إتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية (إتفاقية وادي عربة) ما لها… وما عليها
"هنالك فرصة واعدة بإدارتين حكوميتين جديدتين في كل من الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال أكثر إيجابية نحو الأردن وقيادته الحكيمة، مما يمكن الأردن من استعادة دوره المحوري الذي حاول كثيرون إفقاده إياه على مدى السنوات السابقة..."
ألمقدمة والخلفية التاريخية:
في 26 تشرين أول/ أكتوبر 1994، وبعد عام واحد من توقيع منظمة التحرير الفلسطينية لاتفاقية “إعلان المبادئحول ترتيبات الحكم الذاتي الإنتقالي (والمعروفة باتفاقية أوسلو) مع دولة الاحتلال في واشنطن في 13 أيلول/ سبتمبر 1993، وقع الأردن معاهدة سلامه معها في وادي عربة. جاءت هذه المعاهدة/ الإتفاقية كنتاج لثلاثة أعوام وسبع جولات تفاوضية بين الأردن وإسرائيل بدأت في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1991. وكانت الثانية في معاهدات السلام العربية الإسرائيلية (بعد مصر)، والإتفاقية الثانية (بعد منظمة التحرير الفلسطينية) بعد عقد مؤتمر مدريد عام 1991، والثالثة في مجمل الإتفاقيات العربية الإسرائيلية (بعد مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية).
بعد ما يقارب الثلاثة عقود على توقيعها، فإنه من الهاموالضروري القيام بإجراء تقييم ومراجعة شاملة وموضوعية لاتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية، أو ما يعرف ب “اتفاقية وادي عربة”. مراجعة شمولية للإتفاقية، نصا وتطبيقا، تهدف إلى توضيح مبرراتها وأهدافها ونتائجها وأبرز نقاط القوة فيها وأبرز التحديات التي نجمت عنها، والخروج بتوصيات ومقترحات محددة لكيفية التعامل معها في المستقبل بما يعزز من إيجابياتها ونقاط القوة والمنعة فيها، والتعامل الناجع سلبياتها والتحديات والتهديداتالتي نجمت عنها، سواء أكان ذلك بسبب بعض نصوصها أو بسبب الإنتهاكات الصارخة والمعلنة التي قامت بها دولة الاحتلال لهذه النصوص على مر العقود الثلاثة الماضية وما زالت. ليتضمن هذا التحليل: المبررات والدوافع للإتفاقية وأهداف كل من الأردن ودولة الاحتلال من توقيعهاوالخطوات التمهيدية لها، وأبرز محتويات الإتفاقية وبنودها وملحقاتها ( وخاصة في مجالات السيادة والأمن والحدودواستعاده الأراضي الأردنية المحتلة في الباقورة والغمر وجنوب الأردن والوصاية الهاشمية على المقدسات واللاجئينوالمياه والاقتصاد والثقافة)، وردود الفعل العالمية والإقليمية والداخلية والتحليل (أبرز نقاط القوة وأبرز التحديات/ السلبيات) والطريق إلى الأمام (تصويب المسار/ التوصيات) والخلاصة كما يلي:
ألمبررات والدوافع:
شكلت عدة ظروف وتحديات خارجية (ألدولية والإقليمية)داخلية سياسية واقتصادية عوامل ضاغطة على الأردن للسير في توقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية. كان من أبرز هذه العوامل والدوافع الضاغطة:
كافة هذه العوامل شكلت ضغوطا كبيرة على جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال لتوقيع معاهدة سلام بين الأردن وإسرائيل وذلك للحفاظ على كيانه الوطني وأمنه واستقرارهودرء الأطماع العدوانية التوسعية لدولة الاحتلال في وطنهمن ناحية، والمساهمة الفاعلة في التوصل لسلام عادل وشامل يعيد الحقوق لأصحابها على أسس الشرعية الدولية من ناحية أخرى.
ألأهداف:
أهداف الأردن:
بالنسبة للأردن، فلطالما نظر الأردن إلى القضية الفلسطينية على أنها قضيته الأولى التي لا تمس أشقاءه فحسب، بل تمس كيانه الوطني وأمنه واستقراره ومستقبل أبنائه ايضا، لذلك فقد كان الموقف الأردني على الدواميرتكز على أن الهدف الأسمى الذي يسعى الأردن إلى تحقيقه هو السلام العادل والشامل على أساس الشرعية الدولية وفق قراري الأمم المتحدة (242) و(338) ومبدأ الأرض مقبل السلام، وتحقيق الأماني المشروعة للشعب الفلسطيني بتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة القابلة للحياة على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشريف. ورأى في السلام خيارا إستراتيجيا كفيلا بتحقيق العدالة وإعادة الحقوق إلى أصحابها من جهة، والتصدي للمعتد المحتل وكبح جماح أطماعه العقائدية للمزيد من الاحتلال والتوسع من جهة أخرى. لذلك حرص الأردن على توفير المظلة للفلسطينيينعند إطلاق مؤتمر مدريد عام 1990، بالرغم من المعارضة الشرسة حينها لحكومة دولة الاحتلال على ذلك، وذلك لوضع إسرائيل أمام حقيقة واقعة وهي وجود طرف يمثل الشعب الفلسطيني، ولا بد لها من التعامل معه مباشرة.ولكن مع تفاقم الضغوط السياسية والإقتصادية الدولية والإقليمية والداخلية على الأردن، والتي كانت موجودة أصلاقبل حرب الخليج الثانية، ولكنها تعاظمت خلالها وبعدها، وفي ضوء انعدام التنسيق بين المسارات التفاوضية العربية، وعلى الأخص مسار التفاوض السري بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل لمدة تسعة أشهر، دون التنسيق مع الأردن ودون الأخذ بعين الإعتبار لمصالحه الوطنية العليا،شعر الأردن بأهمية وضرورة توقيع اتفاقية سلام تحفظ مصالحه الوطنية الإستراتيجية العليا وعلى الأخص تحقيق الأهداف الإستراتيجية التالية:
أهداف دولة الاحتلال:
خلافا لما آمن وسعى له الأردن والفلسطينيون، لم تكن العملية السلمية، بمضمونها الحقيقي، يوما خيارا إستراتيجيا لدولة الاحتلال، ولم يكن لها تحقيق السلام العادل المبني على قرارات الشرعية ومبدأ الأرض مقابل السلام وحل الدولتين هدفا أو غاية، بل على النقيض تماما،فقد تبنت دولة الاحتلال ومنذ البداية نهج ما يعرف ب “عملية السلام“ كإستراتيجية مرحلية، ضمن إستراتيجية كبرى،يهدف لإضاعة الوقت على أصحاب الحق وإبقائه فيحالة من التوهان والدوران المستمر، عام وراء عام، في حلقة مفرغة خاوية من أي مضمون، وبما يمنح دولة الاحتلالمزيدا من الوقت لفرض حقائق جديدة على الأرض، بالإستيطان والتهويد، يصعب تغييرها، تهيئة وتمهيدا لمزيد من التوسع والإستيطان وفرض السيادة على أراض محتلة حالية وجديدة وصولا لتحقيق هدفها بإنشاء إسرائيل الكبرى.
قادة الحركة الصهيونية ودولة الاحتلال كانوا وما زالوا يجهروا بهذا الفكر الصهيوني المتطرف الذي يستند على ثقافة العنف والعدوان واحتلال أراض الغير بالقوة ولا يخجلوا منه، ابتداء بثيودور هيرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، مرورا بدافيد بن غوريون أول رئيس لدولة إسرائيل ومناحيم بيغن وإتسحاق شامير وأرييل شارون وبنيامين نتانياهو وغيرهم الكثير من قادة دولة الاحتلال والأحزاب اليمينية المتطرفة فيها.
سار شامير على نهج معلميه وتعاليمهم، خلال نشأة دولة الاحتلال واستمر على نفس النهج خلال ما عرف ب “التفاوض” مع الوفود العربية وعلى الأخص الوفدين الفلسطيني والأردني. فقد صرح لجريدة معاريف الإسرائيلية أواسط التسعينيات بأنه كان يسعى إلى إطالة مدة الفترة الإنتقالية في التفاوض على سلام دائم مع الفلسطينيين عشرات السنوات يكون خلالها قد تمكن من إستيطان ملايين من اليهود في الضفة الغربية وتهجير مثلهم من الفلسطينيين لإحكام السيطرة على الأراضي المحتلة، وتمهيدا لمزيد من التوسع وفرض السيادة على أراض جديدة! وقد أكد هذا النهج والتوجيه والسياسة كل من إلياكيم روبنشتاين رئيس الوفد المفاوض الإسرائيلي مع الجانب الفلسطيني الأردني، ويوسي بن أهارون، رئيس الوفد المفاوض الإسرائيلي مع الجانب السوري واللبناني. وعليه فقد هدفت دولة الاحتلال من توقيع معاهدة سلام مع الأردن إلى:
ألخطوات التمهيدية:
سبق توقيع اتفاقية وادي عربة في 26 تشرين أول/ أكتوبر 1994 اتخاذ عدة خطوات تمهيدية كان من أبرزها:
مضمون وبنود الإتفاقية:
تضمنت المعاهدة مقدمة وثلاثين مادة وخمسة ملاحق تعالج قضايا الحدود والأراضي والمياه والجريمة والأمن والمخدرات والبيئة والترتيبات الإجرائية المؤقتة. أما أبرزمضامين وبنود الإتفاقية فكانت:
ردود الفعل على إتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية:
لاقت اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية ترحيبا عالميا واسعا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي وفي الداخل الإسرائيلي. حيث وصف الرئيس الأمريكي كلينتون جلالة المغفور له الملك الحسين بأنه “رجل السلام الأول في المنطقة والمستعد لفعل أي شيء لتحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة”. عربيا، تفادت معظم الدول العربية التعليق على الإتفاقية وبيان موقفها الرسمي منها،وعارضتها سوريا والعراق بشدة واصفة إياها ب “الإستسلامية”، مع ظهور بعض التقارير الصحفيةوالأمنية للتخطيط لتنفيذ بعض الهجمات الأمنية داخل الأردن كرد فعل على توقيع الإتفاقية.
