مناهج تعليمية تقودنا نحوَ الانقراض
تقتفي الأمم أثرَ أعلامها الذين سَاهمُوا في بناءِ تراثها وصياغة معالم حاضِرِها، وقد حرِصَت معظم تلك الأُممُ على تسمية ِمعالم رئيسةً باسم تلك الأعلام، فضلاً عن إقامة نُصُب لها تمجيداً لذكراها، وذلك لتستلهم منها الأجيالُ الناشئة والصَّاعدة شَغف الإبداع والإنجاز، ولتتمكن هذه الأُمم أيضاً من مواصَلةِ مشوار النمو والازدهار.
كما تحرِصُ أُمم المشرق والمغرب اليومَ على إدماجِ مُساهماتِ هؤلاء الأعلامِ في مناهجها الدِّراسية، وذلك ليتشرَّب الطلبةُ ثقافةَ العملِ والإنجازِ التي تحلَّى بها علماؤها والذين كانت لهم اليدُّ الطولى في تقدُّم بلادهم في شتَّى صُنوف علوم العصر، الأمرُ الذي مكَّنَ بلادَهُم من حجزِ مكانٍ يليق بين الأمُم التي تخوض سباقاً محموماً على التوصُّل إلى أحدث الاختراعات والابتكارات التكنولوجية والطبية، فضلاً عن الارتقاء بسائر فنونها الأدبية.
تسليم راية العلوم والمعرفة والابداع من جيلٍ إلى آخر والبناء عليه؛ هو السَّبيل الذي انتهجتهُ الأمم المتقدِّمة والتي تحمل اليوم مشعلَ التقدُّم المعرفي وتقود قاطرة العلوم والتقنيات التي أنتجت صناعاتٍ غير مألوفة وأحرزت نجاحاتٍ اقتصاديةٍ وتنمويةٍ هائلة.
فمن الطبيعي أن تجدَ في شوارع وميادين ألمانيا نُصُباً للأديب الكبير يوهان جوته ناهيكَ عن مؤسَّساتٍ تحمل اسمهُ، وهو ما ينسحبُ على النمسا التي كرَّمت منجزات الطبيب وعالم الأحياء كارل لاندشتاينر بذات الطريقة، وهذا ما فعلته المملكة المتحدة مع ألكسندر فليمنج مخترع البنسلين، ومن الطبيعي أن تحتفي الولايات المتحدة أو كندا مستقبلاً وحاضراً بإيلون ماسك مبتكر سيارة “تسلا”، أو بجيفري بريستن بيزوس مؤسس شركة “أمازون” البالغ قيمتها السوقية قرابة 1.6تريليون دولار، أي ما يضاهي سُدس الناتج المحلي لجميع الدولة العربية من المحُيط للخليج للعام 2020.
هذه الأسماءُ وغيرها استحقَّت التكريم من قبل بلدانها التي تتباهى بها وتجعلُ منها نموذجاً أمام النشء ليسير على خُطاها إن أرادت البقاء ضمن حلبة المنافسة في القرن الحادي والعشرين والذي يجري الحديث فيه عن علوم الخرائط الجينية والقفزة نحو الثورة الصناعية الرابعة ، في وقتٍ تتسابقُ فيه كلٌ من الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية الصين الشعبية على الوصول إلى تقنياتِ الجيل السادس للاتصالات والتي من شأنها تغيير مسارِ كثيرٍ من الأمور التي نعرفها اليوم.
ما استفزَّني لكتابة هذه الأسطر هو ما تمَّ إدراجه في المناهج الدراسية للصفوف الابتدائية في الأردن وسواه من البلدان العربية حينما تسعى لاستحضار التراث لمُحاكاة الحاضر، إذ يُلحظُ أنَّ هذه المناهج التربوية والتي يعوَّل عليها لبناء أجيال المستقبل؛ تحصُر البطولات والنَّجاحات في شخصياتٍ عسكرية كانت تستخدمُ الخيول والرِّماح في معاركها التي كان نمطها مبررٌ في مقاييس العصر الذي عاشت فيه.. فالبطولةُ بنظر هذه المناهج تتمثل في عددِ الذين قتلهم وسباهُم ذلك الفارس الفذ، وكأن واضعي هذه المناهج لا يعرفون أن القُدوة تتغير بتغير الأزمان، وأن الذي كان مبرراً في ثقافةِ زمنٍ ما قد لا يصلُح في سواه، ويبدو جلياً أن من تصدَّى لمهمة بناء الوعي لدى الأجيال لا يعلم أيضاً أنَّ هُناك نماذج من التراث العربي الإسلامي تستحقُ أن تجد لنفسها موضعاً في مناهج أبنائنا لتستقي منها العزيمة مستقبلاً على أمل رأب الصدع العلمي والمعرفي الآخذ بالتوسع بيننا وبين الأمم الأخرى.
