تصريحات عدنان أبو عودة حول قضية اللاجئين الفلسطينيين
خلال ندوة نقاشية في صحيفة «الرأي» ذكر الأستاذ عدنان أبو عودة بأن الأردن هو الذي طلب (توطين) اللاجئين ، مشيرا بهذا الخصوص الى قرار الملك المؤسس عبد الله الأول عام 1949 بتحويل المقيمين في الضفة الغربية إلى مواطنين أردنيين بمن فيهم اللاجئين.
لا بد من الإشارة أولا إلى أن أبو عودة، الذي شغل عدة مواقع (ضابط مخابرات ، وزير إعلام ، رئيس ديوان ملكي ) هو رجل مفكر سياسي وخدم الدولة الأردنية والقيادة الهاشمية في عهد جلالة الملك الراحل الحسين رحمه الله، وكان أحد أركان الحكم الأردني ومهندس العلاقات الأردنية – الفلسطينية، وإنتهى مستقبله السياسي في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، وتثير تصريحاته بين الحين والآخر حول العلاقات الأردنية – الفلسطينية جدلا واسعا في الأردن لحساسيتها، وكان أبرزها مقابلته مع قناة الجزيرة عام 2006 والتي تم تحويلة على أثرها الى محكمة أمن الدولة بتهمة إطالة اللسان بحق مقام جلالة الملك وإثارة الفتنة والنعرات الطائفية .
مع إحترامنا وتقديرنا لهذا الرجل وخدماته التي قدمها للدولة الأردنية، لكن لنا عدد من الملاحظات حول تصريحاته حول موضوع اللاجئين والعلاقة الأردنية الفلسطينية :
أولا : بداية الأردن هو أوثق الأقطار العربية ارتباطاً بفلسطين، فهو الأقرب لها من حيث التاريخ والحدود والعلاقات والمصالح والتداخل السكاني، علاوة على روابط العروبة والدين ، وكان للأردن والأردنيين الدور الأبرز في القضية الفلسطينية منذ بداياتها، وشاركوا في كل معاركها، وتحملوا الجزء الأكبر من عبئها وتبعاتها باعتبار ذلك واجباً قومياً ودينياً، وأنّ هذا الدور قد جرى غمطه لفترة طويلة بل جرى في أحيان عدة تشويهه والتشكيك به والتطاول عليه، وهو أمر تأذى منه الشعور الوطني الأردني .
ثانيا: إستخدامه مصطلح (توطين) وهو مصطلح قاسي ومسئ للأردن، وتوقف أبو عودة عند هذه المرحلة فقط من تاريخ العلاقة الأردنية – الفلسطينية(1949) وإغفاله التطورات اللاحقة في العلاقات .
ثالثا: هناك حقائق لا بد من ذكرها بخصوص العلاقات الأردنية – الفلسطينية :
1. أن القيادة الهاشمية قيادة وحدوية كانت تطمح( وفقا لمبادئ الثورة العربية الكبرى ) لإقامة دولة قومية عربية مشرقية ، ولكن هذا الطموح إصطدم برفض الدول الإستعمارية الكبرى آنذاك (بريطانيا وفرنسا )، ومقاومة بعض الزعامات العربية والفلسطينية لطموحات الهاشميين، وتم إجهاض حلم الهاشميين بإنهاء المملكة الفيصلية في سوريا(1918-1920)، وتم حصر حكم الهاشميين في العراق (حتى عام 1958 ) والأردن.
2. حاولت القيادة الهاشمية في الأردن توحيد الضفة الغربية مع الأردن بشكل قانوني ودستوري ، وتمت فعلا عام 1950 ، وجاء قانون تجنيس أبناء الضفة الغربية قبل ذلك عام 1949ضمن هذا الإطار.
