الفساد هو أساس التجاذبات في الشارع الأردني
ظهر خلال العقد الأخير مصطلحات جديدة بين النخب في الأردن، أطلق عليها ما يسمى بالليبراليين والمحافظين، وأخذت وسائل الإعلام تصنف المسؤولين بين هذين الاتجاهين، وبدا من الناحية النظرية أن هناك صراع بين أقطاب وشخصيات سياسية واقتصادية في الدولة على مستقبل البلاد وخططها وإجراءاتها المختلفة، وكأننا أمام مدرستين فكريتين مختلفتين.
الحقيقة التي لمستها من خلال عملي وقربي من الفريقين ومعرفتي بشريحة واسعة من المسؤولين في مختلف المناصب أن ما حدث في الأردن في السنوات الماضية لم يكن نزاعا فكريا بين مدرستين مختلفتين في الاتجاهات والنظريات، وإنما كان تصارعا وتنازعا للمصالح لا أكثر، ورغبة في الوصول إلى السلطة واتخاذ القرار.
أساس الخلاف بين الشارع العام وهذه النخب التي يدعي البعض أنها من أنصار المدرسة الليبرالية أو تلك المحافظة؛ هو الفساد الذي شاب الكثير من القرارات الاقتصادية التي اتخذت في السنوات الماضية، والتي أثارت جملة كبيرة من التساؤلات حول جدواها ومدى استفادة الاقتصاد الوطني منها.
فلا أحد في الشارع كان يعترض على مفهوم الخصخصة سوى بعض أنصار الفكر الشيوعي والذين لا يشكلون ذلك الوزن المطلوب في الشارع لإحداث رأي مستقل ومؤثر، لكن الاعتراض كان على آليات الإجراءات التي اتبعت في خصخصة بعض الشركات وقرارات التلزيم التي خالفت معايير الحوكمة، مثل ما حدث على سبيل المثال في الفوسفات.
والكل مقتنع بأن الإيرادات والخدمات تطورت كثيرا بعد خصخصة الاتصالات ودخول كبار المستثمرين العالميين إلى القطاع وانتشار الخدمات المتطورة بشكل كبير وتلبية كافة احتياجات وأذواق المواطنين، لكن الكل يرى أن هناك غبن حدث بحق خزينة الدولة جراء بيع رخصة أمنية بقيمة أربعة ملايين دينار مقابل بيعها بعد أقل من عام بقيمة 450 مليون دينار تقريبا، هنا كان الاعتراض نتيجة غياب الشفافية في الإجراءات المتبعة.
ولا أعتقد أن هناك من يعترض على صفقة باريس لتخفيف المديونية الأردنية مقابل دفع عوائد التخاصية للدائنين بقيمة 1.6 مليار دينار حتى ولو كان سعر الخصم مرتفع بنسبة 11 بالمائة، إذا كانت العملية ضمن استراتيجية متكاملة للدولة لتخفيض الدين، ولكن للأسف بعد شهور قليلة من الصفقة ارتفع الدين الداخلي أكثر من سبعة أضعاف عما كان عليه ومن ثم لحقه الدين الخارجي للارتفاع بشكل كبير وأعلى مما كان عليه قبل الصفقة، وهو ما يؤكد غياب الرؤية الاستراتيجية للدولة في معالجة المديونية، والنتيجة الحاصلة في نهاية هذه الصفقة تبخر عوائد التخاصية في صفقة لا يوجد أي مردود لها وضياع أموال الأجيال، وارتفاع المديونية من جديد، ونمو الفوائد والأقساط وضعف المدخرات الوطنية، لا بل وتبخرها.
ولا ننسى برنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي وقضية أو “فضيحة” الكازينو، وبيع أراضي ميناء العقبة وأراضٍ في عمان وتمويل صفقة باريس المشؤومة، وغيرها من عشرات القضايا التي كانت محور حديث الشارع حول وجود شبهات فساد كبيرة بشأنها، وللأسف جرى تغطيتها وإقفال ملفاتها بأساليب مثيرة للاستياء ونقمة الشارع.
كل التجاذبات التي حدثت في الشارع بين الرأي العام والنخب في الأردن خلال السنوات الأخيرة؛ كان أساس النقاش فيها هو الفساد لا أكثر، لكن البعض من أنصار الاتجاهين حاولوا أن يغيروا حديث الشارع واهتماماته إلى حديث فكري بين مدارس تتصارع على إدارة الدولة كل بأسلوبه وطريقته، والصحيح أن البعض منهم كان يتصارع على كيفية تعظيم استفادته من موقع المسؤولية لا أكثر.
[email protected]
[email protected]

