صحيفة الكترونية اردنية شاملة

«الزوج الأبدي» لدوستويفسكي:كاتب يلهو بعواطف الآخرين بقلم: ابراهيم العريس

«لقد استغرقتني كتابتها ما لا يقل عن ثلاثة أشهر. وخلال هذه الفترة حبّرت أحدى عشرة ملزمة من ملازم المطبعة على الأقل. بهذا يمكنك أن تتصور هذا الجهد من الأشغال الشاقة الذي بذلته. إنه أشبه بالعمل الذي يفرض على المحكومين في المعتقلات. أضف إلى هذا أنني منذ بدء كتابتي لها، أخذت أكره هذه القصة الرديئة كراهية كبرى. شعرت أنه كان في إمكاني أن أكتب ثلاث ملازم على أبعد تقدير. لكني خلال الكتابة شعرت أن الأفكار تطلع في رأسي تباعاً وفي شكل غير متوقع، وهكذا وصلت إلى كل تلك الملازم وصفحاتها». هذا ما كتبه دوستويفسكي خريف عام 1869، حين انتهى من كتابة روايته القصيرة نسبياً «الزوج الأبدي»، في رسالة بعث بها إلى صديقه الشاعر آبولون مايكوف. بالنسبة إلى الجهد الذي بذله في كتابتها كان صاحب «الجريمة والعقاب» على حق في ما قاله، خصوصاً أن الرواية نشرت أول ما نشرت في مجلة ذات نزعة سلافية هي «الفجر»، ما حكم على الرواية أن تكون محدودة الانتشار أول الأمر، كذلك كانت «الزوج الأبدي» تخرج ظاهرياً على الأقل، عن السياق العام لما كان يكتبه دوستويفسكي خلال تلك الفترة من حياته. وكانت ذات منحى هزلي بعد هذا كله، مع أن مزاجه كان مكتئباً في ذلك الحين. أما بالنسبة إلى رأيه في الرواية، فإن في إمكاننا اليوم أن نحكم، إسوة لعدد كبير من الباحثين والنقاد أن دوستويفسكي لم يكن على حق أبداً. ذلك أن النقاد والمؤرخين سوف يخالفونه الرأي تماماً بعد ذلك، ليعتبروا «الزوج الأبدي» رواية مميزة، وعلى الأقل من ناحيتين: أولاً كون تقنيتها حديثة، إذ تستخدم أسلوب الرجوع الزمني إلى الوراء، وثانياً كونها تعالج مشكلة العلاقة الثلاثية بين الزوج والزوجة والعشيق، وهي مشكلة كانت غالباً ما لا تعالج إلا على خشبات المسارح، في أعمال هزلية أو فودفيلية، دون أن يسعى الروائيون إلى الدنوّ منها. أما ما عدا هذا فإن «الزوج الأبدي» رواية عميقة، وعلى الأقل من ناحية عمق نفاذها إلى أغوار الروح الإنسانية وتقديمها «شخصيات نمطية في مواقف نموذجية» وفق بعض كبار النقاد الروس على الأقل، ما يجعلها- وفق هؤلاء دائماً- جديرة بأن تعالَج من جانب سيغموند فرويد وتلامذته.

> على العكس، إذاً، من رواياته الكبرى التي اعتاد دوستويفسكي أن يعالج فيها موضوعات إيمانية وفلسفية واجتماعية، يكاد البعد الأساسي في «الزوج الأبدي» أن يكون بعداً سيكولوجياً. وهذا يبدو منذ صفحاتها الأولى، إذ تقدم لنا رجلاً في الأربعين من عمره، ناجحاً اجتماعياً يدعى السيد فلشانينوف. هذا السيد الذي نراه منذ البداية مضطراً إلى البقاء في بطرسبرغ، إذ أجّل رحلة كان يعتزم القيام بها إلى جنوب روسيا، يجلس شبه تائه بين مشكلات قضائية تتعلق بقطعة أرض يملكها، وبين ذكريات شبابه التي تنقض عليه، ما يجعله يحس الآن أن «الأمور تسير من سيّئ إلى أسوأ» وبأن شيخوخته تنقض عليه فجأة مع انه لم يصل حقاً إلى الأربعين بعد. وها هو الآن غارق في الذكريات التي تدور أساساً من حول كل أنواع الموبقات التي ارتكبها خلال ذلك الشباب، والتي تجعله اليوم حزيناً نادماً.

