العلاقة مع صندوق النقد الدولي
بمناسبة الحديث في الأردن عن مشروع تعديل قانون ضريبة الدخل كمتطلب لصندوق النقد الدولي ، لا بد من التعرف على الصندوق ووصفاته وشروطه على الدول التي تلجأ اليه لمعالجة مشاكلها المالية والإقتصادية ، فقبل إنتهاء الحرب العالمية الثانية اجتمعت دول الحلفاء للمشاركة في المؤتمر النقدي والمالي للأمم المتحدة، إستعداداً لبناء نظام اقتصادي دولي وتم توقيع إتفاقية (بريتون وودز) في ولاية نيوهامشير الامريكية بتاريخ 7/22/ 1944م، وبدأ الصندوق في العمل عام 1945م بعد تصديق عدد كافي من الدول على إتفاقية إنشائه، وذلك بهدف علاج الإختلالات الموجودة وقتها المتمثلة في إنهيارالاقتصاديات بالعالم، ورغبة الدول في الخروج من أزماتها الاقتصادية، وخلق مناخ اقتصادي عالمي مستقر، وأصبح الصندوق وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة، وهو المؤسسة المركزية في النظام النقدي العالمي ويعد أهم مؤسسة دولية تهتم بشئون السياسات الاقتصادية الكلية النقدية والمالية .
والمصدر الرئيسي لموارد الصندوق هو إشتركات الحصص (التي تسددها البلدان عند الإنضمام إلى عضوية الصندوق أو في أعقاب المراجعات الدورية التي تزداد فيها الحصص)، وتدفع البلدان ( 25% ) من اشتراكات حصصها بحقوق السحب الخاصة أو بأحد العملات الرئيسية مثل الدولار ، والولايات المتحدة تسهم بالنصيب الأكبر في صندوق النقد الدولي حيث تبلغ حصتها( 17.6% ) من إجمالي الحصص، وثقل التصويت بالصندوق حسب حصص الدول ، مما يساهم في إستخدام الإدارة الامريكية للصندوق كأداة من أدوات السياسة الخارجية الامريكية في الضغط على الدول .
وتتمثل أبرز أهداف الصندوق المعلنة : منع وقوع الأزمات الاقتصادية والمالية العالمية، وليحقق ذلك يقوم بمتابعة الاقتصادات الخاصة بكل دولة، والاقتصاد العالمي، وإقراض البلدان الأعضاء التي تمر بمشكلة، ومساعدتها في علاج المشكلات الاقتصادية الطويلة الأجل، من خلال وصفات الإصلاحات.
وبالإطلاع على معظم تجارب التعامل مع الصندوق، تبين أن الغالبية العظمى من الدول التي طبقت وصفاته بالإصلاح وحصلت على قروض من الصندوق لم تتمكن من الخروج من أزماتها الإقتصادية والمالية ولم تستطيع إعادة اقتصادها إلى الحالة التي كان عليها قبل أخذ القروض.
وينتاب المواطنون حالة من القلق والتوتر عندما يسمعون عن توجه دولتهم نحو الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وهذا القلق ليس وليد اللحظة، وإنما هو نتيجة للتجارب العربية الفاشلة للاقتراض من الصندوق.
ويعتبر الصندوق وكيلا للدول الدائنة، ويحتاج إلى الاطمئنان على سداد القروض الذي يمنحها،ولهذا يضع على المدين شروطا لضمان السداد دون مراعاة للأثار الإجتماعية لمواطني الدول المدينة واستقرارها السياسي، فهو يصر على فرض دائرة الأمان لنفسه، لضمان قدرة الدولة على السداد، وبالتالي يضع شروطه ويحصل على ضمانات كاملة لتنفيذها، وأولها هو التعرف على كل التفاصيل المتعلقة باقتصاد الدولة الداخلي والخارجي، بالإضافة إلى الموازنة العامة للدولة.
وبالإطلاع على الإتفاقيات الموقعة بين الصندوق وعدد من الدول العربية ، فيما يلي أبرز شروط الصندوق لمنح هذه الدول قروضا :
– بيع مقدرات الدولة من خلال برامج خصخصة القطاع العام .
