عن الانتخابات في إسرائيل… و«بيضة القبّان» بقلم عماد شقور
تتم كتابة هذه الأسطر قبل أن يكتمل نشر نتائج نهائية للانتخابات العامة في إسرائيل للكنيست، (البرلمان الإسرائيلي)، التي جرت هناك امس الأول، الثلاثاء.
هذه الانتخابات التي فرض اجراءها رئيس الحكومة الإسرائيلية الأكثر عنصرية ويمينية من كل سابقاتها، بنيامين نتنياهو، إثر فشله في تأليف تحالف بعد الانتخابات السابقة قبل خمسة اشهر فقط، لم تعد على نتنياهو وحزبه، الليكود، باي منفعة. حيث لم يحصل معسكر اليمين العنصري المتطرف، بقيادة نتنياهو، والأحزاب الدينية اليهودية المتشددة، (الحريديم)، على 61 مقعدا في الكنيست المكونة من 120 مقعدا، الأمر الذي يعني فشل نتنياهو بالاحتفاظ بكرسي رئيس الحكومة، ما لم يتخل عن حلفائه الحريديم، او حلفائه الأكثر عنصرية ويمينية بين مكونات معسكره، لصالح أحزاب سياسية غير دينية، أو أحزاب اقل عنصرية ويمينية من الليكود. هذا خبر جيد.
خبر جيد آخر، هو عودة القائمة المشتركة بكامل مكوناتها السابقة، برئاسة أيمن عودة، وحصولها على ثلاثة عشر مقعدا في الكنيست، لتكون من جديد القائمة الثالثة حجما بعد قائمة الجنرالات (كحول لفان ـ ازرق ابيض)، وحزب الليكود.
على أن الخبر الجيد الأول، جاء نتيجة للخبر الجيد الثاني، وتحصيل حاصل. إذ أن عودة القائمة المشتركة، والتحشيد لرفع نسبة المشاركين العرب الفلسطينيين حاملي بطاقة الهوية الإسرائيلية، في هذه الانتخابات، أدّت الى رفع عدد مقاعد المشتركة في الكنيست، وتقليل عدد مقاعد الليكود.
هل كان بالإمكان أن يكون وضع القائمة المشتركة الجيّد حقيقة، أكثر جودة من ذلك؟. جوابي على هذا التساؤل هو: نعم.
من أصل حوالي مليون صاحب حق اقتراع من الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل، مارس هذا الحق نحو 600 الف فقط، ومنح، من بين هؤلاء، صوتهم للقائمة المشتركة 430 الف مصوّت. أي حوالي 70٪، وأكثر من الثلثين على أي حال. وهذه نسبة عالية ونادرة وممتازة. لكن البروفيسور أسعد غانم، الذي شكّل حزبا جديدا اسماه «حزب الوحدة الشعبية» وترأّسه، حصل، وبجهد شبه فردي، وبدون وجود خبرة على صعيد العمل الحزبي، وبدون قواعد ومكاتب حزبية، وبدون تاريخ حزبي، على 5511 صوتا. لكن هذا العدد من الأصوات كان، في اعتقادي على الاقل، سيتضاعف وربما اكثر من مرة، لو كان أسعد غانم ضمن الخمسة او العشرة الأوائل من مرشَّحي القائمة المشتركة.
اخطأ القائمون على القائمة المشتركة بعدم استيعابهم للبروفيسور أسعد غانم في صفوف مرشحيهم. واخطأ البروفيسور أسعد غانم في تشكيل حزب جديد، ودخوله معركة الانتخابات هذه، حيث كان الفشل في احراز اكثر من 30 الف صوت لضمان مقعد في الكنيست، معروفا مسبقا، رغم ما قاله غانم امس، الاربعاء، بعد كشف عدد الأصوات التي نالها حزبه، من ان «نتائجنا اقل بكثير من توقعاتنا، والحقيقة انه لا يوجد تفسير منطقي لذلك»(!). لا، يا حضرة البروفيسور: التفسير المنطقي لـ«ذلك» واضح كالشمس، «وليس يصح في الإفهام شيءٌ // اذا احتاج النهار الى دليل»، لو استعرنا لغة شاعر العرب، المتنبي.
