صحيفة الكترونية اردنية شاملة

تجارب الآخرين.. المعضلة بالإدارة

0

دائما في الأردن ما نلوم شح الموارد كسبب رئيسي في أزمة البلاد التنموية، وبدلا من تطوير سياسات الاعتماد على الذات من خلال تنمية القدرات البشرية وتأهيلها للابتكار والانجاز، بات الاقتصاد الوطني أكثر التصاقا بالمساعدات الخارجية، لدرجة أن تراجعها عن مستوى معين قد يؤدي إلى نتائج كارثية تتعلق في عدم قدرة الخزينة على دفع مستحقات اساسية مثل الرواتب.

ما دفعني للحديث عن هذا الموضوع هو ما شاهدته في تايوان خلال زيارتي الأخيرة لها خلال عطلة العيد، فعلا أنموذج تنموي يدرّس على كل الأصعدة، دولة عبارة عن جزيرة لا تتجاوز مساحتها الإجمالية ثلث مساحة الأردن، عدد سكانها يناهز الـ 23 مليون نسمة.

أول ما يلفت انتباهك هو الانتظام الشديد المنضبط على الطرقات، فلا توجد ازدحامات مرورية نهائيا حتى في أوقات الذروة، فالكل يعرف طريقه ووقت خروجه، والسيارات تسير جنبا إلى جنب مع الدراجات النارية التي يتجاوز عددها الاجمالي 13 مليون دراجة، كلها تسير في مسارها بانتظام، ما يشعرك بأن الحياة سهلة، خاصة عندما تركب المترو الحديث، الذي يقطع الجزيرة من شمالها لجنوبها ببضع دقائق.

هذا التنظيم مرتبط بإدارة مؤهلة لقيادة العملية التنموية في البلاد، لا يتم اختيار أعضائها عن طريق ضغوطات النواب أو الواسطات أو المحسوبيات، لأن هناك سلطة رابعة بجانب السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية هي سلطة التعيينات، المختصة بتوظيف القطاع العام واختيار العاملين فيه وفق أسس ومعايير علمية ومهنية عالية المستوى، تغيب فيها كل مشاهد التدخلات، وتعتمد اعلى درجات معايير النزاهة والشفافية، فلا أحد يأخذ وظيفة أحد، والكل يُعين وفق المؤهلات والكفاءة، فقاموس التعيينات في تايوان لا يشتمل سوى على معايير النزاهة والمؤهلات، حتى في مسالة الإقالة، فالأمر لا يُترك لأرباب الأعمال، فهناك سلطة تدقق في قرارات المسؤولين، وقضاء يبادر إلى تصحيح أي خلل إداري والنظر في أي شكوي إدارية.

تطور الإدارة في تايوان لم يكن مقتصرا على القضايا المعيشية اليومية، بل كان جزءا أصيلا في فكر الدولة التي تعاني من عدم اعتراف دبلوماسي بها من قبل المجتمع الدولي بسبب أزمتها مع الصين الشعبية، والتطور النوعي في الفكر الاداري لهذه الدولة انها خرجت مبكرا من احضان الدعم الأميركي، واخذت تنتهج منهج الاعتماد على الذات، معتمدة على ريادة الانسان لديها وتطوير العقل البشري باتجاه الابتكار والاختراع والتصنيع، لذلك نمت تايوان اقتصاديا بشكل أذهل العالم، فهذه الدولة الصغيرة بات ناتجها الاجمالي يناهز الـ470 مليار دولار ، وهو من أعلى عشر اقتصاديات في العالم، ولنتخيل ان كل 25 جزء من الثانية يتم تصنيع جهاز خلوي، وكل 30 جزء من الثانية يتم تصنيع حاسوب، و68 في المئة من اي جهاز محمول تكون مكوناته مصنوعة في تايوان.

هذا الانجاز الصناعي مدعوم بكوادر بشرية علمية ومؤسسات بحثية تحصن العلماء، فلديها مركز البحوث التكنولوجية الذي يضم أكثر من 2500 ممن يحملون شهادة الدكتوراه من أرقي جامعات العالم وفي أهم التخصصات العلمية، وهم علماء يواصلون عمليات البحث والاختراع والتطوير.

ولا ننسى أن في تايوان 71 جامعة منها 10 جامعات من بين أهم 500 جامعة في العالم وواحدة منهم من أهم من 100 جامعة في العالم، ما يدلل على مدى النهضة العلمية التي رافقت التطور الصناعي.

في تايوان لا تحتاج الى مساحات زراعية ومياه لكي تنتج منتجات زراعية، فلديها تقنيات طورها التايوانيون بأنفسهم لتصنيع المنتجات الزراعية في مصانع مخصصة لذلك لا تستخدم التربة وكميات قليلة من المياه مقابل انتاج غزير من كافة المحاصيل.

صحيح ان تايوان غير معترف بها دوليا كدولة في الامم المتحدة، لكن من منا لا يشاهد ولا يسمع ولا يرى منتجات مكتوب عليها: “صنع في تايوان” فصناعات التايوانيون ومنتجاتهم كانت أفضل سفير لبلادهم، حيث غزت معظم اسواق العالم، واستطاعت ان تفرض نفسها في كل الاسواق، وهو ما عجزت عنه السياسة والدبلوماسية.

النموذج التايواني يؤكد أن الارادة والتصميم على النجاح، والتنظيم وتنمية العقول البشرية وتعزيز نظم النزاهة فعلا لا قولا هو أثمن من أية مساعدات، واثمن من اي موارد تحت الارض وفوقها، فالأساس هو الانسان.

[email protected]

[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.