3. جاءت وحدة الضفتين كحاجة فرضها قرار تقسيم فلسطين وقيام الكيان الإسرائيلي ونتائج حرب 1948، فبعد نهاية الحرب انقسم عرب فلسطين إلى فريقين؛ فريق دعم تشكيل حكومة عموم فلسطين في غزة التي كانت تحت الإدارة المصرية، إلا أن هذه الحكومة كانت من الضعف بحيث انتهت في بناية بالقاهرة؛ وفريق آخر رأى أن مصلحتهم هي بالاتحاد مع الأردن، وعقد هذا الفريق مؤتمرات في نابلس وأريحا وعمان عام 1948 طالبت بالوحدة مع الأردن. يجدر بالملاحظة هنا أنّ الحكومة الأردنية أصدرت في هذه المرحلة وقبل قرار الوحدة القانون الإضافي لقانون الجنسية رقم (56) لسنة 1949 والذي نص على أن جميع المقيمين في شرق الأردن أو في المنطقة التي تديرها المملكة الأردنية الهاشمية ممن يحملون الجنسية الفلسطينية يعتبرون أنهم حازوا الجنسية الأردنية.
4. جرت انتخابات في الضفتين بتاريخ 11/4/1950 فاز بها عشرون نائباً من الضفة الشرقية ومثلهم من الضفة الغربية، وجرى تشكيل مجلس الأعيان بالمناصفة، وعقد مجلس الأمة الممثل للضفتين بالتساوي جلسة بتاريخ 24/4/1950 ووافق بالإجماع على قرار الوحدة بين الضفتين على أساس الحكم النيابي، ويلاحظ هنا أن القرار كان مشروطاً فقد نص في البند الثاني على ما يلي: ” تأكيد المحافظة على كامل الحقوق العربية في فلسطين والدفاع عن تلك الحقوق بكل الوسائل المشروعة وبملء الحق وعدم المساس بالتسوية النهائية لقضيتها العادلة في نطاق الأماني القومية والدفاع العربي والعدالة الدولية “.
5. لم تعترف أي دولة عربية بوحدة الضفتين نتيجة مصالح قطرية ضيقة أو صراعات زعامية، ووصل الأمر أن عقد مجلس الجامعة العربية اجتماعاً حاولت فيه عدد من الدول العربية (مصر والسعودية ولبنان وسوريا) طرد الأردن من الجامعة، وفشلت المحاولة لعدم حصول القرار على الإجماع لمعارضة العراق واليمن، فأصدر مجلس الجامعة قراراً في 12/6/1950 بالتحفظ على الوحدة بالنص التالي:- “لما كانت الدول العربية قد أعلنت استمساكها بعروبة فلسطين واستقلالها وسلامة إقليمها تحقيقاً لرغبات سكانها الشرعيين ورفضت كل حل يقوم على تجزئتها، فإن المملكة الأردنية الهاشمية تعتبر أن ضم الجزء الفلسطيني إليها إنما هو إجراء اقتضته الضرورات العملية، وإنها تحتفظ بهذا الجزء وديعة تحت يدها على أن يكون تابعاً للتسوية النهائية لقضية فلسطين عند تحرير أجزائها الأخرى بكيانها الذي كانت عليه قبل العدوان، وعلى أن تقبل في شأنه ما تقرره بالإجماع جامعة الدول العربية”.
ويستفاد من قرار مجلس الأمة الأردني وقرار مجلس الجامعة العربية أن الضفة الغربية وديعة لدى المملكة الأردنية الهاشمية لحين إقرار التسوية النهائية للقضية الفلسطينية بقبول فلسطيني عربي.