داخليا، رفضت التيارات الإسلامية والقومية واليسارية اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية من منطلقات عقائدية ومن حيث المبدأ ولأنها استبقت الوصول إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية وإعادة الحقوق كاملة لأصحابها الشرعيين وإقامة دولتهم المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشريف. بينما وجدت فيها بعض التيارات الوطنية ضرورة وطنية في ظل الظروف السياسية والإقتصادية غاية في الصعوبة التي كان يواجهها الأردن، وأنها عززت من أمنه واستقراره وسيادته على أراضيه واستعادة تلك السيادة على أرضه المحتلة في الباقورة والغمر وتحصيل حقوقه في المياه والوعود بسد ديونه وإنعاش اقتصاده وانتشاله من حالة الإنكماش التي كان يواجهها وتحسين مستوى معيشة أبنائه. وكان من أبرز ردود الفعل الداخلية قيام نائب رئيس الوزراء، ذوقان الهنداوي، العروبي وقومي الهوى ومؤلف كتاب “القضية الفلسطينية”، بالإستقالة من منصبه لما وجده من “الضبابية” “وعدم الجدية” و”العبثية” في الأداء والإنجاز وبما لا يمكن الوطن من “تهيئة نفسه لدرء المخاطر التي يمكن أن يفاجأ بها الوطن”. وأضاف الهنداوي في كتاب استقالته الي سطرها في 5-12-1994 “ولقد تجلت عبثية وعدم جدية محاولات التصحيح وأصبحت واضحة في مجلس الوزراء يوم السبت 3-12-1994، حيث كانت ملاحظاتي وملاحظات الزملاء الوزراء في واد، والتجاوب معها والإجابة عليها في واد آخر، مما اضطرني أن أعلنأمام الزملاء في المجلس وأمامكم عن عدم قناعتي ورضاي عن هذا التوجه المضر بالبلد ومصلحته… ولهذا فإنني أجد نفسي غير قادر على الإستمرار بالمشاركة بالحكم، مقدما استقالتي ومتمنيا لكم وللزملاء الكرام كل دواعي التوفيق والنجاح”. إستقالة لاقت ردود فعل داخلية وخارجية واسعة.
تحليل نتائج الإتفاقية (أبرز الإيجابيات وأبرز التحديات/ السلبيات):
تقييم نتائج اتفاقية السلام الأردنية والإسرائيلية بشكل موضوعي يجب ان يستند ويأخذ بعين الإعتبار الظروف والتحديات الدولية والإقليمية والداخلية والمبررات والعوامل التي دفعت الأردن لتوقيع المعاهدة حينها وشكلت عليه ضغوطا كبيرة في هذا الإتجاه من جهة، وبنفس الوقت للأهداف الإستراتيجية والتكتيكية لكل من الأردن ودولة الاحتلال، وفيما إذا كان أي من الطرفين قد حقق أهدافه تلك ومدى ودرجة تحقيقها، سواء أكان ذلك من خلال الإلتزامات المنصوص عليها في الإتفاقية أو من خلال الممارسات الفعلية على الأرض ونتائجها خلال العقود الثلاثة الماضية.
ويمكن تلخيص أبرز نتائج اتفاقية السلام الأردنية والإسرائيلية، بإيجابياتها وسلبياتها، ضمن ثمانية محاور رئيسة وهي الكيان والهوية والأمن الوطني، والأراضي الأردنية المحتلة في الباقورة والغمر، والوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة في القدس الشريف، والأمن المائي، والأمن الإقتصادي، والمجال الثقافي، والهدف الأسمى بالوصول للسلام العادل والشامل والدائم وفق قرارات الشرعية الدولية، كما يلي:
فبالنسبة للكيان والهوية والأمن الوطني، عززت الإتفاقية من الهوية الوطنية الأردنية والأمن الوطني الأردنيواستقلاله السياسي، وأبعدت فكرة “الوطن البديل“ وأن شرق الأردن هو جزء مما يطلق عليه المتطرفون الصهاينة “إسرائيل الكبرى”، وذلك من خلال المواد التي نصت على إحترام السيادة الوطنية للطرفين و”الامتناع عن التهديد بالقوة، واستعمالها أو استعمال الأسلحة التقليدية أو غير التقليدية، أو من أي نوع آخر ضدّ بعضهما وعن الأعمال والأنشطة الأخرى التي تضرّ بأمن الطرف الآخر” وأنهما تمتنعان عن “تنظيم الأعمال والتهديدات العدائية أو المعادية أو ذات الطبيعة التخريبية أو العنيفة، وعن التحريض عليها، والمساهمة أو المشاركة فيها ضدّ الطرف الآخر“. بالإضافة إلى انتزاع الأردن لاعتراف دولة الاحتلال بحدودها(الحدود زمن الانتداب) و”دون المساس بوضع أي أراضٍ وقعت تحت سيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي عام 1967“، وذلك لأول مرة منذ إنشاء دولة الاحتلال عام 1948، وبالرغم من مقاومتها الشديدة لإدراج موضوع “الحدود“ على جدول أعمال المفاوضات في البدايةورضوخها لذلك مع إصرار الأردن ورفضه البدء بالتفاوض على أي أمر آخر قبل الإنتهاء من التفاوض على الحدود.كما أبعد الأردن فكرة انه “الوطن البديل” للفلسطينيين وسعى لوأدها في الإتفاقية من خلال التزام دولة الاحتلال بعدم السماح بأية “تحركات سكان قسرية ضمن نفوذهما بأي شكل قد يؤثر سلباً على الطرف الآخر“، في إشارة واضحة ومباشرة لدعوات اليمين الإسرائيلي المتصهينالمستمرة بتهجير الفلسطينيين قسرا (الترانسفير) من الأراضي المحتلة (أرض إسرائيل الموعودة) شرقا إلى الأردن وإنشاء وطنهم البديل فيه.
وفي المقابل نظرت دولة الإحتلال للإتفاقية على أنها اعتراف رسمي وعلني من دولة عربية مجاورة لوجودها وسيادتها وأمنها ودورها الإقليمي، وقبل/ دون إنشاء دولة فلسطين المستقلة، وتعهد من الأردن بالحفاظ على أمنها وسلامة حدودها، وسعت لتحديده وتقييده من الدخول في أحلاف عسكرية أو سياسية يمكن أن تستخدم ضدها، وأرادت أنتكون التزامات الأردن في هذه الإتفاقية تعلو على أية التزامات له في أية اتفاقية أخرى، مما يتعارض مع اتفاقيات الدفاع العربي المشترك والإتفاقيات الإقتصادية العربية التي وقعها الأردن سابقا ويمكن أن يوقعها لاحقا،وسعت لأن تحد الإتفاقية من قدرة الأردن على لعب دور إيجابي فعال مع أشقائه الفلسطينيين لاسترداد حقوقهم المشروعة من خلال عملية مفاوضات السلام الشاقة التي يخوضونها، وهو ما لم يتحقق لدولة الاحتلال طوال العقود الثلاثة الماضية، فقد بقي الأردن، بقيادته الحكيمة، ومكانتها العالمية التي يكن لها الجميع الإحترام والتقدير، وكما كان على الدوام، أشد المناصرين لإشقائه الفلسطينيين في كل المحافل والمنابر الدولية وفي علاقاته الدوليه مع الدول الكبرى كالولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي.
ومما هو جدير بالذكر بأن بعض القادة السياسيينوالإحزاب اليمينية المتطرفة في دولة الاحتلال قد دفعوا خلالالعقود الثلاثة الماضية باتجاه عدم الإلتزام ببنود اتفاقية السلام الخاصة باحترام الكيان والأمن الوطني الأردني،وذلك من خلال استمرار مناداتها وبالعلن بفكرة إنشاء “إسرائيل الكبرى” أو “الإمبراطورية اليهودية الكبرى” أو “أرض إسرائيل الموعودة” بين الفرات والنيل والدعوة إلىإحداث “النكبة الثانية” بالفلسطينيين وتهجيرهم قسرا من الأرضي المحتلة للأردن وإنشاء “الوطن البديل” للفلسطينيين فيه. وكانت حكومة بنيامين نتانياهو السابقةقد نقضت صراحة وبصلف إلتزامات دولة الاحتلال باحترام الكيان الوطني الأردني وسيادته على أرضه ومحاولاتها المستمرة لفرض الرؤية الصهيونية المتطرفة للحل والتي برزت للعلن من خلال ما عرف ب “صفقة القرن” التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2020. ولكنالقيادة الحكيمة والشجاعة لجلالة الملك عبد الله الثاني إبنالحسين المعظم رفضت الصفقة وبالمطلق، وتمسكت بموقفها هذا رغم الضغوط الهائلة والفتن، فأفشلتها ووأدتها في مهدها قبل ولادتها. يضاف لكل ذلك، فقط خططت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لعمليات أمنية ضد مواطنين أردنيين استهدفت حياتهم على الأراضي الأردنيةونفذتها أو حاولت تنفيذها على أرض الواقع. ومن أبرز تلك العمليات محاولة اغتيال خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الفلسطينية (حماس)، في عمان عام 1997 باستخدام سلاح كيماوي وبتوجيه مباشر من رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه (بنيامين نتنياهو). ألمحاولة التي دفعت المغفور له الملك الحسين بأن يصرح ويعلن بأنه يضع حياة خالد مشعل في يد واتفاقية السلام باليد الأخرى، مهددا بذلك بإلغاء الإتفاقية إذا لم يتم تزويد الأردن بالمضاد للمادة الكيماوية السامة ليتمكن من انقاذ حياة خالد مشعل. فرضخت دولة الاحتلال ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو لغضبة الملك، وبضغط من إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون عليها، وزودت الأردن بالمضاد للسم وتم انقاذ حياة خالد مشعل، بالإضافة لدفع دولة الاحتلال ورئيس وزرائها لثمن إضافي باهظ ومضاعفمتمثل بإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة حماس، وإرساله للأردن على متن طائرة عسكرية أردنية لاستكمل علاجه هناك. ولكن مسلسل الإغتيالات الإسرائيلية لمواطنين أردنيين وتهديد الأمن الوطني الأردني لم ينته عندها، ولكنه استمر بعد ذلك. ومن الأمثلة على ذلك قيام أحد جنود الاحتلال الإسرائيلي، وبدم بارد، بقتل القاضي الأردني علاء الدين زعيتر على جسر الملك حسين على الحدود بين الأردن والضفة الغربية المحتلة عام 2014، وقيام مساعد مدير أمن السفارة الإسرائيلية في عمان “زيف”بقتل المواطنين الأردنيين الدكتور بشار الحمارنة والشاب محمد الجواودة (17 عاما) عام 2017، وتكريم القاتل لاحقا من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه أيضا (بنيامين نتنياهو).
