تغول الشركات الأجنبية على تجار التجزئة
في الأصل لا يجوز للشركات الأجنبية أن تتملك كامل رأس المال للشركات العاملة في قطاع تجارة التجزئة، وهذا الأمر معمول به في العديد من دول المنطقة والعالم، والهدف الأساسي منه هو حماية هذا القطاع الذي يشكل العمود الفقري للقطاع التجاري، ويستحوذ على أكبر نسبة مشغلين فيه.
لكن شاءت الظروف وتحت حجة فتح الاستثمار أمام الشركات الأجنبية أن يستثنى من هذا القانون المشاريع الريادية الكبرى، وبالتالي أصبح باستطاعة المستثمر الأجنبي اعتبارا من سنة 2002 أن يعمل بقطاع تجارة التجزئة لكن ضمن مشروع ريادي كبير واضح المعالم ليأخذ الموافقات المعنية من مجلس الوزراء.
هنا ظهرت متاجر كارفور الكبرى وغيرها من المولات الضخمة التي تعمل بتجارة التجزئة، وبدأت ثقافة الاستهلاك تتغير شيئا فشيئا في المملكة نتيجة “المولات” التي غزت الأسواق بمفاهيم جديدة.
لكن مشهد المشروع التجاري الريادي الذي تملكه الشركات الأجنبية بدأ يتغير هو الآخر، ولم تعد الشركات هذه تلتزم بالاستثناء الذي منحها إياه مجلس الوزراء بالمشروع الريادي، فأخذت تنتقل إلى فتح فروع لها بأحجام صغيرة للغاية في الحارات والمناطق المختلفة، وملأت يافطاتها كل الأسواق، ولم تعد محصورة بالمشروع الريادي في ذلك المول.
هذا العمل الذي حدث على مرأى ومسمع من الحكومات كافة والتي لم تحرك ساكنا، وبات كابوسا مقلقا على تجار التجزئة خاصة والقطاع التجاري عامة، فمزاحمة الشركات الأجنبية في تجارة التجزئة المحلات والدكاكين في الحارات أدى إلى كساد واضح في المحال الصغيرة التي لم تعد قادرة على تلبية احتياجات المستهلك لعدم قدرتها على المنافسة مع الشركات الأجنبية الكبرى التي تحصل على أسعار أفضل بكثير من تجار التجزئة الصغار، والذين بات أمنهم المعيشي للأسف في خطر شديد.
الأمر لا يقتصر عند هذا التجاوز من الشركات الأجنبية، بل امتد أيصا إلى لجوئها لاستيراد معظم سلعها من الأسواق الخارجية بشكل مباشر، علما بأن قرارات مجلس الوزراء وقت السماح لها بالعمل كان يقضي بشراء بضائعها وسلعها من التجار المحليين، وهذا الأمر لم يطبق إلا في فترة وجيزة عند بداية أعمالها، ثم تخلت هذه الشركات عن هذا الأمر ولجأت إلى الاستيراد المباشر، مما ألحق أكبر الضرر بتجار الجملة كذلك.
وزارة الصناعة والتجارة مطالبة اليوم بإعادة العدالة القانونية إلى نصابها وتنفيذ كامل قرارات مجلس الوزراء، ووضع الحلول والإجراءات المناسبة للحد من أي توجهات مستقبلية للاندماج والاستحواذ غير العادل الذي يتنافى من أبسط قواعد السوق، ومعالجة هذه الأمور بموجب قانون المنافسة النافذ.
إن دراسة هذه القضية وإيجاد الحلول المناسبة لها سوف يضمن وقف أي استحواذ غير عادل قد ينجم من خلالها على الحصص السوقية في مجال تجارة التجزئة، خاصة في ظل ما سيترتب على ذلك من تأثير سلبي مباشر على الشركات والمؤسسات الوطنية العاملة في هذا المجال وما سيتبعه من فرض شروط احتكارية على الموردين المحليين ويُضعف أداءها ويزيد من الأعباء المترتبة عليها.
كما أن تغول نشاط الشركات الأجنبية لتجارة التجزئة عن طريق المولات، ينعكس بصورة سلبية مباشرة على نمو وأداء المؤسسات والشركات الوطنية، في ظل ما تعانيه المحال الصغرى من منافسة غير عادلة في مختلف الأنشطة التجارية.
[email protected]
[email protected]

