من الرصيف إلى رأس المال العامل: العقبة تُحوّل الكفاءة اللوجستية إلى ميزة اقتصادية
بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر
لا تُقاس أهمية الموانئ بعدد السفن التي ترسو فيها أو الحاويات التي تغادر أرصفتها، بل بقدرتها على تقليص الزمن بين وصول المواد الأولية إلى المصنع ووصول المنتج إلى السوق. ومن هنا، يحمل الأداء القياسي لميناء حاويات العقبة خلال أيلول دلالة تتجاوز الإنجاز التشغيلي؛ فهو مؤشر على قدرة الأردن على حماية تدفقاته التجارية وتعزيز موقعه في سلاسل الإمداد الإقليمية، ضمن بيئة تتسم بارتفاع حساسية كلف النقل والتأمين وعدم اليقين الجيوسياسي.
سجّلت شركة ميناء حاويات العقبة مناولة 107,803 حاويات نمطية قياس 20 قدماً عبر استقبال وخدمة 53 سفينة خلال أيلول، ليكون الشهر الثالث على التوالي الذي تتجاوز فيه الشركة حاجز 100 ألف حاوية. كما ناولت 14,712 حاوية ترانزيت، وسجلت 45,901 حركة شاحنات عبر بواباتها. وهذه ليست أرقاماً تشغيلية معزولة؛ بل دليل على أن العقبة تؤدي دوراً يتجاوز المنفذ البحري الوطني إلى بوابة إقليمية تحتاج إلى تكامل الميناء والجمارك والنقل البري والمستودعات والخدمات المساندة.
لكن القراءة الاقتصادية الأعمق تبدأ بعد انتهاء عملية المناولة. فكل يوم إضافي تمكث فيه الحاوية بين الميناء والمصنع أو السوق يعني رأس مال عامل مجمداً، ورسوم تخزين محتملة، وتأخراً في الإنتاج أو التسليم، وضغطاً على سيولة المنشآت، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة. ويمكن للمصانع قياس الأثر المالي لأي تأخير لوجستي من خلال معادلة واضحة:
كلفة السلع المباعة يومياً × أيام التأخير = رأس المال العامل المقيّد بسبب البطء اللوجستي.
وعليه، لا تكتمل قيمة الرقم القياسي في المناولة إلا عندما ينعكس في زمن إفراج أقصر، وانتظام أدق في التسليم، وانخفاض في الكلفة الكلية لوصول السلعة إلى المصنع والمستهلك. فالسرعة داخل الميناء، إن لم تتصل بسلاسة الوثائق والفحص والنقل البري، قد تتحول إلى كفاءة جزئية لا تلتقط أثرها الشركات في ميزانياتها.
ولا تنفصل ميزة العقبة عن شبكة النقل البري والممرات الجمركية. فجمرك العقبة يعالج معاملات الواردات والصادرات وإعادة التصدير والترانزيت، فيما تتيح المنظومة الإلكترونية إجراءات للشحن والتخليص البحري. وهذا يضع المسؤولية على تكامل الأداء بين الجهات كافة؛ إذ لا يكفي أن تتحرك الحاوية بسرعة داخل المحطة إذا تعطلت لاحقاً في الوثائق أو الفحص أو نقلها إلى المدن الصناعية والأسواق.
ويمثل الترانزيت، بحسب احتساب الكاتبة، نحو 13.6% من إجمالي الحاويات المناولة في أيلول. وهذه نسبة تحمل فرصة استراتيجية للأردن؛ فالترانزيت ليس مجرد حركة عابرة، بل يمكن أن يتحول إلى قيمة مضافة عبر التخزين والتجميع والتغليف والخدمات اللوجستية والتأمين والخدمات المالية والصيانة. وبقدر ما تنجح العقبة في تقديم خدمة موثوقة ومنتظمة، تستطيع جذب جزء أكبر من حركة التجارة الإقليمية، ورفع تنافسية الأردن كمركز للخدمات اللوجستية.
المرحلة التالية تحتاج إلى لوحة مؤشرات مشتركة وشفافة تجمع شركة الميناء والجمارك وسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة وقطاع الشحن والمصدرين. ومن أهم مؤشرات القياس: متوسط زمن بقاء الحاوية، وزمن الإفراج الجمركي حسب نوع البضاعة، وكلفة نقل الحاوية إلى المدن الصناعية، ونسبة الالتزام بمواعيد التسليم، وعدد الحاويات التي تتحول إلى خدمات قيمة مضافة داخل المملكة. بهذه المؤشرات ننتقل من الاحتفاء بحجم المناولة إلى قياس الأثر الاقتصادي الحقيقي.
لقد وضعت وزارة النقل تطوير النقل الكفؤ والرقمي والمستدام وتعزيز موقع الأردن كمركز إقليمي للنقل ضمن توجهاتها الاستراتيجية. والاختبار العملي اليوم هو تحويل هذا التوجه إلى رحلة شحن مترابطة: من الرصيف إلى الجمارك، ومن الشاحنة إلى المصنع، ومن المصنع إلى أسواق التصدير.
العقبة حققت رقماً قياسياً مهماً، لكن القيمة الكبرى لهذا الإنجاز ستظهر عندما يصبح كل تحسن في مناولة الحاويات تحسناً ملموساً في سيولة المصانع، وقدرتها التصديرية، وكلفة السلع، وثقة المستثمر بأن الأردن ليس ممراً آمناً فقط، بل منصة إنتاج وتجارة موثوقة وقادرة على الصمود.
مصادر البيانات: شركة ميناء حاويات العقبة عبر وكالة الأنباء الأردنية «بترا»؛ دائرة الجمارك الأردنية؛ وزارة النقل الأردنية



التعليقات مغلقة.