بالنسبة للأراضي الأردنية المحتلة في الباقورة والغمر وجنوب الأردن، ذات الأهمية الكبرى من الناحية الإستراتيجية والمائية، فقد نجح الأردن في استعادتها كاملة للسيادة الأردنية، حيث نصت الإتفاقية بوضوح على أن هذه الأراضي “خاضعة للسيادة الأردنية“ مع وجود حقوق امتلاك خاصة لإسرائيليين فيها، وعليه يكون لهم “حقوق استعمال“، وليس “تأجير” كما كان شائعا، لهذه الممتلكات الخاصة لمدة خمسة وعشرين عاما قابلة للتجديد“إذا لم يبد أي من الأطراف اعتراضه على ذلك قبل عام من مدة انتهاء فترة تمديد حق الإستعمال“. إلا أن جلالة الملك عبد الله الثاني إبن الحسين قرر إلغاء الإجراءات المذكورة في الملحق (1) “ب” و “ج” من الإتفاقية والمتعلقة بأراضيالباقورة والغمر عام 2018. ففي 21 تشرين أول/ أكتوبرمن ذاك العام، نشر الحساب الرسمي لجلالة الملك عبد الله الثاني على تويتر تغريدة تضمنت إعلام إسرائيل بقرار الأردن إنهاء العمل اتفاقية وادي عربة مع قرب انتهاء صلاحية هذا الملحق زمنيا، حيث قال جلالته بأن “الباقورة والغمر أراضٍ أردنية، وستظل أردنية، وسنمارس السيادة الكاملة على أراضينا“، مؤكدا جلالته استرداد المنطقتين وممارسة السيادة الأردنية كاملة عليهما وغير منقوصة. وبذلك عدم السماح للإسرائيليين بالتمتع بتمديد “حقوقاستعمال” هذه الأراضي لخمسة وعشرين عاما أخرى.قرار جلالة الملك عبد الله الثاني جاء بالرغم من الضغوط الهائلة التي مارستها حكومة الاحتلال على الأردن لردعه عن تحقيق هذه الغاية، وذلك نظرا لأهميتها الإستراتيجية والمائية ولحجم الاستثمارات الكبيرة التي وضعتها هناك عبر عقود. خطوة لاقت تأييدا وترحيبيا جماهيريا واسعا من قبل الشعب الأردني بإعادة أرضه المحتلة واستعادة السيادة الوطنية كاملة عليها، إضافة على أنها فرضت على دولة الاحتلال، واقعا مؤلما بإلزامها بإعادة أراض محتلةذات قيمة إستراتيجية ومائية عالية لأصحابها الشرعيين، وإقرارها على أرض الواقع بأن منطقة شرق نهر الأردن لا تقع ضمن ما ينادي به اليمين الإسرائيلي المتطرف بأنه “أرض إسرائيل الكبرى الموعودة”. قرار جلالة الملك باسترداد الأردن لسيادته كاملة على الباقورة والغمر، يضاف إلى ذلك إسترداد الأراضي الأردنية المحتلة جنوب الأردن خلال حرب الإستنزاف من خلال ترسيم الحدود، هذه الأراضي والتي تفوق مساحتها الإجمالية مساحة قطاع غزة، وصفته الصحافة الإسرائيلية على أنه صفعة مؤلمة جدا على وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي ينيامين نتانياهو من قبل ملك “غير متسامح مع إسرائيل” على حد وصفها.
أما درة المدائن ألقدس والوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية فيها، فقد تمكن الأردن من انتزاع اعتراف دولة الإحتلال وإقرارها ب ” احترام الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستعطي إسرائيل أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن“. بالرغم من ذلك، فإن المفاوض الأردني لم يستطع انتزاع اعتراف دولة الاحتلال الواضح ب”الوصاية الهاشمية” (Custodianship)، على كافة الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة، بكل ما يحمله مصطلح “الوصاية” من حقوق ومسؤوليات وصلاحيات للأردنللإدارة العامة لهذه الأماكن المقدسة بمفهومها الشمولي (حقوق الاستخدام والزيارة وتنظيم الدخول والخروج وحماية المصلين والقيام بأعمال الصيانة والبناء والتوسعةفي كافة تلك المناطق… إلخ)، وجاء “إحترام” دولة الاحتلال مقصورا على “الدور الخاص” (Special Role) في “الأماكن الإسلامية المقدسة” فقط، مع غموض وضبابية وهلامية هذا المصطلح وعدم وضوحه وتحديده وتعريفه في الإتفاقية، مما فتح المجال لدولة الاحتلال للتنصل من هذا الإلتزام وهذا “الإحترام” المزعوم طوال العقود الثلاثة الماضية. فاستمرت دولة الإحتلال بجهودها وسعيها الحثيثوالدؤوب لتهويد المدينة المقدسة وتدنيس الأماكن المقدسةفيها دون ابطاء طوال العقود الماضية، وذلك من خلال تقسيم المسجد الأقصى والسماح للإسرائيليين بالصلاة في أجزاء منه، والسماح للمستوطنين باقتحامه والإعتداء عليه في مناسبات عدة بشتى الذرائع والتبريرات ومنها “السياحة الدينية”، وإعاقة أعمال الصيانة والترميم للمسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة والأماكن المقدسة المسيحية، وإعاقة دخول المصلين المسلمين والمسيحين لأماكنهم المقدسة والإعتداء عليهم وهم يؤدون شعائرهم داخلها، واتخاذ الإجراءات القمعية ضدهم وضد القائمين على رعايةوحراسة الأماكن المقدسة، واستمرار أعمال الحفر والبناء والتشييد في محيط المسجد الأقصى (حي المغاربة) وأسفله، مما يشكل تهديدا مباشرا لسلامة المسجد والقبة المشرفة. يضاف لهذا كله، تقوم دولة الاحتلال بممارسة الترهيب الممنهج والمؤسسي والمستدام على السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية وباقي مناطق الضفة الغربية. تقوم بذلك من خلال مصادرة أراضيهم وبيوتهم والمضايقات اليومية لهم والتهديد بسحب البطاقات المقدسية منهم (كما كان الحال في حي الشيخ جراح عام 2021)، أوعن طريق الإغراء المالي لبيع بيوتهم لمنظمات يهودية، بشكل مباشر أو من خلال وسطاء، الأمر الذي وصفته شبكة الإذاعة البريطانية (BBC) في تقريرها في أيار/ مايو 2021 بأنه “حرب إسرائيل غير التقليدية في القدس”.بعض المؤيدين لاستخدام مصطلح “الدور الخاص” بدلا من “الوصاية” يوضحون أن الأول أكثر شمولية، وأن دور الأردن غاية في الوضوح في المادة (5) من معاهدة جنيف لحماية الممتلكات الثقافية لعام 1954 (Geneva Convention on the Protection of Cultural Property) والتي تقر بوضوح أن الأردن هو السلطة الوطنية المسؤولة عن كافة الأماكن الدينية والثقافية في الضفة الغربية ومدينة القدس. للأسف لم تشر اتفاقية السلام بوضوح لهذه المادة من معاهدة جنيف لغايات إلزام الطرف الإسرائيلي للإقرار بها وبالدور الأردني في إدارة الأماكن المقدسة في القدس الشريف والضفة الغربية، كما لم تحو على تعريف واضح ومحدد ل”الدور الخاص” وفق مضمون هذه المادة من معاهدة جنيف.