هذه المناهج كرَّست نموذج البطل العسكري الفذ الذي يمتطي صهوة الخيل وجعلت منه السبيل الوحيد للخلاصِ والتقدَّم والتفوِّق على الآخر، وهنا يتبادر إلى أذهاننا التساؤل التالي؛ ما الذي يمكن أن يفيدنا به هذا النموذج في مواجهة إمبراطورياتٍ تمتلك الآف القنابل النووية والطائرات المسيَّرة والصواريخ الذكية العابرة للقارَّات؟
هذه المناهج -التي ساهمت في بلورة شخصيتنا الاتكالية التي تنتظر مخلِّصاً مزعوماً ليقودنا للتفوق على الأمم الأخرى (بمنظور العصور الوسطى)- هي ذاتها التي كان بمقدورها استحضار أسماءٍ علميةٍ وأدبيةٍ هائلة يعُجُّ بها التراث العربي الإسلامي لتكون نموذجاً لو اقتدينا بمساهماتها لكان لدينا اليوم صواريخ عابرة للقارات ولكُنَّا ننافسُ أيضاً على التوصُّل لتقنية الجيل السادس ولربما السَّابع من الاتصالات.
ألا تستحقُ الأسماء -التي سأوردها في الفقرة التالية- أن تجدَ لنفسها حيزاً ولو بسيطاً في مناهجنا الدراسية، وهي التي ارتكز الغرب على مساهماتها وذلك حينما انكبَّ المترجمون الأوروبيون على نقل كُتُبها إلى اللغة اللاتينية وذلك ين القرنين التاسع والثالث عشر الميلاديين، علماً بأننا بعد ذلك التاريخ أي القرن الثالث عشر؛ دخلنا في مرحلة انحدار وانحطاط يبدو أننا لم نبلغ منتهاهُ بعد، فأصبحنا كالجماهير التي تكتفي بالتصفيق والتشجيع حينما تشاهد مباراة في كرة القدم، فلا نعرفُ كيفية ممارسة اللعبة وتقنياتها وأساليبها، وربما لا نعلمُ من الذي يلعب أساساً!.
من بين هذه الأسماء؛ أبناء موسى بن شاكر (مهندسون في الميكانيكا عاشوا في القرن التاسع الميلادي)، الطبيب أبي القاسم الزهراوي (مبتكر غالبية الأجهزة المستخدمة في العمليات الجراحية، توفي سنة 1013 م)، ابن سينا الغني عن التعريف ( طبيب وفيلسوف، وكان كتابه القانون في الطب مرجعاً للعلوم في أوروبا طيلة 6 قرون على الأقل، توفي سنة (1037 م) ، أبي الريحان البيروني ( تحدَّث بست لغات، وكان من أوائل من قاس قطر الكرة الأرضية، توفي سنة 1048 م)، إسماعيل الجزري (واضع لبنات علم الروبوت، توفي سنة 1206 م).. والقائمة تطول.
وللحيلولة دون اندثار هذه الأمة التي باتت تعاني أيَّما معاناة وهي تشاهد نظيراتها يتقدَّمن بخطىٍ حثيثة نحو المستقبل، فإن عليها إعادة النظر في كثير من قناعاتها وطرقها في التفكير، فإن لم تُرِد أن تراجعَ التراثَ المهيمن على ثقافتها لغاية اليوم، فلتقُم على الأقل بإعادة النظر بمناهجها التعليمية على أمل ظهور جيل قادر على التفكير العقلاني ليساعدها على مواكبة المستجدات ومواجهة التحديات.. وإن لم تُرِد لا هذا ولا ذاك، فلنبقَ في بيوتنا على أمل أن يُحدَث الله بعد ذلك أمراً.



التعليقات مغلقة.