– تخفيض تدريجي لسعر صرف العملة الوطنية وصولا الى تعويمها .
– سياسة التقشف والضبط المالي وزيادة الإيرادات.
– فتح الإقتصاد الوطني بدرجة أكبر أمام الإستثمار الأجنبي .
– رفع الدعم عن السلع والخدمات الأساسية .
– إلغاء دعم الطاقة (المحروقات والمشتقات البترولية والكهرباء).
– رفع الضرائب وتوسيع القاعدة الضريبية (الحد من الإعفاءات وتعزيز جباية الضرائب ).
– إصلاح نظام معاشات التقاعد لموظفي الخدمة المدنية.
– رفع كافة أشكال الدعم عن الإنتاج المحلي والصادرات الوطنية
– تحرير التجارة الداخلية وإزالة الحواجز الجمركية لتسهيل إنسياب السلع والبضائع الأجنبية.
– تخلي الدولة عن المساهمة المباشرة في إنجاز المشاريع التنموية الاقتصادية.
وأما الأثار السلبية لوصفات الصندوق فهي على النحو التالي :
– زيادة الدين العام للدولة، وإرتهان سيادة الدولة للمؤسسات المالية الدولية، وعدم خروج الدولة من أزمتها الافتصادية .
– تباطء معدلات النمو الإقتصادي .
– تهديد الإستقرار الداخلي للدولة، وتصبح الدولة بين مطرقة موعد “القسط”، وسندان احتياجات المواطنين.
– تآكل الطبقة الوسطى، ويلقي بها في أحضان الفقر، وفي نفس الوقت تنقسم طبقة الأغنياء، بعضها يهبط والبعض الأخر تتضخم ثرواته بشكل كبير.
– تراجع مستوى معيشة المواطنين، بسبب رفع الدعم عن السلع الأساسية والخدمات، والذي يؤدي مباشرة إلى عجز الفقراءومحدودي الدخل عن الوفاء بمتطلبات الحياة الأساسية، ويوسع دائرة الفقر، وتهبط أعداداً كبيرة من المواطنين تحت خط الفقر العام في الدولة.
– التهميش الاجتماعي لفئات واسعة من الشعب، وارتفاع معدلات الجريمة ومشكلة المخدرات والآفات الإجتماعية الأخرى .
– زيادة نسبة البطالة وخاصة في صفوف الشباب نتيجة برامج الخصخصة وإعادة الهيكلة .
– تراجع الخدمات التعليمية والصحية نتيجة سياسة التقشف وتخفيض الدعم الحكومي.
– انتشار الفساد المالي والإداري نتيجة غياب الشفافية والمساءلة التي صاحبت عمليات الخصخصة .
– ارتفاع نسبة التضخم نتيجة إنخفاض قيمة العملة الوطنية الشرائية وزيادة الضرائب وإرتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات بشكل متواصل .
– تدمير الصناعات الوطنية لعدم قدرتها على منافسة السلع الاجنبية.
وبالنظر الى التجربة الأردنية بالتعامل مع صندوق النقد الدولي، فقد إضطرت الأردن للتعامل مع الصندوق بعد الأزمة المالية والإقتصادية التي تعرضت لها عام 1989، ونفذت الأردن كل وصفات الصندوق منذ ذلك التاريخ وحتى الآن وتم بيع كل مقدرات الدولة الأردنية وما صاحبها من عمليات خصخصة وعدم شفافية وفساد، وتم زيادة الضرائب ورفع الدعم الحكومي عن كل السلع الأساسية والخدمات والمشتقات البترولية والكهرباء والمياه والخبز، ورغم ذلك لم تخرج الأردن من دوامة أزمتها الإقتصادية والمالية لغاية الأن لأسباب داخلية(فشل الحكومات المتعاقبة في إدارة الملف الإقتصادي) وتطورات إقليمية ضاغطة على الأردن، وقد تراجعت كل المؤشرات الإقتصادية الكلية وإرتفع الدين العام للدولة ( الدين الداخلي والخارجي) الى مستويات غير مسبوقة، وتباطأ النمو الإقتصادي وزادت نسب البطالة والفقر والتضخم وإرتفعت أسعار السلع والخدمات، كما إرتفع العجز في الموازنة العامة للدولة ، وتبين أن معظم القروض التى حصلت عليها الأردن من صندوق النقد الدولى، لم يتم إنفاقها فى تحقيق التنمية المستدامه ، وإنما فى تسديد ديونها وفوائدها ومشاريع إستهلاكية غير إستثمارية أو إنتاجية مما جعلها تدخل فى حلقة مفرغة من الإستدانه.
