ماذا يوجد خلف «التنمر»؟ بقلم: هيفاء صفوق
التنمر ظاهرة عالمية تعاني منها بعض المدارس، خاصة بين الطلاب، إذ يظهر بصورة ملفتة للانتباه، مشيراً إلى أن هناك شيئاً خاطئاً يحدث ضحيته الاثنان؛ المتنمِّر والمعتدي عليه.
التنمر سلوك عدواني متكرر يأخذ صورا عدة وأقوالا سيئة، كالتحقير والإهانة والشتائم ومحاولة السيطرة، أو ممارسات فعلية كسلوك وفعل مؤذٍ كالضرب والهجوم الجسدي والركل والسرقة والتهديد للضغط على الضحية للتخويف أو تنفيذ أمر ما.
السؤال: لماذا ظهرت هذه التصرفات والسلوكيات بين الطلاب؟
دور الوالدين في التنشئة الاجتماعية مهم للغاية، إذ هي التي تشكل إلى حد كبير سلوك الأبناء. للأسف هناك من يمارس التربية بالإكراه والقوة والتسلط والضرب على الأبناء وتوجيهم بطريقة عدوانية وخاطئة تجعل هذا الابن يُكبت الكثير من مشاعر الغضب والشعور الخفي للانتقام، هو لا يستطيع أن يتفوه على والديه، لكنه فيما بعد يستطيع أن يسقط هذا الشعور العدواني والغضب المخفي داخله على الآخرين، خاصة ضحاياه الذين يتميزون بالضعف وعدم الثقة، فهؤلاء طُعم جيد له أن يمارس ويسقط كل القمع الذي عاشه في أسرته، بل أحيانا يتمادى على معلميه وليس فقط الطلاب، إذ إن بعض المتنمرين يشاهد المعلم صورة رمزية لوالده؛ فيبدأ بإسقاط كل المشاعر الغاضبة عليه.
كما أن هناك بيئة أسرية تمارس الحماية المفرطة على الأبناء، ولا تجعلهم يعتمدون على أنفسهم وهذا يشكل في داخلهم عدم الثقة في النفس والاتكالية والاعتماد الدائم على الوالدين؛ فعندما يذهبون إلى المدرسة لا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم، لأنهم اعتادوا على من يدافع عنهم، وهذه مشكلة في حد ذاتها، الخطأ أيضا عندما يمارس الوالدان المثالية المبالغ فيها، كل شيء نظام وديكتاتورية لا تقبل خطأ الابن، بل على الجميع أن يكونوا متفوقين منظمين كالمسطرة والقلم، وهؤلاء أيضا يخضعون للسيطرة والسلطة من قبل الأهل، لذا عندما يذهبون إلى المدرسة والاحتكاك بالطلاب، سهل أن يسيطر عليهم الآخرون، لأنهم تعودوا على سيطرة الاهل وقمعهم، فهم لا يستطيعون أن يقولون «لا» أو أن يعبروا عن مشاعرهم بالرفض أو الإيجاب.
لدينا ثلاث صور لواقع التربية الاجتماعية، وما يحتاجه الأبناء هو «التوازن في التربية»، والتي لا بد أن تحوي:
أولاً: احترام الطفولة من الأساس، الاحترام يربي الابن على احترام ذاته ويزيد التقدير لذاته، لذا يظهر شخصية متوازنة لا تضر نفسها ولا تضر الآخرين.
ثانياً: لا بد أن يتوافر في التنشئة الاجتماعية الأمان والطمأنينة والاحتواء للأبناء، هذا الشعور يجعلهم مستقرين نفسياً ومعنوياً، هذه البيئة مساعدة تصنع شخصا قويا داخليا ومسالما.
ثالثاً: التعامل مع الأبناء بالحوار واحترام وجهات النظر منذ طفولتهم يشكلان شخصية الطفل القوية والمتوازنة، خاصة في السنوات الخمس الأولى، هنا تعوّد أن يعبّر عن نفسه ويشعر بالثقة ولن يستطيع أحد فيما بعد الاستهزاء به أو السيطرة عليه.
رابعاً: عندما يخطئ الأبناء لا بد أن نتعامل مع السلوك ونوضح لهم أن هذا السلوك خاطئ من دون تجريح أو التلفظ بسوء على شخصية الابن، ونحن نعلم أن هناك من تلفظ على ابنه بكلمات مثل: يا غبي، أنت ما تفهم، عمرك ما راح تنجح، فماذا نتوقع رد الفعل لهذا الابن؟ هناك شيئان سيحدثان، إما أن يخضع ويستسلم أو أن يتحول إل عدواني متمرد.
خامسا: مراقبة وملاحظة الألعاب الإلكترونية وإبعادها، خاصة المنتشرة حالياً كألعاب الحروب والقتل والدماء، وتزويدهم بالبديل أو أي شيء مختلف عن ذلك، فهي تصنع لديهم «العنف المبطن».
سادساً: ملاحظة الوالدين لشخصيتهما؛ هل هي عصبية شديدة متسلطة؟ لأن الأبناء سيأخذون ذلك كأنموذج يمارسونه مع الآخرين. بعض الآباء يشتكي من أن ابنه يتحدث بعصبية ولا يحترمه وسليط اللسان على معلميه! وعندما تلاحظ سلوك الأب تجد كل ما ذكر موجود فيه؛ فهو سليط وعصبي، إذن ماذا نتوقع من الابن؟
سابعاً: التنمر لم يظهر هكذا فجاءة. نعم، الوسائل الحديثة كالألعاب والأفلام لها دور كبير، لكن أيضا تربية الآباء لها دور أكبر، الابن الذي يتربى في بيئة آمنة مطمئنة لن يتنمر على أحد، وأيضا يستطيع أن يدافع عن نفسه. لذا، عليّ أن أسأل نفسي كأب كيف هي شخصيتي ومدى قربي من أبنائي؟ إذا تعرفنا على هذا استطعنا أن نتخلص من قضية التنمر. ثامناً: دور المدرسة مهم جداً فهو مكمل، وعلى المعلمين أن يدركوا أن رد فعلهم الأولي لا بد أن يكون هادئاً وعليهم التريث وعدم الاستعجال وأن يتعرفوا على أسباب التنمر، لبناء سلوك جديد مع الطلاب، على أن تُكمل الخطة العلاجية مع الأسرة.الحياة


التعليقات مغلقة.