تسجيل خطأ تسرّع البروفيسور أسعد غانم في تشكيل حزبه وخوض الانتخابات، لا ينسينا خطيئته في التهجم غير المبرر، وغير المقبول، على منظمة التحرير الفلسطينية، بسبب وذريعة تدخلها «غير المقبول»، (حسب تعبيره)، في الانتخابات الإسرائيلية، ناهيك عن التعرّض، وبالاسم، حين يقول: «في اعقاب اجتماع مع ابو مازن، او من يعمل من طرف ابو مازن»(!).
انتهت الآن معركة الانتخابات الحالية في إسرائيل، وحان الآن زمن المصالحة والتعاون، بين مكونات الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل، وبين كل مكونات الشعب الفلسطيني الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية، لضمان زيادة تأثير الصوت العربي في السياسة الإسرائيلية الداخلية، على صعيد المساواة وكبح العنصرية اليهودية، وعودة اللاجئين الفلسطينيين حاملي بطاقة الهوية الإسرائيلية، الى مدنهم وقراهم وممتلكاتهم داخل إسرائيل، وفي السياسة الإسرائيلية الخارجية، على صعيد التوجه للسلام مع الشعب العربي الفلسطيني، ونبذ استخدام القوة العسكرية، والغطاء الأمريكي، للتنكر للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولقرارات الشرعية الدولية.
عودة الى نتائج الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، امس الأول، تظهر لنا أن هذه الانتخابات انتجت «بيضة قبّان» والى جانبها شبه بيضة قبّان ايضا. حزب «يسرائيل بيتينو»، (إسرائيل بيتنا)، اليميني العنصري العلماني، (لليهود المهاجرين من دول الاتحاد السوفياتي سابقا)، برئاسة افيغدور ليبرمان، هي بيضة القبان، وحيث تميل هذه تكون الكفّة الراجحة. الى جانب هذه يوجد، (بنتيجة الانتخابات في إسرائيل)، حزب العمل السرائيلي الذي تحالف في معركة الانتخابات مع حزب «غيشر» (الجسر)، برئاسة أورلي ليفي افكسيس، (ابنة دافيد ليفي، احد زعماء الليكود سابقا ووزير الخارجية الإسرائيلية الاسبق، وواحد من ضحايا نتنياهو الكثيرين).
مصلحة العرب الفلسطينيين حاملي الهوية الإسرائيلية، ومصلحة جميع أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن وفي بلاد اللجوء والتشرد والمهاجر، ان يُشْغل ابناء هذه الأقلية الوطنية في إسرائيل، موقع بيضة القبّان. يقول رئيس القائمة العربية المشتركة، أيمن عودة، ويكرر: «لا يمكننا وحدنا هزيمة نتنياهو واليمين العنصري الحاكم في إسرائيل، ولا يمكن بدوننا أن يتحقق ذلك». هذا صحيح تماما. لكن احراز هذا الهدف يستوجب، بالضرورة، أن يكون العرب الفلسطينيون في إسرائيل، «بيضة القبان» او جزءا اساسيا وعضويا منها.
هذا يستدعي التفكير بجدية مطلقة، والتخطيط بجدية مطلقة، ورصد التكلفة اللازمة التي لا يمكن بدونها، تحقيق ذلك.
كان الـ «اسم الثاني» للزعيم القومي العربي، الوطني اللبناني، ابن/ابو الطائفة الدرزية، كمال جنبلاط، هو «صانع الملوك» والرؤساء في لبنان، لأنه عرف ان يجعل من نفسه، رغم الحجم المتواضع للطائفة الدرزية في لبنان، مقارنا بحجم المسيحيين بطوائفهم الكثيرة، والمسلمين بطائفتيهما، السنية والشيعية، «بيضة القبان». يقرر كمال جنبلاط، بناءً لما يراه مصلحته وما يؤمن به من مبادئ وقناعات، أن فؤاد شهاب هو الأفضل ليكون رئيسا للبنان، بدل كميل شمعون، فيصبح فؤاد شهاب رئيسا للبنان. يقرر تفضيل سليمان فرنجية، فيصبح هذا رئيسا، يفضل الياس سركيس، فيصبح رئيسا.. والقائمة تطول.
قد لا يمكن لأي قائمة عربية مشتركة، (صرف عربية)، أن تشكل في أي يوم من الأيام «بيضة قبّان» في الحياة السياسية في إسرائيل. لكن تحالفا عربيا فلسطينيا (من حاملي بطاقة الهوية الإسرائيلية) يهوديا، مؤهل لذلك، وقادر عليه.
تعالوا نفكّر.
نقلا عن “القدس العربي”



التعليقات مغلقة.