فقد إرتفع حجم الدين العام (الخارجي والداخلي) الى معدلات غير مسبوقة ووصل حاليا ( 27.7) مليار دينار أردني، حوالي (37) مليار دولار، وهو يعادل ما نسبته ( 95%) من الناتج المحلي الاجمالي، ويستنزفُ من الخزينة سنوياً( 1.07) مليار دينار كخدمة دين فقط، وتدفع الحكومة ما يقارب الملياري دينار كأقساط لديون داخلية وخارجية، ولمواجهة ذلك تلجأ الحكومة الأردنية الى الإقتراض الخارجي وهو مُرتبط بالحصول على حسن سلوك من صندوق النقد الدولي، فالدول المانحة والصديقة لن تمنح الاردن أية قروض ميسرة دون موافقة الصندوق، وهذا يتطلب من الحكومة استمرار التعاون الاقتصادي والمالي مع الصندوق .
وأسفرت نتائج علاقتنا مع الصندوق عن تراجع مستوى معيشة الناس وتوسيع قاعدة الفقر والقضاء على الطبقة الوسطى صمام الآمان في أي دولة، وكذلك زيادة نسبة البطالة خاصة في صفوف خريجي الجامعات، وكذلك زيادة غضب وسخط المواطنين تجاه النظام الساسي ككل والذي ترتبط شرعيته السياسية بمدى رضا وقبول الناس بأدائه في كل المجالات ، مما يؤشر إذا إستمرت هذه الظروف الى حدوث عدم إستقرار داخلي لا سمح الله .
وعلى ضوء ذلك فإن الدولة الأردنية تعيش في أزمة حقيقية، ولكي تتمكن من الخروج من أزمتها الإقتصادية والمالية والنقدية يجب القيام :
– ضبط النفقات الحكومية الإستهلاكية المبالغ فيها وكأن الأردن دولة نفطية (شراء السيارات والأثاث والسفر والمؤتمرات وإعادة النظر بحجم السفارات ….الخ).
– وقف أو تأجيل المشاريع غير الضرورية.
– إرادة سياسية بمكافحة الفساد المالي والإداري والتهرب الضريبي والجمركي .
– إعادَة هَيكَلَة ودمج المؤسسات والهيئات المستقلة التي يبلغ عددها الآن( 56) بإنفاق يقترب من ملياري دينار وعَجز يُناهز( 300) مليون دينار.
– استخدام القروض في تمويل القطاعات الإنتاجية.
– أن يتم سداد القروض من عوائد المشروعات الاستثمارية وليس بقروض جديدة .
– مطالبة صندوق النقد الدولي بقروض طويلة الأجل تمكن من إقامة مشروعات تنموية بدلاً من القروض قصيرة الأجل التي غالبا تستخدم في تمويل فوائد الديون.
– إصدار قوانين استثمار تتضمن حوافز وضمانات للمشروعات الخاصة بالشباب.
– عمل خطة لجذب الاستثمارات الأجنبية عن طريق خريطة استثمارية، تشمل المزايا النسبية لكل محافظة ، مما يعطي الصادرات قيمة كبيرة تسهم في دعم النمو للناتج المحلي الإجمالي ومن ثم خلق فرص عمل.
– تعزيز شبكة الحماية الاجتماعية.
– التنسيق مع الدول الخليجية الشقيقة لإمتصاص جزء من البطالة من خلال فتح أبواب تشغيل الأردنيين .
وخلاصة الموضوع أن برامج صندوق النقد الدولى قد يكون لها بعض التأثيرالإيجابي في الأجل القصير ، ولكن في الأجل الطويل قد تؤدي إلى إرتفاع المديونية الخارجية وتعميق الأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية وربما يؤدي الى إفلاس الدولة .
وحمى الله الأردن


التعليقات مغلقة.