المصفاة.. صرح وطني بامتياز
زيارة لجنة الطاقة في مجلس الأعيان لمرافق مصفاة البترول الأردنية الأسبوع الماضي فتحت آفاقا للسادة الأعيان الذين شاهدوا بأعينهم مرفقا وطنيا بامتياز، يعمل منذ أكثر من خمسين عاما على تأمين كافة احتياجات المملكة من الطاقة دون انقطاع، حتى في ظل أسوأ أوضاع الخزينة ماليا، لا بل في ظل الحصار الإقليمي الذي فرض على الأردن في بعض السنوات مثلما حدث عقب أزمة الخليج الأولى سنة 1990.
أهمية اطلاع الأعيان على الدور الكبير الذي تقوم به مصفاة البترول الأردنية تأتي عقب سلسلة من الهجمات الإعلامية لتشويه صورة المصفاة ودورها من قبل بعض مضاربي الأسهم من جهة، وبعض المتنفذين الذين يتطلعون إلى الهيمنة على سوق الطاقة بوسائل مختلفة؛ أبرزها تشويه صورة عمل المصفاة، والادعاء بأنها مصفاة قديمة مهترئة، والمواطن يتحمل كلفا إضافية لأسعار المحروقات المنتجة من قبلها بسبب رداءة الإنتاج وعدم كفاءته، ما يستدعي تجاوز دورها والعمل على إيجاد وسائل استيراد مباشرة للمحروقات ومن ثم بيعها للمستهلك دون دورٍ للمصفاة في ذلك.
نعم هذا هو مخطط يتحدث به البعض لتهميش دور المصفاة الوطني التي أثبتت في كل الأوقات والأزمات أنها الشريان الحقيقي لأمن واستقرار البلاد على كافة الأصعدة، وأن منتجاتها جميعا مطابقة للمواصفات العالمية باستثناء نسبة الكبريت في مادة السولار، والتي يتطلب معالجتها استثمارا ماليا ضخما.
المصفاة تعمل ليلا نهارا على تطوير منشآتها وكافة مرافقها، وتتبع في ذلك أحدث سبل السلامة البيئية والاقتصادية، ولعل وحدة معالجة الكبريت التي أضافتها المصفاة إلى منشآتها قبل أعوام قليلة بكلفة 16 مليون يورو، لتقليل انبعاثات الروائح وتحسين الظروف البيئية، دليل على تفهم المصفاة واستيعابها للتحديات والمستجدات التي تفرضها العملية الإنتاجية فيها، والتي تتطلب مواصلة التحديث والصيانة والاستثمار.
العلاقة بين الحكومة والمصفاة تسير الآن بعد عقد الامتياز الذي انتهى العمل به في آذار من عام 2018 من خلال اتفاق بين الجانبين يحدد إطار آليات التعاون بين الجانبين، والذي يتم بموجبه قيام المصفاة برفد خزينة الدولة سنويا بما قيمته 153 مليوني دينار (2016) كفائض مالي تدفع من المصفاة إلى الحكومة، في حين لا يتقاضى مساهمي المصفاة الذين يتوزعون بين الضمان والصناديق والبنوك والمواطنين سوى 15 مليون دينار فقط لاغير، فهل يعقل ان يكون هناك جهة تتعامل بالطاقة قادرة على توفير فوائض للحكومة بهذا المقدار وهي لا تتقاضى سوى عشر ما تورده للخزينة؟
مع كل التحديات التي واجهتها المصفاة والحملات الإعلامية التي تهدف إلى زعزعة مكانتها الاقتصادية، واصلت الشركة بكل ثقة تطوير أعمالها واستثماراتها ومواجهة تحديات السوق المفتوح، وباتت شركتها التسويقية تسيطر على على الجزء الأكبر من محطات التسويق العاملة بالمملكة، وتحتل المرتبة الأولى في خدماتها ومبيعاتها مقارنة مع المنافسين الآخرين، لا بل إن منتجاتها من الزيوت باتت الأفضل والأنقى وحصلت على أعلى شهادات المواصفات العالمية، ومحطات تعبئة الغاز هي الأخرى باتت تتمتع بأعلى معايير المهنية والكفاءة والسلامة رغم حملات التضليل والتشويه التي تظهر بين الفترة والأخرى، فلغاية الآن لم تثبت تقارير الدفاع المدني وجود حالة واحدة من حوادث الاسطوانات سببها محطة التعبئة في المصفاة، وإنما الخلل إن حدث فهو نتيجة التلاعب فيها من قبل البعض.
مشروع التوسعة أحد أكبر مشاريع الاستثمار التي ستدخل المملكة في المرحلة المقبلة، والتي تسير شركة مصفاة البترول بخطوات ثابتة في إنجاز المشروع الذي سيكلفها ما بين 1.2-1.6 مليار دولار، وبدأت فعلا بإحالة التصاميم ودراسة بدائل العروض المالية والفنية للمشروع الذي يتطلب من المصفاة تخفيف مديونيتها على الجهات الرسمية، والتي تبلغ الآن ما يقارب ال600 مليون دينار، علما بأنها كانت في عامي 2012-2013 ما يقارب المليار دينار بسبب عجز الحكومة المالي عن الوفاء بالتزاماتها تجاه دفع أثمان المحروقات التي كانت المصفاة توردها لها، فأي جهة تستطيع أن تتحمل مثل هذه المديونية لسنوات، ومن ثم تعالجها وتخفضها للنصف سوى مصفاة البترول الأردنية.
المصفاة منشأة وطنية بامتياز، لا يمكن أن تفصل وجودها عن أمن واستقرار البلاد من كافة النواحي، فهي الشريان الحقيقي لكافة قطاعات المجتمع وفئاته، وهي أساس الاستقرار الأمني واستمرار العجلة الاقتصادية، فهي تستحق اهتماما غير مسبوق، ومرونة حكومية في التعاطي مع كافة عوامل النهوض بها ودعم استثماراتها ومنتجاتها الوطنية.
[email protected]
[email protected]

