صحيفة الكترونية اردنية شاملة

عندما يسلّم نظام الممانعة للمفتشين..!

السلاح الكيماوي هو أحد أسلحة التدمير الشامل ، ويطلق عليه ” قنبلة الفقراء النووية ” نظرا لسهولة صنعه وقلة تكاليفه مقارنة مع القنابل النووية . ويشمل هذا السلاح أنواعا متعددة من العناصر السامة والحارقة والخانقة ، وهنالك وسائل مختلفة لقذفه إلى أهدافه المحددة ، علما بأن استخدامه محرم دوليا حتى في الحروب . وسبق لي أن كتبتُ بعض المعلومات حول هذا الموضوع مبينا تأثيراته وسبل الوقاية منه من خلال هذا الموقع وغيره تنويرا للقراء الكرام .

لقد أقيمت خلال العقود الماضية العديد من المصانع الكيماوية وأماكن تخزينها في مناطق متفرقة في الأراضي السورية ، وتم إنتاج كميات كبيرة من بعض العوامل الكيماوية خلال تلك الفترة ، حيث شكلت أكبر ترسانة كيماوية في الشرق الأوسط .

أعتبر هذا السلاح من الناحية العسكرية ” سلاح ردع استراتيجي عربي ” بمواجهة القنابل النووية التي تمتلكها إسرائيل . فشكلت عامل توازن للقوى العسكرية بين الدول العربية وإسرائيل ، خاصة بعد تدمير المفاعل النووي العراقي قبل اكتماله في عام 1981 . وفي هذه الحالة كان السلاح الكيماوي السوري على رأس قائمة الأهداف الاستراتيجية التي تنوي إسرائيل التخلص منه بأية وسيلة ممكنة .

لم يخطر ببال أحد أن هذا السلاح سيستخدم ضد أبناء الشعب السوري ، إلا أن النظام أقدم على هذه الخطوة الخطيرة أكثر من مرة كان آخرها قصف منطقة الغوطة بريف دمشق بالقنابل الكيماوية بتاريخ 21 أغسطس / آب 2013 ، مما تسبب بمقتل ما يزيد على 1400 شخص بينهم أطفال ونساء ، وتلويث تلك المنطقة بالعوامل الكيماوية السامة .

هذا التصرف من قبل النظام السوري خلق المبرر الذي كانت تنتظره بعض الدول الغربية من أجل التخلص من ذلك السلاح الخطير تطبيقا للمواثيق الدولية وخدمة لإسرائيل ، لاسيما وأن سوريا لم توقع على اتفاقيتي حظر استخدام السلاح الكيماوي لعامي 1925 و 1997 . فقامت الولايات المتحدة بحشد الأساطيل البحرية وحاملات الطائرات وتحضير القواعد الجوية في بعض مناطق الشرق الأوسط استعدادا لمعاقبة النظام السوري وتوجيه ضربة عسكرية رادعة له .

إلا أن النظام السوري وبدعم من روسيا قام بحركة إجهاضية أفرغت الضربة العسكرية من مبرراتها ، حيث عرض وزير خارجيته بصورة مفاجئة التخلي عن السلاح الكيماوي وفتح مواقعه للمفتشين الدوليين ، تمهيدا لتدميره والتخلص منه مقابل وقف الضربة العسكرية الأمريكية . لقد خدمت هذه الخطوة في أحدى جوانبها الشعب السوري ، إذ جنبته ضربة مدمّرة كانت ستعيد البلاد قرونا إلى الوراء .

وقبل أيام أطل علينا الرئيس السوري بشار الأسد ــ رئيس نظام المقاومة والممانعة ــ من خلال فضائية الميادين ، وأعلن أنه لم يتنازل عن سلاحه الكيماوي تحت تهديد العمل العسكري الأمريكي ، وإنما كان هذا التنازل مخططا له في وقت سابق وجاء توقيت إعلانه في هذه الظروف بالمصادفة .

فلو سلمّنا جدلا بما تفضل به الرئيس بشار ، فإن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه الآن هو : لماذا قرر الرئيس المقاوم والممانع التخلي عن سلاحه ــ سلاح الردع الاستراتيجي ــ طواعية في هذا الوقت بالتحديد ؟ هل تم تدمير السلاح النووي الإسرائيلي وزال الخطر الذي يشكله ضد سوريا والأمة العربية ؟ وهل انتهت المجابهة بين إسرائيل والأمة العربية ومن بينها سوريا وعمّ السلام وأصبحت المجابهة بين الطرفين من أحلام الماضي ؟ أم أن هناك صفقة تمت بين النظام والدول الغربية في الخفاء لا نعلم مكنوناتها ؟ نريد من سيادته جوابا واضحا يُجلي الغموض الذي يكتنف تصريحاته الأخيرة . . !

إنه عذر أقبح من ذنب ذلك الذي أتحفنا به سيادته من خلال شاشة الميادين مبررا تسليم سلاحه الكيماوي للمفتشين ، وباسطا لنا فلسفته العميقة في تحليل المواقف السياسية والأمنية محليا ودوليا ، وناثرا الاتهامات على كل من يخالف توجهاته الحكيمة . كان من الممكن أن يقول سيادته بأنني لا استطيع مواجهة دولة عظمى بأساطيلها الجوية والبحرية والتي ستفرض إرادتها علي بالقوة العسكرية المتفوقة ، وعندها قد نجد له بعض العذر في اتقاء الضربة العسكرية المتوقعة وحفظ ماء الوجه . ولكنني أود تذكيره هنا بالقول المأثور : تستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت ، ولكن لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت.

قد يقول قائل أن لدى الرئيس بشار مصانع للأسلحة الكيماوية ، وسيعاود انتاج العوامل الكيماوية من جديد بعد زوال الأزمة الحالية . وهذا كلام ليس له مكان في الواقع العملي لأن تلك المصانع سيجري تفكيكها أو تدميرها من قبل المفتشين بموافقة النظام نفسه . وستكون النشاطات في هذا المجال تحت إشراف المراقبين الدوليين ، وستبقى المنطقة تحت مراقبة مجسات الأقمار الصناعية التي تجوب أجواء المنطقة على مدار الساعة ، لاسيما بعد أن وقّعت سوريا مؤخرا على اتفاقيات حظر الأسلحة الكيماوية .

سقطة تاريخية كبرى ارتكبها الرئيس بشار الأسد تضاف إلى سقطاته الأخرى ، عندما سلّم سلاح الردع الاستراتيجي للمفتشين الدوليين ليجري تدميره على الأراضي السورية أما أعين النظام ، بينما الصراع ما زال قائما مع العدو الإسرائيلي الذي يحتفظ بترسانة نووية كبيرة .

كما أعلن الرئيس بشار مكرمة جديدة للمشاهدين ، بأنه لا يمانع بالترشح لفترة رئاسية أخرى رغم كل ما جره من مصائب على سوريا ، لكي يجثم بها سنوات شداد على صدر الشعب الذي أذاقه الموت والتشريد ، وأعاد سوريا بحضارتها العريقة خمسين عاما إلى الوراء .

التعليقات مغلقة.