ترمب: وعود انتخابية تنفذ ولا خير في واحد منها للعرب !.
بعد ما أعلن عن عزم إدارة ترمب تخفيض المساعدات السنوية للأردن بنسبة ٢١ % ( ١٧٦ مليون دولار ) فان الضغوط المالية على الموازنة العامة ستكون كبيرة بعد التوقف شبه التام للمساعدات العربية وهي ستكون أكبر على المواطنين الذين أصبح دورهم تسديد العجز من جيوبهم . وهنا لابد من ملاحظة ، وهي أن مسألة المساعدات المالية الخارجية للأردن قضية حيوية لتسيير الشؤون العامة للدولة منذ قيام المملكة عام ٤٦ وحتى اليوم ، والسبب ، ليس لأن الأردن ( دولة مصطنعة وكيان غير طبيعي ) كما يحلو لخصوم الأردن وأعدائه القول ، إنما لأن ( هذا الكيان المصطنع حسب مزاعمهم ) تحمل ويتحمل من أعباء ومسؤوليات أزمات المنطقة ونكباتها أكبر آلاف المرات مما تحملتها وتتحملها الدول العربية مجتمعة ، بكياناتها الكبيرة ودولها العميقة .
في بداية الخمسينيات حاولت بريطانيا استخدام مساعداتها للأردن بموجب المعاهدة الأردنية البريطانية ( ١٢ مليون جنيه ) للضغط على الحكومة من أجل عقد صلح منفرد مع إسرائيل ، هذه الضغوط بلغت ذروتها عام ٥٦ ، فرد الأردن بطرد الجنرال غلوب ومن ثمّ إلغاء المعاهدة معتمدا بذلك على المساعدات المالية العربية ( المؤقتة ) وعلى بداية علاقات جديدة مع أمريكا قادت إلى مساعدات سنوية من واشنطن منذ مشروع النقطة الرابعة وحتى اليوم . مساعدات مكنت الدولة الأردنية من انتهاج سياسات شبه مستقلة اثناء الحرب الباردة ، وقد استخدمت مرة واحدة للضغط على الأردن عام ١٩٩٠ أثناء أزمة الكويت عندما تراجعت إلى أدنى مستوياتها .
الاعتماد الأردني الطويل ، منذ أكثر نصف قرن ، على المساعدات المالية والعسكرية الأمريكية أسس لحالة ثابته من الحاجة إلى الدعم الأمريكي الاقتصادي والسياسي ، حتى اصبح رقم هذه المساعدات دليل على حجم هذا الدعم ، فإن ارتفع الرقم فالأمر جيد وإن انخفض ففي الأمر شئ سئ . لهذا لا اعتقد بأن الدولة الاردنية ستكون مرتاحة إذا ما نفذت إدارة ترامب قرارها بخفض المساعدات بمقدار ١٧٦ مليونا اذا لم يكن اكثر من ذلك . ولهذا القلق مقدمات ومؤشرات منها :
١- الاردن الذي يقع تحت عبء مديونية كبيرة متصاعدة يحتاج الى كل مليون من هذه المساعدات بعد ان تجاوزت حكوماته الخط الأحمر في قرارات رفع الضرائب على المواطنين لمواجهة العجز في موازنة دخلت مرحلة الشلل منذ عدة سنوات فيما يتعلق بقدرتها على مواجهة البطالة وارتفاع غلاء المعيشة .
٢- القرار الامريكي ان نفذ سيأتي في وقت توقفت فيه المساعدات العربية الخليجية ، وهو امر غير مسبوق ، كما ان المجتمع الدولي تراجع عن التزاماته ، في مؤتمر لندن ، الخاصة بمساعدة الدول المستضيفة للاجئين السوريين .
٣- قرار التخفيض يدل على ان ترمب عازم على تنفيذ كل وعوده للناخب الامريكي اثناء حملته الانتخابية ، وهو اذ وعد بتراجع واشنطن عن كثير من التزاماتها المالية في العالم ، ابتداء من حلف الناتو الى المكسيك وكندا ، فان الخشية ان يعمد الى وقف المساعدات العسكرية لدول العام ، كما وعد – ومثل هذا سيعني الكثير للاردن وغير الاردن .
٤- ان سياسة ترمب ، كما أوضحها ، تجاه حلفاء امريكا التقليديين في العالم وفي الشرق الاوسط – باستثناء اسرائيل – تعتمد على الدفع مقدما مقابل الحماية والتعاون مع امريكا ، وكما هو ظاهر في شمال سوريا فان ادارته تفضل التحالف مع المليشيات الكردية على الحلف الاستراتيجي القائم بين الولايات المتحدة وتركيا . ان ترمب كما يبدو لا يهتم ب ( المقاول بالباطن ) مع دول المنطقة لتنفيذ السياسة الامريكية مع مراعاة مصالح هولاء الحلفاء ، انما بالقيام بالتعاون المباشر مع من ينفذون هذه السياسات بحد أدنى من الكلفة المادية والعسكرية حتى لو كان هذا التعاون مع ميليشيات وعصابات مسلحة كما يحدث في الشمال السوري . وكأن ترمب يرد بعمليات دعم المليشيات الكردية على اقدام تركيا بسحب قواتها ( درع الفرات ) التي كان متوقعا ان تتقدم نحو الرقة ، وكذلك ردا على اعلان الاردن بانه لن يرسل جيشه الى جنوب سوريا .
٥- وسط ما اثير عن وجود مبادرة لترامب لحل القضية الفلسطينية ، خاصة اثناء عقد قمة البحر الميت العربية ، وعن وجود دور اردني اساسي في شكل الحل المطروح توقع البعض ، انذاك ، زيادة المساعدات للاردن لا خفضها ، او على الأقل إبقائها في مستوياتها السابقة . اليوم بعد اعلان خطط عن تخفيضها فهل يمكن اعتبار ذلك بداية سلسلة من الضغوط لا الإغراءات لتنفيذ الاملاءات الامريكية الاسرائيلية !؟.
خلاصة الامر ان الاردن مقبل على مواجهة ضغوط مالية كبيرة تنطلق من واشنطن الى جانب ضغوط سياسية لا تقل قسوة ومن يتابع كيفية تنفيذ ترمب لوعوده الانتخابية يجزم بان مسألة نقل السفارة الامريكية الى القدس المحتلة هي مسألة وقت لا يتجاوز الخريف المقبل وفي مثل هذه الخطوة ، ان حدثت ، ضغوط خطيرة على الاردن وعلى مسؤولياته تجاه القدس ومقدساتها . ان المشكلة العصيبة التي تواجه العرب في عهد ترمب هي ان وعوده الكثيرة ، المتوقع ان ينفذهابحذافيرها ، خالية من اي وعد لخير العرب من المحيط الى الخليج .

