الإستعصاء الديمقراطي في العالم العربي
منذ إستقلالها لم تنتقل الدول العربية ، إلى نُظم حكم ديمقراطية ، على الرغم من أن هناك فروقاً جوهرية بين أنظمة الحكم العربية من حيث الانفتاح السياسي ومستوي حرية التعبير وحكم القانون ونمو المجتمع السياسي والمجتمع المدني ، بل أرست بدرجات متفاوته أشكالا من أنظمة حكم أقرب إلى أنظمة حكم الفرد المطلق حيث تكون إرادة الحاكم الفرد (ملكاً أو سلطاناً أو أميراً أو رئيس جمهورية ) هي مصدر السلطات.
ورغم وجود دساتير توضح شكل نظام الحكم والعلاقة بين السلطات الثلاث وبينها وبين المواطنين ، إلا أن بعض الدول العربية نصت دساتيرها على أن يحتفظ الحاكم بالسلطة المطلقة بشكل صريح، أو أنه بالممارسة العملية يتحايل على المواد الدستورية ، سواء احتاج ذلك منه إلى تعديل الدستور وتزوير إرادة المواطنين ، تتيح للحاكم الفرد أن يحتفظ بالسلطة والثروة والنفوذ ويوزعها كيفما شاء ، طالما يتمتع بالحماية الخارجية .
أما الدول العربية الأخرى التي تنص دساتيرها على أن الشعب مصدر السلطات فإن معظمها إن لم تكن كلها تقوم بتعطيل ذلك المبدأ بقوانين الطوارئ والأحكام العرفية. كما أنها تتحايل على مبدأ الشعب مصدر السلطات، بتوفير شكل الممارسة الديمقراطية دون الالتزام بموضوعها، عن طريق تسخير السلطة التشريعية والقضائية إلى جانب السلطة التنفيذية والإدارة العامة وأجهزة الأمن، لإرادة الحاكم الفرد المطلق .
وبالنسبة لبلدنا الأردن فقد سارت الدولة منذ تأسيس الإمارة عام 1921 على طريق الإصلاح السياسي والدستوري المتدرج، وبما يتناسب مع ظروف الدولة وإنعكاس التطورات الإقليمية وخاصة القضية الفلسطينية على عملية الإصلاح، وإتبعت خطوات عملية جادة للإنتقال والتحول الديمقراطي عام 1989، بإجراء الانتخابات الأكثر نزاهة وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإلغاء قانون الأحكام العرفية وعودة الأحزاب للعمل العلني بعد سنوات طويلة من العمل السري، وشهد الأردن انفراجا سياسيا، ، وبرلمانات قوية كبحت جماح السلطة التنفيذية، وأنتجت قوانين لبناء الديمقراطية. غير أن العملية الديمقراطية قد تعثرت من جديد ،حتى أحداث الربيع العربي 2011 حيث تم إجراء تعديلات دستورية مهمة ، لكنها لم تكن كافية للوصول الى حكومات برلمانية .
وكان الرهان أن تعيد هذه الإصلاحات بناء المسار الديمقراطي،لكن الحكومات المتعاقبة تنصلت من إستحقاقات الإصلاح السياسي، وحرفت البوصلة للتأكيد على أولوية الإصلاح الاقتصادي على حساب المسار السياسي ، وبذلك لم تترسخ الديمقراطية ، وبقيت الحياة البرلمانية والحزبية ضعيفة ، والانتخابات البرلمانية يتم التلاعب بها .
وكان يُفترض أن تتغير قواعد اللعبة السياسية، وأن تنجح عملية التحول الديمقراطي في الأردن لتكون نموذجا يقتدى به في العالم العربي ، فلماذا هذا التعثر والإستعصاء السياسي؟
إن مفتاح الحل في الأردن وجود إرادة سياسية ملكية حاسمة وناجزة تؤمن أن الديمقراطية قدر لا مفر منه، وأن الولوج لهذا العالم يتطلب شجاعة الشراكة في السلطة لا الاستئثار بها، والتسليم أن التغلب على المشكلات مهما كان نوعها يكون بمزيد من الديمقراطية . فالديمقراطية لم تعد خيارا بل طريقا إجباريا للمستقبل، والتلاعب والحفاظ على “شعرة معاوية” مع المعارضة والشارع قد لا تنجح دائما، وليس صعبا على النظام السياسي الأردني تعبيد الطريق الديمقراطي من جديد ، فهو نظام قوي ويتمتع بشرعية ، ولا يوجد بينه وبين شعبه دم، ولا يحتاج الأمر مصالحات بل ممارسات صادقة .
والله من وراء القصد



التعليقات مغلقة.