أما في موضوع اللاجئين، فلم تتم الإشارة في تقديمالإتفاقية ولا في المادة (8) منها إلى قرار الأمم المتحدة رقم 194 والذي أعطى الحق للاجئين الفلسطينيين بالعودة والتعويض وللدول المضيفة حق التعويض. بل جاءت صياغة المادة فضفاضة ولا تعطي الحق لصاحبه يشكل واضح، وتؤجل حل المشكلة وتحدد أسلوب الحل بتطبيق “البرامج الاقتصادية” وليس “قرارات الشرعية الدولية، وتدعو للمساعدة في توطين اللاجئين!! فاستخدمت المصطلحات والعبارات الفضفاضة مثل “المشاكل البشرية التي تسببها النزاع في الشرق الأوسط، لا يمكن تسويتها بشكل كامل على الصعيد الثنائي” و “سيسعى الطرفان إلى تسويتها في المحافل والمنابر المناسبة، وبمقتضى أحكام القانون الدولي” و “من خلال تطبيق برامج الأمم المتحدة المتفق عليها وغيرها من البرامج الاقتصادية الدولية المتعلقة باللاجئين والنازحين، بما في ذلك المساعدة على توطينهم“.وكان الأحرى والأجدر على المفاوض الأردني التركيز على هذا الأمر وإعطائه الأولوية، مثلما الحدود، والتأكيد على وجوب حله بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 194 (ألعودةوالتعويض للاجئين والتعويض للدول المضيفة)، كونه أمر يمس وبشكل مباشر أمن واستقرار الأردن. إستغلت دولة الاحتلال هذا الضعف والضبابية في المادة المتعلقة باللاجئين للاستمرار في ممارسة الترهيب بحق الفلسطينيين بتهجيرهم من ممتلكاتهم وأراضيهم والسيطرة عليها. ومن التشريعات العنصرية الرئيسة التي تستند إليها دولة الاحتلال لصبغ ممارساتها الترهيبية بحق الفلسطينيينوالأردنيين على حد سواء بصبغة قانونية، “قانون أملاك الغائبين” والذي أقره الكنيست عام 1950 ليكون أداة رئيسية لتمكين دولة الاحتلال من السيطرة على أراضي وعقارات وأموال الفلسطينيين والوقف الإسلامي في فلسطين المحتلة، حيث يعتبر القانون أي من هُجِّر أو نزح أو ترك حدود فلسطين المحتلة، ولأي سبب من الأسباب، على أنه “غائب”، وتعتبر كافة أمواله المنقولة وغير المنقولة “أملاك غائبين” توضع تحت تصرف “ألقيم على أملاك الغائبين” والذي لديه حرية التصرف بها كما يشاء وفق هذا القانون العنصري. وبما أن مئات الالاف من الفلسطينيين المُهَجّرينإلى الأردن بعد النكبة عام 1948 وبعد نكسة حزيران عام 1967 قد أصبحوا مواطنين أردنيين يحملون الجنسية الأردنية، فإن الإبقاء على هذا القانون وتطبيقه على الأردنيين، بمصادرة أراضيهم وملاكهم وأموالهم في فلسطين المحتلة، فيه مخالفة صريحة من قبل دولة الإحتلال للمادة (11) من الإتفاقية والتي تنص على “القيام بأسرع وقت ممكن، وبفترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ تبادل وثائق التصديق على هذه المعاهدة، بإلغاء كافة الإشارات المضادة والتمييزية والتعبيرات العدائية في تشريعاتهما“، وللمادة (26) والمتعلقة ب”التشريعات” والتي تعهد فيهاالطرفان بأن يقوما “خلال ثلاثة أشهر من تبادل وثائق التصديق على هذه المعاهدة، بتبني التشريعات الضرورية؛ لتنفيذ هذه المعاهدة ولإنهاء أي التزامات دولية وإلغاء أي تشريعات تتناقض مع هذه المعاهدة“. وبما أن دولة الاحتلال لم تقم بإلغاء هذا التشريع خلال 3 أشهر من توقيع الإتفاقية استنادا لهذه المادة، فإنه يحق للأردن المطالبة بالتعويضات المالية لهولاء الأردنيين، وليس اللاجئين الفلسطينيين، والذين صودرت أملاكهم في فلسطين المحتلة استنادا لقانون عنصري مس هؤلاء الأردنيين بالضرر الجسيم، وذلك وفقا للمادة (24) من الإتفاقية والتي تنص على إقامة “لجنة المطالبات“ لحلّ كافة المطالبات المالية بين الجانبين على أساس متبادل. هذا مع العلم بأن دولة الاحتلال قامت بتعديل قانونها العنصري (قانون أملاك الغائبين) في محاولة للإلتفاف على هذه المادة وتفسيرها بأنها تطبق ابتداء من عام توقيع الإتفاقية (1994) فقط، ولا تشمل أملاك الأردنيين المصادرة منذ نشأة دولة الاحتلال عام 1948، والتي تقدر قيمتها اليوم بعشرات المليارات من الدولارات (مثلا أملاك الأردنيين المصادرة استنادا لقنون أملاك المغتربين في شارع الملوك في حيفا فقط تقدر قيمتها اليوم بحوالي 12 مليار دولار).
بالنسبة للأراضي المحتلة من قبل دولة الاحتلال عام1967، فقد استطاع الأردن من خلال المادة 3 (2)، والتي تناولت الحدود، بأن تحمل دولة الاحتلال على الإقرار بأنهذه الأراضي واقعة تحت حكمها العسكري، وبالتالي أنهاتعترف بأنها ليست جزءا منها، وعليه فإن الإتفاقية لا تمس “بوضع أي أراضٍ وقعت تحت سيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي عام 1967“، وأنها ستبقى كذلك لحين الوصول إلى اتفاق نهائي مع الفلسطينيين. من منظور دولة الاحتلال، فإن هذه المادة ألغت أي حق للأردن بالمطالبة المستقبلية المباشرة باستعادة أراضي الضفة الغربية والتياحتلت منه عام 1967، وذلك استنادا لقرار فك الإرتباطالإداري والقانوني الذي اتخذه جلالة المغفور له الملك الحسين عام 1988 بناء على مطالبات وضغوطات كبيرة من قبل منظمة التحرير الفلسطينية والدول العربية، والتي بررت ذلك بوجود ممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. قرار،من وجهة نظر العديد من الوطنيين والقوميين، كان له دوركارثي على أرض الواقع على القضية الفلسطينية وذلك من خلال تقييد حرية الأردن في المطالبة باستعادة أراض الضفة الغربية التي احتلت منه عام 1967، فهنالك فرق شاسع بين قدرات دولة مستقلة لها من المكانة والإحترامالعالميين الشيء الكثير وبما يمكنها من استخدامها واستغلالها لاستعادة أرضها المحتلة، وبين قدرات منظمة تحرير وطني تسعى لتحرير أرضها، بالتدرج، ومنثم إقامة دولتها “المستقلة” عليها.
أما موضوع “الأمن المائي“ فهو موضوع ذات أهميةإستراتيجية قصوى. فالأردن يعد من أفقر دول العالم في حصة الفرد من المياه والتي تشكل العماد الأساس في حياة الناس وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة. بالرغم من ذلك فقد كانت المواد والملحقات الخاصة ب “المياه” في الإتفاقية (المادة 6 والملحق 2 الخاص توزيع الحصص المائية ونوعيتها)، ومن وجهة نظر العديد من المختصينوالباحثين، الأكثر إجحافا على الأردن، نصا وتطبيقا. فمن ناحية، فقد تمكن الأردن من تحصيل بعض الحقوق المائية في نهري الأردن واليرموك، حيث تمكن الأردن من الحصول على حقه في 75 مليون متر مكعب سنويا من مياه نهر الأردن لم يكن يحصل على أي منها قبل توقيع المعاهدة، بالإضافة إلى 215 مليون متر مكعب سنويا من مياه نهر اليرموك، وبزيادة مقدارها 95 مليون متر مكعب. يضاف عليها 50 مليون متر مكعب تكون دولة الاحتلال “مستعدة” لبيعها للأردن سنويا في حال طلبه لذلك. رغم ذلك، فإنالمنتقدين لاتفاقية المياه بين الأردن ودولة الاحتلال يوضحون بأن الأردن ربط أمنه المائي الإستراتيجي من خلال هذه الإتفاقية مع دولة كانت وما زالت، ورغم اتفاقية السلام، تتربص بأمن الأردن واستقراره وسيادته وكيانه الوطني. يستدل على ذلك من خلال رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، بنيامين نتانياهو، عامي 2020 و2021 بتزويد الأردن بأية حصص مائية من بحرية طبريا، بالرغم من نص الإتفاقية على حق الأردن في ذلك إذا طلب هكذا حصص، وذلك كجزء من ضغوطه على الأردن لتمرير ما عرف “بصفقة القرن”، وسمح بذلك رئيس الحكومة الإسرائيلي الجديد، نفتالي بينيت، في تموز/ يوليو 2021بعد توليه رئاسة الحكومة الجديدة في إسرائيل، في محاولةمنه لايصال رسائل إيجابية وفتح صفحة جديدة مع الأردن.خطوة جلبت له هجوما كاسحا من قبل سلفه، نتانياهو” واصفا إياه ب”الضعيف الذي يتقبل الإبتزاز“، وأن “إعطاء المياه للأردن كإعطاء النفط لإيران ويقدم دفعة لاقتصادها لتطوير برنامجها النووي!!!” على حد وصفه. كما يؤكد المنتقدون والرافضون لاتفاقية المياه مع دولة الاحتلال بأن الأردن لم يحصل على حقوقه ال “عادلة” والكاملة في المياهكما نصت عليه المادة (6) من الإتفاقية. يتجلى “عدم العدالة” هذا في حقيقة أن نهر اليرموك يقع بالكامل فيسوريا والأردن وأن 3% فقط من نهر الأردن تقع في فلسطين المحتلة عام 1948 والباقي يقع في الأردن والمناطق الفلسطينية المحتلة. بالرغم من ذلك، فقد حصر الملحق (2) من الإتفاقيه حصص الأردن من مياه من نهري اليرموك والأردن بكميات محدودة وثابتة وترك الباقي لإسرائيل دون حصر أو تحديد لحصصها في المياه منالنهرين. يضاف لذلك بأن الإتفاقية لم تشر أو تأخذ بعين الإعتبار حقوق الأطراف العربية الأخرى في هذه المياه. وأنها استبدلت حق الأردن في المياه النقية في نهري اليرموك والأردن والمياه الجوفية بوادي عربة بمياه ملوثة من بحيرة طبريا. ومما يزيد الإتفاقية إجحافا عدم السماح للأردن باستثمار مياهه الجوفية في وادي عربة لأغراضه التنموية في الوادي والتي هو في أمس الحاجة لها، لأنها “تؤثر في تقليل انتاج ونوعية” هذه المياه، ولكن سمح لدولة الاحتلال بالإستمرار في استغلال هذه المياه والتوسع في هذا الإستخدام بشكل غير محدود عبر عقود لغاياته التنموية في الوادي وباقي المناطق المحتلة، واقتصر الدور الأردني على تشغيل الآبار الموجودة على أراضيه وصيانتهالضمان استخراج وتزويد المياه والتي تستفيد منها دولة الاحتلال. يضاف لهذا كله بأن دولة الاحتلال قد اخترقت أيضًا نصوص المعاهدة عندما قامت ببناء سدود على عدد من الأودية التي تصب في وادي الرقاد، أهم روافد نهر اليرموك، بسعة تخزينية تبلغ حوالي 15 مليون متر مكعب.وعليه فإنه من الجلي بأن اتفاق الأردن ودولة الاحتلال في مجال المياه لم يشكل اجحافا وغبنا فاحشا على الأردنوانتقاصا من حقوقه المائية في الأنهر التي تجري فوق أراضيه والمياه الجوفية المختزنة تحتها فحسب، بل وأعطى لدولة الاحتلال حقوقا مائية لمياه (سطحية وجوفية) خارجة عن النطاق الجغرافي لفلسطين المحتلة، وبذلك هيأ وأسس الإتفاق لسيطرة وهيمنة أقليمية لدولة الاحتلال على هذا المورد الإستراتيجي الهام.
