هل خسرنا السوق العراقي؟
في السابق كانت التبادل التجاري بين الأردن والعراق يتجاوز المليار دولار على أقل تقدير، وكانت العلاقات الاقتصادية بين البلدين سببا رئيسيا في الاستقرار الاقتصادي للمملكة، التي كان ثلث صادراتها الصناعية تتجه أو مخصصة لسوق العراق.
في الأصل جزء كبير من الاستثمارات الصناعية في مدينة سحاب الصناعية أسست للسوق العراقي أثناء الحرب مع إيران وخلال فترة الحصار الاقتصادي على العراق عقب أزمة الخليج الأولى سنة 1990.
الأردن استفاد من العلاقات الاقتصادية مع العراق في كل القطاعات، فالنفط التفضيلي كان يأتيه يوميا بواقع 50 ألف برميل، وقد وصل حجم فاتورة الطاقة مع بغداد في بعض الأحيان النصف مليار دولار سنويا، وكانت بأقل من أسعار النفط العالمية بأكثر من 10 أو 20 دولارا في بعض الفترات، الأهم من ذلك أنه كان يعتمد على معادلة البروتوكول التجاري مع العراق الذي كانت تتراوح قيمته بحدود ال300 مليون دولار، فالنفط العراقي التفضيلي يقابله سلع أردنية تذهب للسوق العراقي بشكل يومي، ما يعني أن ذلك السوق كان متنفسا غير طبيعي للصادرات الوطنية.
اليوم المشهد بات مختلفا بكل جوانبه بين البلدين، فالعراق لم يعد ذلك العراق الذي كان في السابق، وتدخلات الجوار به باتت واضحة على جميع ملامح العملية السياسية والاقتصادية فيه، فغالبية قطاعاته تأتمر بتوجيهات طهران، في حين أن المناطق الشمالية باتت حصة اقتصادية رئيسية للسلع التركية.
العقبات التي باتت أمام تدفقات السلع الأردنية متعددة ومتشعبة، لدرجة أنها جعلت عملية التصدير لذلك السوق غير مجدية إطلاقا، فتارة تفرض رسوم جمركية وضريبية كبيرة على السلع المستوردة من الأردن، وتارة يتم فرض إجراءات رقابية تقليدية على السلع ذاتها، ومرة يتم وضع مواصفات غريبة على المستوردات، ما جعل الجدوى الاقتصادية للتصدير للسوق العراقي تختفي تماما، ما أدى إلى تكبد عشرات المصدرين للكثير من الخسائر التي ترتبت عليهم نتيجة تلك القرارات.
للأسف مازال جزء كبير من المصدرين يترقبون السوق العراقية وعودة فتح الحدود بين البلدين المغلقة منذ أكثر من عامين تقريبا، ورغم دفئ العلاقات بين البلدين في الآونة الأخيرة ورغبة الكثير من أطياف الحكومة العراقية تعزيز العلاقة مع الأردن على مختلف المستويات، إلا أن الواقع العملي يشير إلى وجود حلف قوي داخل البرلمان والحكومة معا، لا يرغب بتوسيع العلاقة مع الاردن، ودائما ما يهاجم أي مسؤول يخرج بحديث إيجابي عن العلاقات والاستثمارات بين البلدين، وهذا سبب منطقي للأبعاد السياسية التي تحيط بالعراق وتتحكم بتوجهاته، فإيران لن تسمح بخروج السوق العراقي من يدها بعد ان باتت هي المسيطر الأوحد تقريبا عليه، ومنفذا لصادراتها ومتنفسا لاقتصادها المحاصر بسبب العقوبات، وهذا يتضح من المشهد الراهن للسوق العراقي التي باتت السلع الايرانية هي السلع الرئيسية فيه.
صحيح أن السوق العراقي مهمة للصادرات الوطنية، لكن على المصدرين الأردنيين أن ينتقلوا إلى آفاق تصديرية جديدة وأسواق غير تقليدية، وأن لا يعلقوا آمالهم على سوق باتت السياسة الإقليمية هي المسيطرة عليه.
[email protected]
[email protected]

