تصريح أجوف لوزير خارجية غائب
” إذا دخلت قوات أردنية إلى أراضينا سنعتبرها قوات معادية “. هذا ما صرح به وزير خارجية نظام الأسد وليد المعلم لا فض فوه، يوم الاثنين 8 / 5 / 2017. وهذا التصريح الأجوف يذكرني بالمثل الشعبي: صام دهرا ونطق كفرا.
فإذا ما عدنا إلى التاريخ القريب، سنجد أن القوات الأردنية دخلت إلى سوريا مرتين. كانت الأولى بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عندما انتصر الأردنيون للشعب السوري ضد المستعمر الفرنسي في عام 1920. وكانت الثانية خلال حرب أكتوبر عام 1973 عندما دخل اللواء المدرع 40 واللواء المدرع 92 من القوات المسلحة الأردنية إلى الأراضي السورية، للقتال إلى جانب القوات العراقية والسورية ضد القوات الإسرائيلية في هضبة الجولان.
في ذلك الوقت لم يكن هناك مانع أو احتجاج من الجانب السوري على دخول تلك القوات إلى الأراضي السورية. ولكي أذكر معالي الوزير المعلم، فإن القوات السورية هي التي اخترقت الحدود الأردنية بالقوة في اعتداء سافر للسيادة الأردنية عام 1970، وقاتلت شقيقتها القوات الأردنية، حيث وصلت إلى مثلث الرمثا داخل الأراضي الأردنية.
الأردن لم يكن في يوم من الأيام معتديا بل كان عونا وسندا لأشقائه العرب، داعيا لحل مشاكلهم بالطرق السلمية لا بالقوة العسكرية. وبناء عليه فالقوات الأردنية لا تنوي ولا تخطط للدخول والقتال داخل الأراضي السورية، إلا في حالتين: الحالة الأولى، إذا أجبرت على القيام بعمليات دفاعية نشطة، توجه من خلالها ضربات استباقية للقوات الإرهابية، التي تتمركز قرب حدوده الشمالية في جنوب سوريا، في حالة اعتدائها على القرى والمدن الأردنية الحدودية. وتكون غايتها في هذه الحالة وأد الخطر في مهده، والعودة فورا إلى داخل الحدود الأردنية، دون احتلال لأي جزء من الأراضي السورية. والحالة الثانية، إذا كان هناك قرارا أمميا يفرض على جميع الدول المعنية المساهمة في الحرب على داعش. وفي هذه الحالة لن تستطيع الأردن التخلف عن ذلك لأنها ملتزمة بمحاربة الإرهاب، وستكون مساهمتها محدودة النطاق.
وبهذه المناسبة أسأل معالي وزير الخارجية الغائب : لماذا لا تعتبر القوات الروسية التي استخدمت كافة أنواع الأسلحة لديها، ابتداء من الصواريخ والطائرات وانتهاء بالبراميل المتفجرة والقنابل العنقودية، التي تلقيها على المدنيين العزل وتدمر المساكن فوق رؤوسهم، قوات معادية تنتهك السيادة السورية ؟ لماذا لا تعتبر لواء القدس الإيراني بقيادة قاسم سليماني، ومقاتلي حزب الله، الذين يقتلون أبناء الشعب السوري قوات معادية ؟ ولكنك تخص الأردن بهذه المكرمة.
فإذا كانت الإجابة بأن دخول هؤلاء كان بطلب من السلطة الشرعية، فهو عذر أقبح من ذنب. إذ كيف يستعين النظام بقوات أجنبية لتقتل شعبه وتهجر مواطنيه وتدمر بنيته التحتية بذريعة محاربة الإرهاب ؟ وهل يستطيع النظام في أي وقت أن يخرج هؤلاء الغرباء من أرضه بإرادته، دون أن يدفع ثمنا غاليا مقابل ذلك ؟ إنني أشك في ذلك . . !
أما الطائرات الإسرائيلية التي تصول وتجول في سماء سوريا، وتدمر مختلف الأهداف في عمق وأطراف البلاد دون أية مقاومة، فهي في عُرف وزير الخارجية ليست قوات معادية، ولا تنتهك السيادة السورية، إلا من خلال تصريحاته الجوفاء. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : أين المقاومة والممانعة والرد في الوقت المناسب، التي صدعت رؤوسنا بها ولم نرَ لها أثرا في الرد على تلك الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ؟ ثم لماذا لا تعتبر دخول القوات البرية التركية إلى عدة مناطق في شمال سوريا، وطائراتها التي تحلق وتقصف أهدافا مختلفة، قوات معادية، بل تعقد الاتفاقيات الثنائية معها ؟
ومن جانب آخر، كيف ترضخ ( سوريا الأسد ) لقرارات تمسّ سيادتها، عندما فرضت روسيا وتركيا وإيران – وبرضا الولايات المتحدة الأمريكية – أربع مناطق ( تخفيف التصعيد أو مناطق آمنة ) فوق أرضها، دون أن تشارك في تلك القرارات ؟ فهل أوكلت مصيرها لتلك الدول لتقرر عنها ما تريد وما عليها إلا التنفيذ ؟ نرجو الله أن لا تكون هذه المناطق الأربعة مقدمة لتقسيم سوريا العزيزة.
وها هو اليوم وزير خارجية روسيا يطير إلى واشنطن لبحث الأزمة السورية مع السلطات الأمريكية، وإقرار ما يرونه مناسبا بغياب وزير الخارجية السوري صاحب القضية، الذي يشبعنا تنظيرا وتهديدا وهو جالس على كرسيه غائب عن الأحداث، بينما أطراف خارجية تصنع القرارات التي تخص سوريا نيابة عنه. فكفى تبجحا واتهاما زائفا للأردن ذرا للرماد في العيون، بينما سوريا فقدت سيادتها وأصبح تقرير مصيرها بيد الآخرين . . !