في المجال الاقتصادي فقد هدف الأردن إلى تحقيق ثلاثة أهداف إستراتيجية، واحد منها قصير المدى وإثنانمتوسطا وبعيدا المدى. أما الهدف الإستراتيجي قصير المدى فتمثل برفع الحظر الدولي والعربي الاقتصادي على الأردن والذي تجسد في حصار ميناء العقبة وإعاقة التجارة الخارجية للمملكة مع دول العالم والمنطقة،بالإضافة إلى توقف الدعم والمنح والقروض والمساعدات المقدمة من الدول الكبرى (مثل الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي) والدول العربية إلى الأردن، مما كان له أثر كارثي على الاقتصاد الوطني. أما الأهداف متوسطةوبعيدة المدى فتمثلت في إعفاء الأردن من ديونه الخارجية، والتي كانت تبلغ في ذلك الوقت حوالي 6 مليار دولار والحصول على منح وقروض سهلة جديدة، بالإضافة إلى ضخ استثمارات ضخمة في الأردن في المشاريع الوطنية الكبرى وتلك المشتركة مع دولة الاحتلال (مثل مشروع قناة البحرين ومشاريع تطوير وادي نهر الأردن ومشاريع النقل البيني والربط الكهربائي وغيرها من المشاريع). تعززت هذه التوقعات من خلال تصريحات (وعود) قادة العالم بدعم الأردن واقتصاده نتيجة لإقدامه على توقيع اتفاقية السلام مع دولة الاحتلال. ومن أبرز هذه التصريحات/ الوعود ما أدلى به الرئيس الأمريكي بيل كلينتون يوم توقيع الإتفاقية بأن حكومة الولايات المتحدة قد “تعهدت” بأن “تعفي الأردن من ديونه وتسعى لتحقيق التنمية فيه” والعمل على قيام الدول الأخرى (وخاصة الإتحاد الأوروبي) بعمل الشيء نفسه و”السعي” في هذا الاتجاه. وكذلك الحال بالنسبةللإتحاد الأوروبي الذي قام بإرسال رسائل الإيجابيةللأردن قبيل توقيع المعاهدة وبعدها في هذا الخصوص.ألأردن تمكن من تحقيق هدفه الإستراتيجي قصير المدى برفع الحصار عن ميناء العقبة واستعادة حركة التجارة الخارجية مع دول الإقليم والعالم لمستويات ما قبل حرب الخليج الثانية، كما تمكن الأردن من استعادة قدرته على جلب الدعم الخارجي والحصول على قروض جديدة من دول العالم ومؤسسات التمويل الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبدأت برامج “الإصلاح الاقتصادي” بال “تنسيق” مع صندوق النقد الدولي و”دعم” منه في تلك الفترة. بالرغم من ذلك، فإن الأهداف الإقتصادية متوسطة وبعيدة المدى المتمثلة بإعفاء الأردن من ديونه ومنحهتسهيلات مالية واقتصادية كبيرة على شكل منح وقروض سهلة جديدة وضخ استثمارات أجنبية في مشاريع وطنية ومشاريع مشتركة، وبما يسهم في تحقيق التنمية الإقتصادية والإجتماعية المنشودة، لم يتحقق. فمثلا لم يتجاوز حجم الديون الأمريكية التي تم إعفاؤها من قبل الولايات المتحدة ل 100 مليون دولار من أصل 3 مليار دولار ديون أمريكية على الأردن في ذلك الوقت، وكذلك الحال بالنسبة للاتحاد الأوروبي. أما التسهيلات الجديدة فكانت على شكل قروض من مؤسسات تمويل دولية تحتاج ل”مباركة” صندوق النقد الدولي لمنحها أسعار فائدة تفضيلية مستحقة السداد على فترات زمنية محددة، ولكن لا يمكن اعتبارها قروضا سهلة مستحقة على فترات سداد طويلة. فارتفع الدين العام (الخارجي والداخلي) من حوالي 9 مليارات دولار عام 1994 إلى 44 مليار دولار عام 2021.الأردن نجح في جلب استثمارات أجنبية خلال العقدين الماضيين، وخاصة في المناطق الصناعية المؤهلة، ساهمت في زيادة صادراته الوطنية إلى أسواق غي تقليدية (وخاصة سوق الولايات المتحدة) من 330 مليون دولار عام1994 إلى 1.7 مليار دولار عام 2020 (بنسبة حوالي 25% من إجمالي الصادرات الوطنية الأردنية من السلع)، مما يعد نجاحا اقتصاديا لم يكن ليتحقق لولا توقيع اتفاقيةالسلام بين الأردن وإسرائيل، إلا أن هذا النجاح يبقى محدود الأثر في ظل ضعف المكون والقيمة المضافة الأردنية (عمالة ومواد أولوية ومواد تعبئة وتغليف ونقل وشحن وخدمات مساندة… إلخ) لهذه الصادرات والتي لا تتجاوز ال 15-20% في كثير من الأحيان.
دولة الاحتلال هدفت إلى التطبيع الاقتصادي مع الأردن وزيادة صادراتها له بشكل كبير على المدى القصير، وجعله معبرا لمنتجاتها للدول العربية والإسلامية على المدى البعيد. خلال العقود الثلاثة منذ توقيع اتفاقية، لم تنجح في تحقيق هذه الغاية بسبب الرفض الشعبي الأردني لتقبل أية بضائع ذات منشأ إسرائيلي في ضوء التعنت الإسرائيلي المستمر لإيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية يمكن الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وسيادته على ترابه الوطني، وممارسات دولة الاحتلال القمعية العدوانية ضده وأطماعه التوسعية والعدوانية تجاه الأردن. ومن الدلائل على ذلك عدم تجاوز مستوردات الأردن من دولة الاحتلال ال 20 مليون دينار وصادراته له ب 70 مليون دينار عام 2019. وفي ضوء عدم نجاح دولة الاحتلال فيالتغلغل الاقتصادي من خلال اختراق الشعب الأردني اقتصاديا (قمة الهرم الاقتصادي) وبشكل مباشر، لجأت إلى استخدام ملفات الطاقة والمياه لتحقيق هذه الغاية (قاعدة الهرم الاقتصادي). وعليه وقعت شركة الكهرباء الوطنية (المملوكة بالكامل للحكومة الأردنية) عام 2014 مع شركة نوبل انيرجي (الأمريكية)، بالنيابة عن تجمع شركات حقل “لفاياثان” الإسرائيلي في البحر الأبيض المتوسط (بملكية 61% لشركات إسرائيلية). تقوم شركة الكهرباء الوطنية باستيراد حوالي 40% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي على مدى 15 عاما وبمعطل 3-4 مليارات متر مكعب من الغاز سنويا، وبسعر 6.5 دولار مقابل وحدة طاقة، وبإجمالي 15 مليار دولار خلال تلك الفترة (8.6 مليار دولار حصة دولة الاحتلال). الإتفاقية تمت ب “وساطة” وضغط كبير من قبل حكومة الولايات المتحدة، وعلى الأخص وزير الخارجية الأسبق جون كيري، استمر لثلاث سنوات. نالت الإتفاقية ترحيبا واسعا من قبل دولة الإحتلال حيث وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق الاتفاقية بأنها “تاريخية” وأن عوائدها “ستساعد إسرائيل في الإستثمارفي مشارع وطنية كبرى في قطاعي التعليم والأمن”، بينما لاقت الإتفاقية معارضة شعبية أردنية واسعة، وما تزال، كونها تربط أمن الطاقة في الأردن بدولة الاحتلال التي لا تخفي نواياها التوسعية والعدوانية اتجاهه، بالإضافة إلى أن عائدات الإتفاقية تساعد الاحتلال، وبإقراره لذلك علانية،في تكثيف عدوانه على الشعب الفلسطيني، فعليه لا يستطيع المواطن الأردني تقبل، وبأي شكل من الأشكال، بأن يكون شريكا ومساهما وبشكل مباشر في تمويل العدوان والإعتداء على فلسطين وشعبها الشقيق. يضاف لذلك بأن سعر وحدة الطاقة التي التزم بها الأردن لشرائها على مدى ال 15 عاما تتجاوز بكثير تكلفتها المتناقصة عاما بعد عام، حيث بلغ ثمن وحدة الطاقة من الغاز 2.8 دولارفي عام 2021 وفي انخفاض مستمر.