6. برز طموح فلسطيني منذ الخمسينات لإقامة دولة فلسطينينة مستقلة، بعيدا عن أي علاقة وحدوية مع الأردن ، وتشكلت منظمة التحرير الفلسطينية عام( 1964) وحركة فتح (1965) بدعم مصري وعربي ولتكون المنظمة المتحدث بإسم الشعب الفلسطيني، في إشارة فلسطينية لرفض علاقات الوحدة القائمة بين الأردن والضفة الغربية انذاك، ومنذ ذلك التاريخ دخلت العلاقات الرسمية الأردنية – الفلسطينية مرحلة عدم الثقة والتنافس على تمثيل الشعب الفلسطيني، توجت للأسف بالصدام المسلح بين الأردن والتنظيمات الفدائية الفلسطينية عام ( 1970)، وكانت القيادة الفلسطينية ترفض إعادة الضفة الغربية للأردن في أي مفاوضات وفقا للقرارات الدولية (242، 338)وتفضل بقاءها تحت الإحتلال على أن تعود للأردن ،لأنها تنظر للأردن كمنافس لها على الأرض والشعب الفلسطيني معا، بينما إسرائيل تنافسها على الأرض .
وإضطر الأردن عام( 1974) تحت ضغط عربي في قمة الرباط للإعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، كما قام الأردن بفك الإرتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية عام (1988) لتعزيز الطموحات الفلسطينية بإقامة الدولة الفلسطينية .
وقد توجت القيادة الفلسطينية طموحاتها بمحاولة إقامة دولة مستقلة بتوقيع إتفاق أوسلو عام (1993) دون التنسيق مع الأردن، علما بأن الأردن وفلسطين كانا ضمن وفد واحد مشترك للتفاوض حول عملية السلام .
7. الوحدة بين الشعبين الأردني والفلسطيني قدر ومصير، وهي متحققة حالياً إنسانياً وإجتماعياً ومصالح، أمّا تحققها سياسياً فيجب أن يجري البحث بمعطياتها عند قيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على أرضها وشعبها باسترجاع الحق من إسرائيل واعتراف العالم بذلك، فتكون الوحدة بين دولتين وبإرادتهما المشتركة، ويتم التفاوض على صيغة الوحدة وشكلها وسلطاتها من قبل حكومتي البلدين وفق الأسس الدستورية فيهما، وإجراء استفتاء شعبي في البلدين لبناء قناعة عند الجميع تضمن لها الاستمرارية بعيداً عن ادعاءات الضم والهيمنة.
ويتضمن الموقف الأردني الرسمي والإستراتيجي من القضية الفلسطينية دعم حل الدولتين ، وقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وحق اللاجئين بالعودة والتعويض ، ويرفض الأردن مناقشة أي شكل من أشكال الوحدة مع فلسطين ،سواء كانت فيدرالية او كونفدرالية ، قبل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وبموافقة الشعبين الأردني والفلسطيني بإستفتاء شعبي .
8. الوحدة الوطنية الأردنية عنصر القوة الأساسي في أمن الأردن واستقراره والتصدي للأهداف الإسرائيلية بنقل الصراع إلى المجتمعات العربية، وهي الضامن لسيادة القانون والعدالة للجميع.
9. ليس من حق أحد مهما كان انتماؤه أو فكره أن يتكسب بادعاء الدفاع عن حقوق فئة من فئات الوطن تحت دعاوى حق ناقص أو خدمة منقوصة أو لأي سبب آخر، فالأردن للجميع والإنتماء له والدفاع عنه واجب.
10. تعاقب على الأردن خلال عهد الإمارة 1921 – 1946 سبعة عشر حكومة لم يرأس أحداها أردني واحد، وكان أغلب الرؤساء من فلسطين والوزراء من البلاد العربية، ولا زالت القيادات السياسية والإدارية والعسكرية تمثل معظم البلاد العربية فأسهموا في التوجه العروبي للدولة على حساب الخصوصية الوطنية الأردنية ، فالأردنيون ليسوا إقليميين ولا يمكن أن يصبحوا إقليميين، وذلك بسبب النشأة العروبية لدولتهم، فقد ضحوا لفترة طويلة بخصوصيتهم الوطنية لصالح هويتهم القومية، وأن من الظلم والتجني إلصاق صفة الإقليمية بكل أردني يحاول التغني بوطنيته والاعتزاز بها .


التعليقات مغلقة.