الثقوب السوداء وتوازن المجرات
يعتقد أن أول من أشار إلى وجود ظاهرة غريبة في الكون هي الثقوب السوداء كان «سيمون لابلاس» الذي رافق حملة نابليون إلى مصر. ويشير «ستيفن هوكينج» في كتابه «قصة قصيرة للزمان» إلى أن غرابة الفكرة جعلته يحذفها بالطبعة اللاحقة، ولكن النسبية العامة لآينشتاين أحيت الفكرة من جديد، أن ثمة ظاهرة فريدة في الكون الذي نعيش فيه، تقوم على انهيار النجم تحت ثقله فينضغط بقانون الجاذبية ويزداد حتى يصل إلى الكثافة التي لا يهرب منها حتى الضوء! وهذا يعني أن الثقب الأسود هو مثل دبيب النمل الأسود على صفاة سوداء في عتمة الليل السوداء، ولكن مثل هذا الادعاء يحتاج إلى دليل، فكيف يمكن التثبت من ادعاء كبير فلكي بهذا الحجم؟
العالمة الفلكية ستيفاني كوموسا من معهد «ماكس بلانك» لعلم الفلك الإشعاعي في بون تمكنت من مراقبة ثقب أسود في مجرة نائية من النوع القزم على بعد 1.8 مليار سنة ضوئية، وهو يعتاش على جثة شمس تقضي نحبها منذ عشر سنوات. وقد راقبت كوموسا هذه الظاهرة ليس في ألمانيا بل في الصين في جامعة «كيان نان» في مدينة «دو يون» الصينية. وتأتي أهمية هذا الاكتشاف ليس فقط بمراقبة الثقب الأسود وهو يتلهم كل مايحيط به من غبار سديمي وسحب وشموس وكواكب، بل أيضاً من فهم الكيفية التي تقوم بها الثقوب السوداء بدور مركزي في المحافظة على استقرار المجرات، بل وفهم نشأة المجرات نفسها، ومعها كيف تكونت الثقوب السوداء!
حسب التصور العلمي حتى اليوم فإن وجودنا والكون يعود إلى لحظة الانفجار العظيم، ويسمونها الحقبة المتفردة، حيث تنهار كل قوانين الفيزياء المعروفة، فلا ثمة وجود للمادة والطاقة والزمان والمكان والقوانين. ثم وحسب «روبرت آغروس» و«جون ستانسيو» وهما من فلاسفة العلوم في كتابهما الذي ترجم بعنوان «العلم في منظوره الجديد» أنه وفي «سكستليون» من الثانية أي رقم الثانية الواحدة يجزأ بقوة عشرة 36 مرة إلى الأسفل وهو ما يفوق طبعاً «الفيمتو» ثانية، التي يعرفها العلم الحالي كأقصر فترة زمنية. هنا تشكل الزمن فتدفق، وتشكل المكان فتصور، وتدفقت القوانين فعملت، وانشطرت الطاقة والمادة في معادلة، كما في معادلة آينشتاين لعلاقة الطاقة بالمادة.
وحسب كوموسا فإن الكون وخلال هذه الومضة انتفخ إلى الحجم الحالي، وخلال بضع ملايين من السنين تكثفت المادة الأولية إلى سحب غازية وغبار، ومن كثافتها تشكلت النجوم العظمى «Hyperstar» كل واحدة منها تزن ما يزيد على مئة ضعف من حجم شمسنا. وقد أشعت هذه النجوم العملاقة ضوءها في بضعة ملايين من السنين، حتى ذبلت وكوّرت، متحولة في النهاية وتحت ضغط ثقلها الهائل فانسحقت وتحولت إلى ثقب أسود، يئن تحت سحق قوة الجاذبية للمادة التي فيه.
وخلال بضع مئات من ملايين السنين التهم هذا الثقب الأسود كل ما يحيط به من غبار كوني ومادة وتضخم إلى حجم مليارات من ثقل شمسنا، بفعل التراكم داخل أحشائه، وعلى حواف هذا الملتهم الأعظم تكوّن قرص من مادة الكون حيث تتشكل مليارات الشموس ومنه تولد المجرة، التي ننتسب إلى واحدة منها اسمها «درب التبانة» كما أطلق عليها العرب هذا اللقب قديماً. وحسب «كوموسا» فإنه ما بين قراءة المقالة ونهايتها يكون الثقب الأسود في المجرة البعيدة قد ازدرد ما هو بحجم الأرض. وهذه المجرة البعيدة وثقبها الغامض لم يأخذا اسماً بعد سوى تسمية معقدة وطويلة يرمز لها (5DSSJ150052.07.+015453.8).
وإذن فخلاصة هذه النظرية أن الثقب الأسود حقيقة كونية، وفيه فائدة عظيمة في استقرار المجرات. ولكن كيف يمكن مراقبة كائن في الظلام أبعد من الأشباح؟
جواب العالمة كوموسا أن العلم له طرائقه الرائدة في الكشف «غير المباشر»، ولكن كيف يتم الكشف عن هذا الكائن الغامض أصلاً؟ إن الشمس التي يتم التهامها من الثقب الأسود تطلق صفارات الإنذار للنهاية، حيث تزداد قوة الجذب إلى درجة تمزيق الشمس فتحلق الجثة بسرعة 200 ألف كم في الثانية وتطلق موجات هي أقوى من مليارات من إضاءة النجوم. فقط يجب التقاط لحظات النزع الأخير قبل الموت، وهو ما نجحت فيه «كوموسا»، وتقول إنها مصادفة وتحتاج إلى كشف كوني للعديد من المجرات حتى تضبط الظاهرة.