وبنفس الوقت، قامت دولة الاحتلال بإعاقة الصادرات الأردنية إلى الضفة الغربية بمبررات أمنية وفنية (مواصفات ومقاييس) واهية ومن خلال فرض التعرفة الجمركية العالية على المنتجات الأردنية وطوال العقود الثلاثة الماضية، وذلك بهدف إبقاء الإقتصاد الفلسطيني تحت سيطرتها الاقتصادية. نتيجة لذلك، لم تتجاوز قيمة الصادرات الوطنية الأردنية للضفة الغربية 150 مليون دولار سنويا وهي قيمة متواضعة جدا إذا ما قورنت بحجم المستوردات من السلعللضفة الغربية والتي تبلغ حوالي 5 مليارات دولار سنويا (باستثناء النفط والكهرباء) تأتي معظمها من دولة الاحتلال.
في المجال الثقافي، سعت دولة الاحتلال من خلال الإتفاقية تحقيق غاية التطبيع الثقافي مع الأردن كمدخل للتطبيع الثقافي مع باقي الدول العربية والإسلامية. ولتحقيق تلك الغاية، تبنت دولة الإحتلال إستراتيجيتين رئيسيتين، تمثلت الأولى في محاولة محو وإزالة كل مكون ثقافي وتعليمي أردني يمكن أن يساهم في تجذير وترسيخ الثقافة والوعي والفكر بالحق العربي في فلسطين لدى الأجيال الحالية والقادمة من ناحية. ومن ناحية أخرى الإستمرار في ترسيخ الفكر والثقافة الصهيونية العنصريةوالعدوانية المتطرقة لدى النشء الإسرائيلي بما يمكنها من تهيئة أجيال مؤهلة فكريا وعقائديا لخدمة فكرها الصهيونيالتوسعي في المستقبل. وعليه، قامت دولة الإحتلال بوضععدة أهداف آنية ومباشرة كان من بين أولوياتها تغيير المناهج الأردنية التي تحوي فكرا وعلما يجذر الحق العربي، ومنها إلغاء كتاب “القضية الفلسطينية” لمؤلفة الأستاذ ذوقان الهنداوي من المنهاج التربوي الأردني والذي كان يدرس لطلبة الثالث ثانوي منذ نهاية الستينيات، بحجة أنه يخالف الإلتزامات التي تعهد بها الأردن في المادة (11) من الإتفاقية ب “الامتناع عن القيام ببثّ الدعايات المعادية، القائمة على التعصب والتمييز، واتخاذ كافة الإجراءات القانونية والإدارية الممكنة التي من شأنها منع انتشار مثل هذه الدعايات“ و”إلغاء كافة الإشارات المضادة والتمييزية والتعبيرات العدائية في تشريعاتهما” و”أن يمتنعا عن مثل هذه الإشارات أو التعبيرات في كافة المطبوعات الحكومية“.نجحت دولة الاحتلال في تحقيق هدفها الآني المباشر، فقامت الحكومة الأردنية في عام 1995 بوقف تدريس الكتاب بعد ما يقارب من الربع قرن على ذلك. هذا على الرغم من أن الكتاب لا يحتوي على أية “ دعايات معادية او قائمة على التعصب والتمييز” أو “إشارات تمييزية أو عبارات عدائية”، بل كان سردا موضوعيا موثقا للحقائق التاريخية لأرض فلسطين المباركة والشعوب التي سكنتهاوالأحداث التي جرت فوقها والدول الي أنشأت عليها أو حاولت غزوها من الشرق والغرب، والحروب التي شهدتهامدنها وقراها وسهولها وجبالها وصحاريها، منذ أيام سيدنا إبراهيم الخليل وحتى العصر الحديث (انتهى الكتاب بحرب أكتوبر عام 1973). وكان الهدف الذي ابتغاه مؤلف الكتاب، رحمه الله، منه، منه هو تجذير الوعي والعلم والفكر والمعرفةوتأصيلها وترسيخها لدى الجيل الحالي والأجيال القادمة بالحق العربي في هذه الأرض المباركة، وبالتالي تسليحه،من خلال هذه المعرفة، وتمكينه من التمسك بهذا الحق والدفاع عنه والإستبسال من أجل استرداده.
وفي المقابل لم تلتزم دولة الاحتلال مطلقا بهذه المادة من الإتفاقية، وبقيت مناهجها التعليمية في كافة المراحل (رياض الأطفال والإبتدائية والإعدادية والثانوية والجامعية) ترتكز على الفكر الصهيوني المتطرف الهادف على تنشئة أجيالهم القادمة على الحقد والكراهية ضد الآخر والإستعلاء والعدوان عليه والتوسع على حساب الغير من خلال التضليل وتزوير الحقائق التاريخية وإثارة العواطف والمشاعر العدائية وتشجيع الأنانية واحتقار الآخر وإقصائه ، فيخرج الطالب بعد انتهاء كافة هذه المراحل مشحونا بالعدائية والتطرف والعصبية والتمييز العنصري واحتقار الآخر وإهدار كرامته، لينضم بعدها إلى جيش الاحتلال التابع لدولته فيصبح قاتلا محترفا مدفوعا بكراهية وحقد وعنصرية دفينة ومتجذرة ظاهرة على بزته العسكرية والتي طبع عليها عبارة “ولدنا لنقتل”. ومن أبرز الكتب التي تأتي في هذا السياق والمقررة من الصف الأول للصف الثامن في دولة الاحتلال مقرر “قراءات إسرائيل” وقراءات إسرائيل الحديثة”. فكافة هذه المناهج لا تقر أو توضح بالتحديد حدود دولة الاحتلال، بل على العكس تماما، فهي تركز ومنذ الصفوف الأولى على غرس فكر أن أرض “إسرائيل الكبرى” أو “إسرائيل الموعودة” هي من الفرات إلى النيل (في مخالفة صريحة ومباشرة وواضحة لاتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية). كما أنها تشير إلى أن “كافة دور العبادة الإسلامية والمسيحية في القدس وسائر أرجاء فلسطين المحتلة قد أقيمت على أنقاض معابد يهودية ولذلك فإن هدمها وإزالتها عن ان الوجود هو واجب وطني وديني” (في مخالفة صريحة ومباشرة أخرى لاتفاقية السلام). يضاف لذلك بأنها جاءت زاخرة ومليئة بعبارات “التعصب والتمييز” والعبارات “العنصرية والعدائية” عن العرب والمسلمين والتي تحظرها الإتفاقية. ومن هذه العبارات أن“أرض فلسطين التاريخية هي أرض بلا شعب لشعب بل أرض” وأن “العرب هم قتلة اليهود” و”العرب أعداء قساة” و “وددت لو أن أفعل شئيا فأقبض على هذا العربي وببساطة أخنقه وأقتله” أن العرب “مجرد قبائل رحل وليسوا شعبا أو أمة، وأنهم يقيمون في الصحراء ويعتمدون في رزقهم على السطو والنهب والسرقة من الغير” و “أن محمدا (صلى الله عليه وسلم) قاد حرب إبادة ضد جميع الشعوب والقبائل التي لم تتقبل تعاليمه، فأباد قسما كبيرا من اليهود في الجزيرة العربية” وأن “المسلمين الحاقدين وضعوا اليهود في كل مكان وزمان واجهوهم فيه عبر التاريخ أمام خيارين: إما الطرد أو الإبادة” وغيرها الكثير الكثير من عباراتالتضليل والتزييف العنصرية والعدوانية. ويظهر أثر تلك التنشئة العنصرية الممنهجة على شعارات وأناشيد العامة ومنها “العربي الجيد هو العربي الميت” و “أهلا بالنكبة الجديدة… إنتظرونا“ وغيرها. وفي المقابل يمجد السفاحون الصهاينة في هذه المناهج وتقام النصب التذكارية لهم والتي يزورها طلبة المدارس باستمرار، أمثال “باروخ غولدشتاين” سفاح الحرم الإبراهيمي والذي قتل 29 مسلما في الحرم الإبراهيمي في الخليل أثناء تأديتهم للصلاة عام توقيع المعاهدة في 1994. فبقيت المناهج الإسرائيلية زاخرة بالكتب والقصص والعبارات العدوانية والعنصرية والمخالفة صراحة للمادة 11 من اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية، بينما خلت المناهج الأردنية في مجملها عن الكتب والقصص والحقائق والعبارات واستذكار مسيرةالنماذج الوطنية والقومية التي تعزز الفكر والحق العربي في أرضنا المباركة في فلسطين. على الرغم من كل ذلك،ومن تمكن دولة الاحتلال من تحقيق هدفها الثقافي الآني المباشر وعلى المستوى الرسمي بتغيير مناهج التعليم الأردنية بإزالة أية مناهج تعليمية وإشارات تبرز وترسخ الحق العربي في فلسطين، إلا أنها لم تنجح على مر ثلاثة عقود بالتطبيع الثقافي مع الأردن على المستوى الشعبي، بسبب ترسخ الفكر بهذا الحق العربي التاريخي في هذه الأرض المباركة، وعدم تقبل الشعب لأي تطبيع في أي مجال قبل إعادة الحقوق المشروعة لأصحابها.
