ما قبل ‘الضريبة’
انشغل الرأي العام الأردني في وسائل الإعلام وعلى منصات التواصل الاجتماعي خلال الفترة الماضية بما رشح عن مشروع قانون الضريبة الجديد، الذي يفترض أن تقره الحكومة قريبا، قبل إحالته إلى مجلس الأمة صاحب السلطة والولاية في إقراره، بعد إجراء مباحثات حوله مع الجهات المختلفة ذات العلاقة.
الملامح الأولية لآراء الجهات المختلفة التي أبدت رأيها في بعض المقترحات الراشحة كانت سلبية للغاية، لا بل تطور الرأي إلى مواقف حادة جدا من الحكومة والتي وصفت من قبل الكثيرين بأبشع الأوصاف واتهمت بالجباية والاعتداء على قوت الناس ومستوى معيشتهم، رغم أن الحكومة لم تعرض رسميا أي مقترح للرأي العام، وكل الانتقادات كانت مبنية على الشائعات والأقاويل والاعتقادات لا أكثر. والواقع أن النقد لأي قانون للضريبة واقع مهما كانت مواصفات القانون، وقانون من هذا النوع الذي تسرب لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقنع المواطن او يركن اليه.
لكن قبل النقاش في طبيعة المقترحات لمشروع قانون الضريبة الجديد، الذي من المرجح ان يدخل حيز التنفيذ ويكون له الأثر الفعلي على الموازنة في العام 2019، فلا بد من القول أنه ينبغي على الحكومة أن يكون لها هدف غير تحصيل المال من جيوب المواطنين بأي ثمن والشطط في مشاركة القطاع الخاص في أرباحه وإيراداته. إن أي قانون ضريبي يجب أن يحقق الأهداف التالية :
أولا: المساهمة في تحفيز النمو الاقتصادي الذي يشكل العامل الرئيس لنجاح أي سياسة أو إجراء اقتصادي، وبالتالي لا بد من أن تكون الضريبة عاملا دافعا للنمو، وعدم تكرار التجارب السابقة خاصة في اتفاق الصندوق الأخير الذي ركز على التحصيل السريع للخزينة من إيرادات غير ضريبية، مقابل نمو ضعيف وتراجع في الإيرادات غير الضريبية، لأن الحكومة باستطاعتها أن تحصل على أموال سريعة من مختلف الجهات على المدى القصير، لكن على المديين المتوسط والبعيد ستدفع أضعاف ما حصلته لتغطية تراجع النمو وضعف الأنشطة الاقتصادية المثقلة بالأعباء المالية المختلفة.
ثانيا: على الحكومة أن تجيب بشكل واضح امام الرأي العام والجهات المختلفة من دافعي الضرائب: هل يضمن القانون الحد من مسألة التهرب الضريبي التي ما تزال أرقامها الأولية تشير إلى أنها قد تصل إلى ما يقارب المليار دولار؟، فهذا الأمر في غاية الأهمية لأنه يستند في أساسه على توزيع العدالة بين مختلف شرائح المجتمع. كذلك، هل تتصف مواد القانون بالاحكام المطلوب للحد من التجنب الضريبي غير المبرر.
ثالثا: تعزيز الدينار وحمايته من الانخفاض، خاصة على ضوء الشائعات المستمرة تجاهه، ويكون ذلك بتحصينه والحفاظ على قوته الشرائية، فالكل يعلم أن القوة الشرائية للدينار على أرض الواقع هبطت في العقدين الماضيين بأكثر من 50 بالمائة نتيجة لارتفاع الأسعار في المملكة لمختلف القطاعات والسلع والخدمات، ومل رافق ذلك من محدودية في نمو الدخل لغالبية شرائح المجتمع الأردني.
رابعا: الحفاظ على الطبقة المتوسطة في المجتمع والتي تشكل العمود الفقري لاستقرار المجتمعات، والحفاظ على وتيرة إنفاقها واستهلاكها، وعدم تحميلها أعباء مالية جديدة ترهقها وتؤثر على أمنها المعيشي. وكذلك، لا بد من أن يسهم التشريع في التخفيف من وطأة الواقع الاقتصادي على الطبقة الفقيرة في المجتمع، نظرا لما لذلك من تحصين لأمن المجتمع وسلامته.
خامسا: يقضي المنطق أن يشعر دافعو الضرائب بأنهم يتلقون خدمات أفضل وأكفأ مقابل ضرائبهم وهذا من حقهم، وبالتالي فإن على الحكومة الإسراع في رفع كفاءة الجهاز الإداري والخدمي والتي تقهقرت بشكل يدعو للقلق، ومحاربة الفساد والواسطة والمحسوبية وهي الظواهر التي تنخر في القطاع العام وتؤثر سلبا على قدراته في الأداء. كما أن على الحكومة الاصرار على قيام أجهزتها المعنية ببث العدالة وفرض سيادة القانون.
المتطلبات السابقة هي أساس نجاح وفاعلية أي قانون ضريبي، وغير ذلك ستبقى العملية تسير في نفق مظلم، وهذا له تبعات لا يحمد عقباها.

