التعافي من الفساد
تعد ظاهرة الفساد ظاهرة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية وارتبط وجودها بوجود الأنظمة السياسية والتنظيم السياسي وهي ظاهرة لا تقتصر على شعب دون آخر أو دولة أو ثقافة دون أخرى، إلا أنها تتفاوت من حيث الحجم والدرجة بين مجتمع وآخر، ولكن يلاحظ زيادة حجم هذه الظاهرة في الدول العربية ،حيث تتصدر العديد من الدول العربية الدول الأكثر فسادا في العالم وفقا لتقارير منظمة الشفافية الدولية المتخصصة في تصنيف الدول حسب درجة انتشار الفساد فيها .
وهناك اتفاق دولي على تعريف الفساد كما حددته “منظمة الشفافية الدولية” بأنه ” كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو جماعته “. وتتجلى ظاهرة الفساد بمجموعة من السلوكيات التي يقوم بها بعض من يتولون المناصب العامة، يمكن إجمالها بالرشوة والمحسوبية والمحاباة ونهب المال العام والابتزاز.
إن الفساد السياسي”Political Corruption” يساهم في تقويض الأمل بالرفاهية والاستقرار في الدول النامية ،وهو من المعايير الأساسية التي وضعتها منظمة صندوق السلام الامريكية في تقييم مدى درجة فشل الدولة ،ومن مظاهره : الحكم الشمولي وغياب الديموقراطية وعدم الالتزام بمبدأ الفصل المتوازن بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية في النظام السياسي وطغيان السلطة التنفيذية على باقي السلطات، وهو ما يؤدي إلى الإخلال بمبدأ الرقابة المتبادلة ، ضعف الجهاز القضائي ،ضعف المشاركة السياسية في صنع القرار، تفشي الجهوية والعشائرية والطائفية والعرقية ،تولية الأقارب للمناصب كبديل عن اختيار الأكفأ والأكثر نزاهة ، تفشي المحسوبية والمحاباة والوساطة ،التدخل في أحكام القضاء، ضعف أجهزة الرقابة في الدولة ، ضعف الإرادة السياسية لمكافحة الفساد وذلك بعدم اتخاذ أية إجراءات وقائية أو عقابية ضد المتورطين في قضايا فساد.
ومن أبرز مخاطر انتشار الفساد :
– تهديد إستقرار النظام السياسي ،اذ أن العلاقة بين الفساد وشرعية النظام السياسي علاقة عكسية، فكلما زاد الفساد تراجعت شرعية النظام السياسي والعكس صحيح ، وبالتالي استفحال الفساد وعدم السيطرة عليه قد يحول الدولة الى دولة فاشلة وفقا للمعايير الدولية .
– إضعاف الروح المعنوية لدى المواطنين مدنيين وعسكريين .
– ضعف الولاء والانتماء للدولة وللنظام السياسي.
– تراجع مكانة وهيبة الدولة داخليا وخارجيا .
– فقدان ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها ، وشعورهم بالظلم وعدم المساواة وتكافؤ الفرص .
– تدمير الاقتصاد الوطني ، وإحجام المستثمرين عن الإستثمار في البلد.
– انتشار الفقر والبطالة وتدني مستويات الخدمات العامة .
وفيما يلي أبرز المقترحات للحد من ظاهرة الفساد بكافة أشكاله :
– توفر إرادة سياسية حقيقية في مكافحة الفساد ،وإعمال سيادة القانون على الجميع دون محاباة أو تمييز .
– العودة الى تجربة الراحل العظيم جلالة الملك الحسين طيب الله ثراه ،عندما برزت بعض مظاهر الفساد في اوائل التسعينات، فقد لجأ جلالته الى جهاز المخابرات العامة ، الذي يحظى بثقة وإحترام كل الأردنيين،،وأمر بتشكيل مديرية مكافحة فسادعام 1996 بإدارة واشراف الجهاز بمشاركة ضباط من مديرية الأمن العام (ضباط عدلية ) ومدعي عام من المجلس القضائي ،فاجتمع في هذه المديرية : التحقيق الإستخباري (جمع المعلومات الأستخبارية عن الفساد المالي والاداري في القطاعين العام والخاص لما تملكه دائرة المخابرات العامة من إمكانية وكفاءة في هذا المجال) ،التحقيق القانوني ( من اختصاص ضباط العدلية) ، التحقيق القضائي(من إختصاص المدعي العام ).
وبالرغم من أن شهادتي مجروحة في أداء هذه المديرية كوني خدمت فيها حوالي ثماني سنوات ،الإ أنها نجحت في الحد من ظاهرة الفساد في القطاعين العام والخاص ،وشكلت قوة ردع لكل من تسول له نفسه بالتورط بالفساد ، وإستمدت قوتها من قوة وهيبة جهاز المخابرات العامة ،وتعاملت مع مئات القضايا وبالسرعة الممكنة ، لكن هذه المديرية إصطدمت بعدد من المتنفذين وتعرضت لحملة شرسة من (الديجتليين )الذين أشرفوا على عمليات الخصخصة وما شابها من عدم شفافية ونزاهة عندما تصدت لهم هذه المديرية ، وللأسف نجح هؤلاء في اقناع أصحاب القرار بفك إرتباط مديرية مكافحة الفساد بدائرة المخابرات العامة وتشكيل هئية مكافحة فساد مستقلة عام 2005 ، مع احترامي وتقديري لهذه الهيئة ،الا أن الواقع يشير الى أنها اصبحت مثلها مثل المؤسسات الحكومية الأخرى وتخضع للتأثير الحكومي ،فالشعب الأردني يطالب باجراءات فعلية على الأرض ضد الفساد والفاسدين وليس بحاجة الى حملات إعلامية توعوية ضد الفساد واصدار تقارير شبيهة بتقارير ديوان المحاسبة ،وبالتالي فالهيئة بحاجة الى تفعيل وإعادة هيكلة بضم جسم إستخباري لها مرتبط بدائرة المخابرات يتولى عمليات جمع المعلومات الاستخبارية عن الفساد المالي والاداري في القطاعين العام والخاص.
– هناك حاجة ملحة لتشكيل محكمة متخصصة بقضايا الفساد للسرعة في البت في هذه القضايا لاسترداد حقوق الناس والمستثمرين والدولة .
وأخيرا ً مكافحة الفساد الفعالة مثل شطف الدرج تبدأ من الأعلى للأسفل، ولن ينجح أي مشروع وطني في محاربة الفساد طالما بقيت النخب السياسية المتنفذة دون محاسبة ومساءلة قانونية ، وعندما يتم محاسبة أي شخص من هذه النخب سيتوقف أفراد الطبقة الدنيا عن الفساد تلقائيا ، وأن محاسبة أفراد الطبقة الدنيا الفاسدين لن تغير من سطوة الفساد وانتشاره.
حمى الله الأردن


التعليقات مغلقة.