لم يكن الأجدر بالمفاوض الأردني أن يقبل بالمادة (25) من الإتفاقية والتي تنص على تعهد الطرفين ب “عدم الدخول في أية التزامات تتعارض مع هذه المعاهدة” و”في حالة تعارض بين التزامات الطرفين بموجب هذه المعاهدة، وأي من التزاماتهما الأخرى، فإنَّ الالتزامات بموجب هذه المعاهدة، ستكون ملزمة وستنفذ“. هذه المادة تتنقص من السيادة الأردنية وتحد من قدرة الأردن على توقيع إتفاقيات أمنية واقتصادية مع الدول الشقيقة والصديقة يمكن أن تتعارض بنودها مع إتفاقيةالسلام، وتعطي الحق لدولة الاحتلال بأن يكون لها قول في تلك الإتفاقيات إذا ما وجدت أنها تتعارض مع مصالحها الأمنية والإقتصادية والمائية وغيرها والتي حددتها إتفاقية السلام مع الأردن. فالمادة إذا تتعارض مع إتفاقية الدفاع العربي المشترك واتفاقية إنشاء منطقة تجارة حرة عربية كبرى والإتفاقيات الثنائية الموقعة بين الأردن والدول العربية والإسلامية، وتساهم في تحقيق هدف دولة الاحتلالبمحاولة فصل الأردن عن عمقه ومحيطه العربي والإسلامي.
كما أن المادة (29)، والمتعلقة بفض المنازعات والتي نصت على أن “أية منازعات لا يمكن حلّها بواسطة التفاوض ستحلّ بالتوفيق أو تحال إلى التحكيم“ جاءت بصيغة فضفاضة وضبابية وغير إلزامية وخالية من أي مضمون، وكان الأجدر والأجدى بأن تكون الصياغة وجوبية لتحويل أية منازعات لا يمكن حلها بالتفاوض بين الطرفينإلى جهة دولية، مثل محكمة العدل الدولية، وأن يكون قرارها نهائيا وملزما للطرفين. هذه الصياغة الفضفاضة غير الإلزامية مكنت دولة الاحتلال من التنصل من العديد من التزاماتها المنصوص عليها في الإتفاقية ونكث العديد منها، لا بل اتخاذ إجراءات معاكسة ومناقضة تماما لهذه الإلتزامات ويشكل صريح ومعلن في مجالات احترامالسيادة والأمن والوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسةوالمياه والثقافة وغيرها، والإستمرار في ذلك وعلى مر ثلاثة عقود وما زالت، دون أن توفر الإتفاقية الأداة الوجوبيةوالإلزامية التي تمكن الإردن من ردع دولة الاحتلال عن ارتكاب هكذا انتهاكات صارخة ومعلنة لبنود الاتفاق.
ألهدف الأسمى الذي سعى الأردن إلى الوصول إليه بتوقيعه لاتفاقية السلام مع دولة الاحتلال، بتحقيق السلام العادل والشامل على أساس الشرعية الدولية وفق قراري الأمم المتحدة (242) و(338) ومبدأ الأرض مقبل السلام، وتحقيق الأماني المشروعة للشعب الفلسطيني بتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة القابلة للحياة على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشريف، وحل مشكلة اللاجئين على أساس قرارات الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة وحقهم بالعودة والتعويض، لم يتحقق. هذا الهدف المبتغى بتحقيق السلام العادل والشامل والمستدام لم يتحقق بسبب تبني دولة الاحتلال ورئيس حكومتها السابق، بنيامين نتانياهو، وطوال العقود الثلاثة السابقة، لاستراتيجية متعمدة لعدم الإلتزام بتعهداتها التي وقعت عليها في اتفاقية السلام مع الأردن، كما مع الفلسطينيين، في احترام سيادته والحفاظ على أمنه واستقراره واحترام وصايته على الأماكن المقدسة واعطائه حقوقه في المياه وعدم التخنيق على اقتصاده وإزالة المناهج والعبارات العنصرية المتطرفة والعدوانية والروايات الزائفة والمضللة من مناهجه ومقرراته التعليمية ونشاطاته الثقافية. ولم يقتصر الأمر على عدم الإلتزام بالتعهدات، بل تجاوز ذلك بكثيربتنفيذ استراتيجيات وأعمال متعمدة على الأرض وبشكل معلن تناقض وتعاكس تماما تلك الالتزامات وبشكل يهددمباشرة أمن واستقرار الأردن ووصايته الهاشمية على الأماكن المقدسة ومحاولة ضرب أمنه المائي والإقتصاديفي مقتل. لدرجة أن نتانياهو لم يخف مدى استخفافه باتفاقية السلام مع الأردن عندما صرح علانية في عام 2021 بأنه “لا يأبه مطلقا باتفاقية السلام مع الأردن ولا يهتم بها أو يسعى للمحافظة عليها أو استمراريتها”. الأمر الذي وصفه قادة إسرائيليون، أمثال نفتالي بينيت ويائيرلابيد وبينيامين غانتس وتسيبي ليفني، بالخطأالإستراتيجي الجسيم من قبله وينم عن قصر نظر وغروروشخصنة للسياسة الخارجية الإسرائيلية، الأمر الذي من شأنه تهديد أمن “إسرائيل” على المديين المتوسط والبعيد.
الطريق إلى إلأمام (تصويب المسار):
في 20 كانون الثاني/ يناير تولت الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة الرئيس الديموقراطي جو بايدن مسؤولياتها في الولايات المتحدة. وفي 13 حزيران/ يونيو 2021 تشكلت حكومة إسرائيلية جديدة تضم 8 أحزاب تمثل كافة الأطياف السياسية في دولة الإحتلال من أقصاها لأقصاها، ومنهية بذلك حقبة رئيس الحكومة السابق، بنيامين نتانياهو كأطول رئيس حكومة فيها منذ نشأتها. حكومة سيتولى رئاستها لأول عامين زعيم حزب “البيت اليهودي- يمينا” المتطرف نفتالي بينيت، ويليه بعد عامين (في عام 2023) رئيس حزب “يوجد مستقبل” الوسطي يائير لبيد، والذي يشترك مع بينيت في حق النقض (الفيتو) لأي قرار للحكومة لا يوافق عليه ولا يتماشى مع قناعاته أو قناعات حزبه. ينضم إليها حزب “أزرق أبيض” الوسطي الليبرالي برئاسة بيني غانتس، و”ميرتس” اليساري برئاسة نيتسان هوروفيتس،و”العمل” اليساري العلماني برئاسة ميراف ميخائيلي،و”إسرائيل بيتنا” اليميني المتطرف برئاسة أفيغادورليبرمان، و “أمل جديد” اليميني برئاسة غدعون ساعر، و”القائمة العربية الموحدة” برئاسة منصور عباس والتي تشكل أول حزب عربي إسلامي يمثل عرب ال 48 يوافق على دخول إئتلاف حكومي إسرائيلي منذ تأسيس دولة الاحتلال عام 1948.
ألإدارة الأمريكية الجديدة تلتقي مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة في العديد من القواسم المشتركة. من هذه القواسمالرغبة الجامحة بالإطاحة بالإدارات السابقة لها (ترامب- نتانياهو) وأي إرث لها أو “إنجاز” بمكن أن تنسبه لنفسها. إضافة للتحديات الصحية والإقتصادية الداخلية الكبيرة التي تواجهها الإدارتان في ظل جائحة كورونا، والتي تجعل منها الأولويات الأكثر إلحاحا بالنسبة لهما من محاولةإيجاد حل عادل وشامل ودائم للقضية الفلسطينية. يضاف لذلك عدم وجود أي رؤية واضحة لأي من الإدارتين في كيفية حل الصراع العربي الإسرائيلي حلا عادلا وشاملا ونهائيا، سوى أنهما لا يحبذا إعادة إحياء أي شيء من إرث ترامب/نتانياهو ومن ضمنها ما عرف ب “صفقة القرن”. ويتجلى عدم وضوح الرؤية لدى الحكومة الإسرائيلية الجديدة أن الأحزاب اليمينية المتطرفة المشاركة فيها (مثل “البيت اليهودي- يمينا“ ورئيسه بينيت و“إسرائيل بيتنا“ برئاسةليبرمان و”أمل جديد” برئاسة ساعر) يرفضون بالمطلق إقامة دولة فلسطينية مستقلة بأي شكل من الأشكال، بينما تبدي أحزاب وسطية في الحكومة استعدادها لتقبل ذلك من حيث المبدأ (مثل “يوجد مستقبل“ برئاسة لابيد و“أزرق أبيض“ برئاسة غانتس) ولكن بمساحات محدودة متفرقة وباستثناء القدس من ذلك دون “تقسيمها”، بينما تعارضأحزاب يسارية وعربية إستمرار الاحتلال والضم والإستيطان وتؤيد إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة لتشملأجزاء من القدس الشرقية (مثل “ميريتس“ برئاسة هوروفيتس و“العمل“ برئاسة ميخائلي و“القائمة العربية الموحدة“ برئاسة عباس). وعليه، فإن ما جمع كل هذه الأحزاب السياسية على اختلاف مبادئها وتوجهاتها السياسية، ألا وهو الإطاحة بنتانياهو وحكومته، قد لا يكون كافيا لضمان استدامة واستمرارية الحكومة على المدى البعيد، وخاصة إذا ما أرادت التركيز على ايجاد حل شامل ودائم للقضية الفلسطينية وجعلها إحدى أولويات عملهامنذ البداية، بدلا من التركيز على التحديات الداخلية الصحية والإقتصادية الداخلية، وذلك في ضوء التباين الكبير جدا في نظرة ورؤية كل مكون حزبي حكومي للحل النهائي للصراع العربي الإسرائيلي. هذا مع العلم بأن عدد أعضاء الكنيست الممثلين لأحزاب “الحمائم” المناديةبتحقيق السلام مع الفلسطينيين في حكومة دولة الاحتلال يبلغ 42 عضوا من 61 نائبا يمثلون الإئتلاف الحكومي في الكنيست الإسرائيلي الذي يبلغ عدد أعضائه 120 عضوا.