> والحكاية أنه يحدث ذات ليلة أن يأتي لزيارة فلشانينوف، من دون توقع، شخص يدعى تروسوتسكي، وهو الموظف السابق الذي سنفهم بسرعة أن زوجته كانت، قبل سنوات، عشيقة لفلشانينوف. أما الخبر الذي يحمله الضيف المباغت معه فمزدوج: فهو من ناحية يبلغ صاحب البيت أن المرأة قد ماتت، وأنها من ناحية ثانية، تركت وراءها ابنة صغيرة، من المفترض أن تكون ابنة فلشانينوف لا ابنة ضيفه. يقر صاحبنا بالأمر ويقرر أن يتعهد تربية الطفلة وتنشئتها. غير أن هذه سرعان ما تمرض وتموت، ما يجعل نفس الأب (العشيق) تمتلئ بالحزن ويزيد من وقع الكآبة والندم على فؤاده. ولسوف نفهم هنا من خلال ذكريات فلشانينوف، التي تروى عنه هنا بالواسطة، انه عاد والتقى تروسوتسكي مرتين بعد ذلك اللقاء الأول الصاعق. لكن الذي حدث هو أن هذا الأخير كان خلال ذلك الوقت قد خطب امرأة أخرى وتزوجها. وإذ زاره غريمه السابق في تينك المرتين، أحس العريس الجديد أن مثل هذه الزيارات قد تجعل بيته المعاد بناؤه في خطر، حيث يلوح واضحاً أن «التنافس» القديم بين من يسميه دوستويفسكي «الزوج الأبدي» أي تروسوتسكي ومن يطلق عليه لقب «العاشق الأبدي» أي فلشانينوف قد يعود إلى الوجود في أية لحظة من اللحظات. ومن هنا يحاول «الزوج» أن يطعن غريمه بموسى حلاقة، إذ خشي، بالطبع أن تتكرر الآن من جديد، الحكاية الكئيبة التي عاشها من جراء ارتباط العشيق بزوجته الأولى الراحلة. لكن هذا العدوان يحدث قبل اقتران تروسوتسكي بزوجته الثانية. أما بعد القران وإذ تحدث زيارة جديدة، لا يسع العريس إلا أن يحاول، بالهدوء، إقناع الآخر بأن يتوقف عن زيارته. فيقتنع الآخر ولكن بعد جهد، ليس لأنه يريد الاستيلاء على المرأة الجديدة، ولكن لأن تلك هي طباعه التي ليس في يده تغييرها كما يبدو.

> من الواضح أن ما أراد دوستويفسكي تصويره في هذه الرواية، التي تبدو بسيطة للوهلة الأولى، ليس العلاقة الثلاثية، ولا مغامرات ذلك الثري الذي يتذكر حياته أمامنا… بل صوّر الكاتب، وعلى طول صفحات «الزوج الأبدي» تلك المجابهة بين هذين الرجلين. وهذان الرجلان ليسا هنا، وفق الناقد الروسي ألكسندر سولوفييف، فردين لهما خصوصية مطلقة، بل هما أشبه برمزين لنموذجين من البشر: رجل يريد دائماً أن يكون مستعبداً من قبل المرأة حتى تعيش معه هذه المرأة، مهما كان من مرارة ذلك العيش، ورجل آخر له القدرة الدائمة على إغواء المرأة وإثارة مخيلتها، من دون أن يكون لديه إمكانية عاطفية ونفسية للعيش مع أية امرأة، مهما كان مقدار هيامه بها. ومن هنا أبدية كونه عاشقاً، مقابل أبدية كون الآخر «زوجاً». فالعاشق معتزل متوحد دائماً، يخدع الآخرين: «أما الزوج فهو دائماً في رفقة المرأة لكنه مخدوع على الدوام». والنتيجة أن المرأة لا يمكن أن تكون مملوكة في الحقيقة لا لهذا ولا لذاك. فالأول لا يريد امتلاكها، أما الثاني فإنها هي التي تمتلكه. ومن هذه المعادلة يريد دوستويفسكي أن يقول لنا، كما هو واضح، وأيضاً هنا وفق تفسير الناقد الروسي، أن «كل الأطراف في نهاية الأمر مخفقة حتى وإن كان لكل إخفاق خصوصيته». إنهم جميعاً يملكون كل شيء، لكنهم لا يملكون شيئاً. و «هذا هو الوضع الإنساني الذي نراه في مرآة الشخصيات الثلاث الأساسية معاً». واللافت هنا أن لكل طرف رأيه في الآخرين. فمثلاً، حتى وإن كان فلشانينوف ينظر إلى غريمه بشيء من التعاطف، نراه مشمئزاً منه إذ يقول إن إنساناً كهذا إنما يولد ويكبر لا لشيء إلا ليتزوج فيصبح مجرد ملحق لزوجته. ولعل من أجمل جوانب «الزوج الأبدي» ذلك التقاطع المتواصل بين حياة الغريمين وسبلهما. «وكأن ثمة قوة مغناطيسية تقرب أحدهما من الآخر وتشده إليه»…

> «إن هناك قوة تحركهما وتقترب بهما ذات ليلة من حدود الإجرام..». ترى أفلا يمكننا هنا أن نقارب بين «الزوج الأبدي» وبين رواية أخرى لدوستويفسكي هي «القرين» في معنى النظر إلى فلشانينوف وتروسوتسكي، على أنهما وجها شخصية واحدة؟ إن ثمة الكثير مما يوحي إلينا بهذا بالطبع، لكنه لن يشكل سوى جزء يسير من معنى هذه الرواية الغريبة الغامضة والتي من غرابتها، أن أي حدث درامي لا يصل فيها إلى نهايته المنطقية.

> بعد كل شيء وعلى رغم العمق البادي في «الزوج الأبدي» ثمة فرضية تقول إن دوستويفسكي (1821- 1881) إنما كتب، في الأصل هذه الرواية كي يتسلى فيها عبر جعل البطولة للزوج المخدوع، لا للعشيق الخادع، إذ رأى أنه إذا كان ثمة من تسلية هنا فإنها يجب أن تكون على حساب الطرف ألأضعف والأكثر ميلاً للهرب بما «يملك»خوفاً من استيلاء الآخر عليه، علماً بأن ما يتجاوز كونه فرضية هنا، هو أن الكاتب جعل «بطله» الزوج، بعد انقضاء سنوات على خديعته بزوجته الأولى، يقف ليضحك ملء شدقيه مما حدث له في صددها، ما يفيدنا بأنه لو حدث له الأمر نفسه من جديد في زواجه الثاني، سوف يغضب أولاً، ليضحك لاحقاً ويتزوج… من جديد. فهذا هو قدره ومصيره الأبدي!

التعليقات مغلقة.