صحيفة الكترونية اردنية شاملة

بين آمال الصندوق وبرامجه المالية

في معرض تعليقه على المنح الخليجية الجديدة الى الاردن، أعرب صندوق النقد الدولي مؤخراً عن “أمله“ بأن تسهم هذه الحزمة الجديدة من المساعدات الخارجية في تمكين الأردن من تنفيذ إصلاحات “جريئة” لمعالجة البطالة المرتفعة، وخاصة بين الشباب والنساء، وتنشيط النمو الاقتصادي مع حماية الفقراء والطبقة الوسطى.

هذه توصية وجيهة كنا ننتظرها بصراحة -قولاً وفعلاً والتزاماً واشتراطاً وبرامجاً– من قبل خبراء ومدراء الصندوق منذ عام 1989، أي منذ نحو 30 عاماً، وعلى مدى ثمانية برامج تصحيح اقتصادي كلي، وعبر عشرات المشاريع والبرامج التنموية المنفذة من قبل البنك الدولي.

كانت هذه البرامج المهيمنة على الأجندة الاقتصادية تعدنا -من ضمن ما تعدنا- باستئناف النمو الاقتصادي المستدام والمقاد من قبل القطاع الخاص والموجه نحو الخارج، على أساس انها برامج “اصلاح اقتصادي” شاملة وتنموية وليست برامج موجهة اساساً للتصحيح المالي.

وسأقولها بصراحة، أليست ثلاثة عقود كافية للاستنتاج بأن الصدمات الخارجية ليست هي السبب الوحيد في الفجوة الرحبة بين أهداف البرامج والواقع المعاش؟ وأن هنالك مشكلات جوهرية في فلسفة البرامج الليبرالية أولاً، وفي تصميمها المحاسبي ثانياً، وفي نطاقها واختصاصها المالي الضيق ثالثاً، وفي افتراضاتها ومُسلّماتها رابعاً، وفي تداعياتها الاجتماعية السلبية خامساً ؟

وفي نهاية المطاف، لو كانت برامج الصندوق “مُحْكَمة” في فلسفتها وتصميمها ونطاقها وافتراضاتها المشتركة، لعوّضت وعادلت تأثيرات هذه الصدمات الخارجية، سيما وأن العديد من هذه الصدمات قد تضمن تأثيرات ايجابية غير مؤقتة لو أُحسن استغلالها بصورة مستدامة وقوية.    

الهدف الحقيقي الاول والمباشر لبرامج الصندوق وهو تحقيق المناعة والمرونة والاستدامة المالية لم يتحقق حتى تاريخه الا في مراحل محدودة من عمر البرامج. أما الهدف غير المباشر والأوسع والأهم بنظري وهو النمو الاقتصاديالمستدام والتشاركي، فمعدلاته المتواضعة المسجلة خلالالعقد الأخير تحديداً لا تكاد تكفي لتعويض النمو السكاني، وهذا حصل رغم برامج الصندوق ومتابعته الحثيثة وقروضه الممتدة وخبراته التحليلية ومساعداته التنموية المصاحبة لبرامجه.

أما القطاع الخاص، وهو للتذكير رافعة النمو حسب رؤية الصندوق وفلسفته الأصلية، فهو يعاني حالياً من تزايد الأعباء التنظيمية والمالية، ومن ضعف الطلب المحلي وشح القوة الشرائية للمستهلكين، ومن تراجع تنافسيته الدولية بسبب رفع الأسعار وازالة الدعم وضعف المنافسة المحليةوتدني الاهتمام الحكومي والخاص بالتنافسية التكنولوجية.

أما الانفتاح على الخارج، أو سياسات تحرير التجارة التي أكدت عليها برامج الصندوق منذ عام 1989، فهو قد أدخل “بالوعة” المستوردات الواسعة الى الاسواق الاردنية، لكندون أن تجاريها الصادرات الوطنية الى الخارج بأي معيار، رغم برامج صندوق النقد والبنك الدوليين ورغم تدخلات المنظمات الدولية المعنية بتسهيل التجارة الدولية.  

تصريح الصندوق الأخير و“آماله التنموية العريضة” للاردن، وتكرار دعوته للمجتمع الدولي لتوفير الدعم للاردن،كل هذا يشكل موقفاً لفظياً مشكوراً، لكنه يمثل حكمة بأثر رجعي ولا يصنف –لوحده– ضمن الحد الأدنى المطلوب.أضافة الى ذلك، لم يصاحب هذا التصريح اعتراف صريح بأن هذه الآمال التنموية العريضة لا تقع أساساً ضمن الاختصاص المالي الضيق للصندوق. بل أزعم بأن التصريح قد مال الى قذف الكرة في مرمى الحكومة الجديدة، وهذا موقف جدير بالتنويه لكنه قد تأخر ثلاثة عقود من عمر الشعوب!.

التعليقات مغلقة.