بالرغم من هذا التباين الكبير في رؤية كل مكون حزبي حكومي في الحكومة الجديدة في دولة الاحتلال لشكل الحل النهائي للقضية الفلسطينية، وبالرغم من عدم وجود رؤية واضحة ومعلنة لذلك من قبل الإدارة الأمريكية، إلا أن ما يجمع كل هذه الأطراف، وعلى عكس ترامب- نتانياهو، هو الإحترام الكبير الذي تكنه الإدارتين الجديدتين الأمريكية والإسرائيلية لجلالة الملك عبد الله الثاني وتقديرهما للدور المحوري الهام الذي يلعبه جلالته والأردن في تعزيز الاستقرار في المنطقة والعمل على إيجاد حل عادل وشامل ودائم للقضية الفلسطينية. وظهر ذلك جليا في الرد القاسيوالعنيف لبينيت على نتانياهو تحت قبة الكنيست عندما قال أن علاقة الأردن مع دولة الاحتلال “مهمة” ونتانياهو “دمرها” وتساءل “لمصلحة من ندمر علاقتنا مع الأردن؟!” وقال “نحن نحاول إصلاح هذه العلاقة” (ملاحظة: عكس بينيت رغبته في تحسين العلاقة مع الأردن بالرغم من أنهأخطأ خطأ جسيما في تلك الجلسة بوصف أراضي الباقورة والغمر ب “الأراضي الإسرائيلية” عندا قال أن“نتانياهو تنازل عن أجزاء من أرض إسرائيل” في إشارة إليها، متجاهلا بأنها أرض أردنية وعادت السيادة الأردنيةعليها منذ عام 1994).
تجلت رغبة دولة الاحتلال بتحسين العلاقة مع الأردن من خلال قيام رئيسها إتسحاق هرتزوغ بمهاتفة جلالة الملك عبد الله الثاني وقيام رئيس وزرائه بينيت بزيارة للأردن ولقائه مع جلالته، تبعها لقاء متابعة ما بين نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأردني الصفدي مع وزير الخارجية الإسرائيلي لابيد في يوليو 2021، نتج عنها موافقة دولة الاحتلال على تزويد الأردن ب 65 مليون متر مكعب من المياه خلال العام، بعد أن كان نتانياهو قد أوقفها للأعوام 2020 و2021، وزيادة الصادرات الأردنية إلى الضفة الغربية من 160 إلى 700 مليون دولار سنويا.ومثلها تحاول الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة الرئيس بايدن، حيث تجلى ذلك في لقائه مع جلالة الملك عبد الله الثاني الأخير في واشنطن، والترحيب الكبير الذي حظي به جلالته من قبل الرئيس الأمريكي ونائبته كاميلا هاريس، بالإضافة إلى نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب وزعيم الأغلبية الديموقراطية تشاك تشومر وزعيم الأقلية الجمهورية ميتش ماكونيل ورئيس لجنة الإستخبارات في مجلس النواب آدم شيف، عندما تم التأكيد على العلاقة والشراكة الإستراتيجية المستدامة بين البلدين وعلى الدعم القوي للولايات المتحدة لدور الأردن الرئيسي والمحوري في المنطقة، وتم التأكيد على الدعم الاقتصادي للأردن البالغ حوالي 1.5 مليار دولار سنويا بالإضاقة إلى 1.7 مليار دولار دعما لاستضافة اللاجئين السوريين. وعليه، فإنه يمكن للأردن بقيادة جلالة الملك المعظم، بأن يلعب دورا محوريا في إعادة صياغة التعريف الصحيح والقويملعملية السلام وإعادة توجيه بوصلتها نحو هدفها الرئيس بإقامة سلام عادل وشامل ودائم على أساس حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية.
وفيما يتعلق باتفاقية السلام بين الأردن ودولة الاحتلال فيمكن للأردن الاشتباك الإيجابي معها من خلال:
ألخلاصة:
بعد ثلاثة عقود من إطلاقها، فإنه من الجلي والواضح بأنالعملية السلمية، بمضمونها الحقيقي وغايتها المعلنة، لم تكن يوما خيارا إستراتيجيا لدولة الاحتلال، ولم يكن لها تحقيق السلام العادل والشامل والدائم المبني على قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام وحل الدولتين هدفا أو غاية، بل على النقيض تماما، فقد تبنت دولة الاحتلال ومنذ البداية نهج ما يعرف ب “عملية السلام” كاستراتيجية مرحلية، ضمن إستراتيجية كبرى، تهدف إلى إضاعة الوقت على أصحاب الحق وإبقائه في حالة من التوهان والدوران المستمر، عاما وراء عام، في حلقة مفرغة خاوية من أي مضمون، وبما يمنح دولة الاحتلال مزيدا من الوقت لفرض حقائق جديدة على الأرض، بالإستيطان والتهويد، يصعب تغييرها، تهيئة وتمهيدا لمزيد من التوسع والإستيطان وفرض السيادة على أراض محتلة حالية وجديدة وصولا لتحقيق هدفها بإنشاء إسرائيل الكبرى على “أرض الميعاد” “أرض الأجداد” “مملكة داوود” وفق معتقداتها الصهيونية. فاستنادا لهذه المعتقدات، فإن أي أرض عربية محتلة هي أرض “محررة” ولا يجوز “التنازل” عنها بأي شكل من الأشكال.
قاد هذا التوجه وهذه المسيرة طوال العقود الثلاثة الماضية قيادة حكومية يمينية متطرفة، ممثلة ببنيامين نتانياهو وحكومته للفترة الأطول خلالها، والتي لم تفوت أي فرصة للتنصل من التزاماتها مع الأردن والفلسطينيين واتخاذ الإجراءات العدوانية والمعلنة على الأرض من التوسع وفرض السيادة والاستيطان والتهجير والكفيلة بتقويض العملية من أساسها من جهة، إضافة لقيامها بتجييش الرأي العام الإسرائيلي، وبشكل منهجي ومكثف ومستدام، وعززت كل ذلك بمناهج تعليمية تجذر التطرف والعنصرية والعدوانية منذ الصفوف الأولى للطلبة، وذلك بهدف دفع المجتمع الإسرائيلي لمزيد من التطرف والعنصرية والعدوانية ومحو الوسطية التي كانت متواجدة عند بعض أفراده ودفعها باتجاه اليمين المتطرف وبما يخدم أغراض قادته السياسيين الانتخابية من جهة أخرى، وهو ما نجحت في فعله على مر عقود. فأصبحت النظرة اليمينية المتطرفة (Extreme Right) التي كانت موجودة عند البعض قبل عقود هي نظرة المسار الوسطي العام (Main Stream) والتي تتبناها الأغلبية الشعبية في دولة الإحتلال في يومنا هذا. فجيل اليوم في دولة الاحتلال أشد عنصرية وتطرفا وعدوانية من جيل آبائه. الأمر الذي لا يهدد عملية السلام وفرص ايجاد الحل العادل والشامل والدائم وإقامة الدولة الفلسطينية وأمن وسيادة الأردن فحسب، بل يهدد أمن ومستقبل دولة الاحتلال نفسها على المديين المتوسط والبعيد. فمستقبل الدول لا تحدده الإتفاقيات التي تبرمها تلك الدول (والممكن تغييرها أو حتى إلغائها بتغيير موازين القوى)، بقدر ما تحدده قدراتها الذاتية الداخلية والتغيرات الديموغرافية فيها. ودولة الاحتلال، وإن كانت متفوقة، خلال الفترة الماضية وفي الوقت الحاضر والمستقبل المنظور، في قدراتها الذاتية العسكرية والإقتصادية والتقنية، فإن التحول الديموغرافي فيها، والذي يتغير عاما بعد عام، هو لصالح العرب الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين ويعمل ضدها. ولذلك فإن عامل الوقت لا يعمل لصالح دولة الإحتلال كما يعتقد المتطرفون الصهاينة من قادتها وشعبها، بل على العكس تماما. وعليه فإنه وجب عليها أن تحرص وتسعى لإيجاد الحل العادل والشامل والدائم المبني على حل الدولتين، بنفس حرص الأردن والفلسطينيين عليه، إن لم يكن أكثر منه، وذلك حفاظا على مستقبل كيانها إن لم يكن لأي سبب آخر، وهو أمر يدركه المعتدلون من شعبها والعقلاء من قادتها السياسيين وفي مؤسستيها العسكرية والأمنية.
هنالك فرصة واعدة بإدارتين حكوميتين جديدتين في كل من الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال أكثر إيجابية نحو الأردن وقيادته الحكيمة، مما يمكن الأردن من استعادة دوره المحوري الذي حاول كثيرون إفقاده إياه على مدى السنوات السابقة، وبما يمكنه من إعادة توجيه بوصلة عملية السلام نحو وجهتها الصحيحة التي تصل بها إلى بر أمان حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني وعاصمتها القدس الشريف، وحل مشكلة اللاجئين استنادا لقرارات الشرعية الدولية، وحماية كافة حقوق الأردن في سيادته وأمنه وأرضه وشعبه ووصايته الهاشمية على المقدسات في القدس الشريف ومياهه واقتصاده وثقافته. الطريق لن يكون قصيرا أو ممهدا والمسير لن يكون سريعا ودون عوائق والهدف لن يكون يسير التحقيق أو سهل المنال، ولكنه سيتحقق بإذن الله بقيادة مؤمنة وصلبة وحكيمة وشعب وفي ومخلص ومنتم يلتف حولها.
حفظ الله فلسطين الحبيبة ودرة المدائن القدس من كل مكروه…
حفظ الله الأردن عزيزا وقويا ومنيعا… وحماه شعبا وأرضا وقيادة…
د. أحمد ذوقان الهنداوي
(ملاحظة: هذا المقال البحث، ومقال/بحث “الصفقة”، ستتم إضافتها إلى كتاب “القضية الفلسطينية”- النسخة المزيدة والذي يتم تحديثه حاليا، وعليه أرجو زيدي بأية ملاحظات بناءة للتحسين والتطوير عليه).
ألمراجع:



التعليقات مغلقة.