حبس المديـــن
عندما أطرح هذا الموضوع فإنما أطرحه وأناقشه من زاوية قانونية وإقتصادية بحتة ، وليس مــن باب العواطف وإستدرار الشفقة على المدينين ، فإن كان القانون يجيز الحبس فإن المطالبــة بإلغاء الحبس يقتضي تعديل القانون ، أما إذا كان القانون لا يجيز الحبس فإن مقتضى ذلك أن تتولى السلطات في الدولة مسألة إلغاء الحبس والعدول عنه كوسيلة لإكراه المدين بدنياً على تنفيذ الإلتزامات المدنية ، لذا سأتناول الموضوع من الناحيتين القانونية والإقتصادية وبعد ذلك الإجــراءات التي يتوجب على السلطات المختصة إتباعها لتحقيق ذلك ، وذلك على النحو الآتي :
أولاً: من الناحية القانونية :
تنص المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي وقعت وصادقت عليها المملكة الأردنية الهاشمية وتم نشره في الجريدة الرسمية بعددها رقم (4764) تاريخ 15/6/2006 على ” لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بإلتزام تعاقدي ” .
وحيث أن المحكمة الدستورية ومن قبلها محكمة التمييز الأردنية قررتا أن الإتفاقيات الدولية التي توقع وتصادق عليها الدولة يكون لها صفة العلو على التشريعات الداخلية ويتعين على الدولة أن تعدل تشريعاتها بما يتناسب مع تلك الإتفاقيات والمعاهدات ، فإن مؤدى ذلك أن تصبح المادة (22/أ) من قانون التنفيذ رقم (25/2007) التي تنص على ” يجوز للدائن حبس مدينه 000 ” إن هذه المادة التي أجازت الحبس تتعارض وتتصادم وتتناقض مع المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحظر حبس الإنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بإلتزام تعاقدي ، إذ أنه يستحيل التوفيق بين نصين احدهما يجيز الحبس والأخر لا يجيزه ، مما يوجب تطبيق التشريع الأعلى وهدر التشريع الأدنى عند تعارض التشريعين ، الأمر الذي يقتضي عدم تطبيق المادة (22) من قانون التنفيذ ، كما يجب عدم تطبيق الحبس من أجل أي دين ورد في أي تشريع أخر لتعارضه مع العهد الدولي المذكور ، وذلك إعمالاً لسيادة القاعدة القانونية الأعلى ، وإلتزاما من الدولة بالإتفاقيات التي توقع عليها وإعمالاً للمباديء الدستورية .
خلاصة ما تقدم أن المادة (22/أ) من قانون التنفيذ تتعارض مع المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فإن مما يوجب عدم تطبيق المادة (22) من قانون التنفيذ وإستبعادها من التطبيق .
ثانياً : من الناحية الإقتصادية :
أما من الناحية الإقتصادية فإن حبس المدين يؤدي الى التراجع الإقتصادي للأسباب التالية :
1- تعطيل جزء من الموارد البشرية وهم الذين يتم حبسهم لقاء ديون مدنية .
2- زيادة الأعباء المالية التي تنفقها الدولة على السجناء بما يشكل نفقات بلا عوائد .
3- الإكتئاب النفسي الذي يلحق بأسر السجناء وما يترتب عليه من شل وتعطيل هؤلاء عن الإنتاج وحرمانهم من المشاركة في الدورة الإقتصادية .
4- الإخلال بالثقة الدولية بالدولة التي لا تلتزم بتنفيذ المعاهدات والإتفاقيات الدولية مع ما يترتب على ذلك من إخلال بالثقة المالية للدولة وأثار ذلك الإقتصادية .
الإجراءات الواجبة :
يتعين على الحكومة ولغايات توفيق الأوضاع القانونية الداخلية مع الإتفاقية الدولية المذكورة أن تقوم بالإجراءات التالية :
1- إصدار أمر دفاع بوقف العمل بالمادة (22) من قانون التنفيذ المشار إليها ، إذ أن أمر الدفاع له قوة القانون العادي وبالنتيجة يستطيع رئيس الوزراء تعطيل حكم هذه المادة بموجب أمر دفاع .
2- وضع مشروع قانون وعرضه على مجلس النواب لمناقشته وإقراره يتضمن منع حبس المدين من أجل إلتزامات مدنية وعلى أن يتضمن إلغاء أي نص يتعارض مع ذلك حيثما ورد في أي تشريع أخر.
3- ولحين إتمام الإجراءات المتقدمة فإن القضاء يمكنه الرجوع عن قرارات الحبس الصادرة بحق المدينين من أجل إلتزامات مدنية وفـــي الإجتهاد القضائي الأردني ما يسعف في ذلك ، إذ أن القاضي يطبق القانون الأعلى عندما يتعارض مع أخر أدنى منه ، وقد ذهبت الى ذلك محكمة العدل العليا الأردنية بقرارها رقم (44/67) حيث جاء فيه ” إن على المحكمة فيما يعرض عليها من قضايا أن تلتزم في تطبيقها للتشريعات المتفاوتة في القوة ، تطبيق التشريع الأعلى عند تعارضه مع تشريع أدنى منه وهي في ذلك لا تعتدي على السلطة التشريعية ما دامت المحكمة لا تضع بنفسها قانوناً ولا تقضي بإلغاء قانون ولا تأمر بوقف تنفيذه وغاية الأمر أنها تفاضل بين قانونين قد تعارضا فتفصل في الخصومة وتقرر أيهما أولى بالتطبيق 0000 ” .
وبالنتيجة لا بد من التأكيد على أن الحكومة إن لم تقم بواجبها لتوفيق التشريعات الداخلية مع إلتزاماتها بموجب الإتفاقيات والمعاهدات الدولية فإن ذلك يوجب مسؤوليتها عن الأضرار التي تلحق بالأفراد أو الأشخاص الطبيعية والحكمية بصرف النظر عما إذا كان مصدر مسؤوليتها العقد أو المسؤولية التقصيرية مما يوجب عليها جبر الضرر الذي يلحق بالغير .
وعليه فإن أي شخص يصار الى حبسه نتيجة عجزه عن الوفاء بإلتزام مدني بمقدوره مطالبة الحكومة بجبر الأضرار التي لحقت به من جراء الحبس لأن الحكومة لم تف بإلتزاماتها التي تحملتها بموجب الإتفاقيات والمعاهدات الدولية وذلك سنداً للمادة (256) من القانون المدني .
هذا ما تراءى لي من خلال النصوص التشريعية آملاً أن يلقى ذلك مزيداً من الدراسة والبحث القانوني .



التعليقات مغلقة.