الاستثمار: الجميع مذنبون
تعهدت الحكومة ورئيسها الدكتور عبد الله السنور شخصيا، بأنها ستنفق حوالي 550 مليون دينار من أموال المنحة الخليجية، المقدرة بحوالي 650 مليون دينار مع نهاية العام الحالي.
الحكومة تبرر تأخّر الإنفاق خلال النصف الأول من العام الحالي، بأنّ 90 % من المشاريع التي تم التوافق حولها مع الدول الخليجية كانت “حبرا على ورق”، ولم تتضمن الاتفاقيات سوى أسماء مشاريع بدون دراسات جدوى أو غيره، أُقرّت في عهد حكومة فايز الطراونة، ما عطل الماكينة وأخّر المضي في التنفيذ.
الحكومة ستوجه الأموال لمشاريع تركز في قطاعات الطاقة، المياه، البنية التحتية والنقل، لكنها لن تنفق أموالا على مشاريع تعيد تدخلها في النشاط الاقتصادي.
المتوقع بحسب المخطط، أن تنشِئ الحكومة بنىً تحتية في قطاعات استراتيجية، تحثّ القطاع الخاص على إنشاء مشاريع في مختلف مناطق المملكة على مدى السنوات المقبلة، ممولة من المنح الخليجية المقدرة بحوالي 5 مليارات دولار، يتزامن تنفيذها مع تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي خلال الفترة 2013 – 2016.
نظريا، يبدو أن الوضع سيكون أفضل بعد ثلاث سنوات، إذ يُتوقع أن تتحسن المؤشرات المالية والنقدية، باستثناء قيمة الدين كقيمة مطلقة ومقارنة بالناتج المحلي، كما يرجّح أنْ تتحسن مؤشرات التنمية بعد إنفاق مليارات الخليج، إن وُجِّه الإنفاق بشكل سليم وصحي.
شعبيا، ما يهم الناس أحوالهم الاقتصادية، ما يعني أن كل ما سبق سيفقد قيمته المضافة، في حال لم تفلح جهود جذب استثمارات القطاع الخاص المحلي والأجنبي، على قاعدة أنّ الاستثمار بكل ما يعانيه اليوم من معوّقات، هو الحل الحقيقي للمشاكل الاقتصادية، وحتى تلك التي تمس حياة الناس من فقر وبطالة.
فتوليد فرص العمل من قبل القطاع العام، لم يعد ممكنا، والأمل الوحيد بتخفيض معدلات البطالة، مرهون باستقطاب استثمارات خارجية جديدة، وإنشاء مشاريع محلية، تستوعب العدد المهول من العاطلين عن العمل.
حجم الاستثمار الحقيقي حتى الربع الثالث من العام الحالي ارتفع بنسبة 31 %، وقيمته تصل إلى 710 ملايين دينار، لكنّ هذا الكم من الاستثمار لا يكفي لاستيعاب العرض الكبير من الراغبين في العمل، إذ يقدر عدد الخريجين الذين يدخلون سوق العمل سنويا، بحوالي 60 ألف خريج.
تحقيق الهدف واستعادة عافية مؤشر الاستثمار، مسألة ليست هيّنة، وربما تحتاج إلى دق الجرس، بإعلان وطني يثقف الجميع بأهمية الاستثمار، ومنافعه.
فالجميع متهمون في هذه الناحية؛ المجتمع، الحكومات، وكذلك المؤسسة التشريعية، التي لم تلتفت على مدى 11 عاما إلى أن إدارة هذا القطاع تتم بقانون مؤقت منذ العام 2003، وآخر مشروع قانون ما يزال بحوزة النواب، وعرض عليهم في الدورة الماضية للمجلس، ولم يقرَّ بعد.
المستثمرون أيضا مقصرون، فبعض التجارب معهم وعدم اكتراثهم لمسؤوليتهم الاجتماعية، أضعفت من إيمان المجتمعات بهم، وخلقت حالة من الجفاء بينهما.
التثقيف والتعريف بأهمية الاستثمار ضرورة، لتبديد النظرة السلبية حيال الاستثمار والمستثمرين، التي صورت للأردنيين، أن المستثمرين فاسدون طامعون بالبلد، ولم يدرك المجتمع بعد دورهم في حل مشكلاته.
من المجدي، أن تشمل الحملة موظفي القطاع العام، للقضاء على العلاقة السلبية القائمة والانطباعات الخاطئة بين هذه الفئات حول الاستثمار والمستثمرين.
بعد ذلك تلزم دراسة قانون الاستثمار المطروح من قبل الحكومة الحالية بعمق، لتخليصه من مسح صفة الجباية، فهذه السياسة عدو للمستثمر، تماما مثل المواطن.
وتشجيع الاستثمار يحتاج أيضا إلى نسفٍ للإجراءات الرسمية وعقلية التعامل مع المستثمر، بحيث نرتقي بمستوى الخدمات المقدمة له، والأهم؛ التخلص من العقلية الاتهامية في التعامل مع المستثمرين.
(الغد)

