية جملة من القوانين من اجل المواطنين وستتناول قوانين اخرى، حيث أعلن جلالته في خطابه الملكي على حاجة المرحلة القادمة إلى تعديل في قانوني الإنتخاب والأحزاب، حتى تتمكن الأحزاب المقبلة من احتضان البرامج للانتقال الى مرحلة الحكومات البرلمانية..
ونحن نثني على ذلك مضيفين بأن للقوانين اهمية بالغة.. فالديمقراطية في أي مكان في العالم تعتمد على قوانين تكون بمثابة الدالة على المستوى الحقيقي الذي وصلت اليه الديمقراطية، آخذين بعين الأعتبار درجة عدالة هذه القوانين ومدى تطبيقها على أرض الواقع، بخاصة عندما تكون في الوقت نفسه نقطة توفيقية، تأتي نتيجة حوار وطني عقلاني بين المواطنين والحكومات بحيث يدرك الطرفان واجباتهما وحقوقهما..
ولا عجب ان يلفت جلالته في خطابه نظر مجلسيْ النواب والأعيان الى ضرورة الإلتزام بالنظام الداخلي ومدونة السلوك النيابي مما سيمنح مجلس النواب ثقة الشعب وبالتالي سيكمّل مدته الدستورية.. مؤكدا في خطابه على ان نواب الأمة وأعيانها في مجلسيهما هما حاضنة الديمقراطيةو الحوار الوطني..
نعم ما أحوجنا فعلا الى تطبيق هذه النظرة الاستشرافية المتصلة بالماضي والمتصالحة مع الحاضر والمتطلعة نحو المستقبل من خلال الحوار البنّاء فهو عنوان ممارسة الثقافة الديمقراطية واحترام الرأي الآخر.. فالديمقراطية ليست انتخابات وصناديق اقتراع فحسب إنها قول وسلوك وعمل.. إنها اسلوب حياة!
الرأي

