الأموال المنهوبة
خرج علينا فريق من الناشطين على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بشائعة جديدة غير مسبوقة هذه المرة، يتم تداولها بشكل سريع بين مختلف شرائح المجتمع الذين يتقبلونها بين مكذب لها أو مؤمن بها إيمانا مطلقا، وهي أنه في الأردن أكثر من 38 مليار دينار أموال منهوبة في الخارج مكدسة.
الشائعة لاقت رواجا عند فئة واسعة من المتداولين على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، حتى إن بعض النواب شاركوا بتأجيجها على اعتبار أنها حقيقة ومصدقة لا تقبل النقاش.
في الحقيقة؛ إنه باستثناء قضيتي بنك البتراء والكردي، فلا يوجد في تاريخ الأردن قضايا تتعلق بتهريب الأموال إلى الخارج، أو عمليات نصب واحتيال استطاع المحتالون وقتها إخراج أموال إلى الخارج.
قضيتي بنك البترا والكردي فيها أحكام قضائية صادرة من القضاء الأردني تدين متهمين واضحين وتتهمهم فيها بالنصب والاحتيال وتوظيف الأموال وازدواجية السلطة وتعارض المصالح، ورغم كل هذا فإن الأموال المنهوبة حسب قرارات المحكمة في كلا القضيتين لا تتجاوز نصف مليار دينار على أكثر تقدير.
أما أن نتحدث عن أموال منهوبة في أرصدة مصرفية خارج البلاد بقيمة 38 مليار دينار، فهذا ضرب من الخيال وأقرب إلى ما يكون للحماقة بعينها، فتداول الأرقام المالية عند البعض بات سهلا وكأن المليار لا شيء بالنسبة له، والواقع أن كل ما يتداول في هذا الشأن هو من باب الشائعات التي يقتنص البعض توظيفها لإحداث الاختلالات بين صفوف المجتمع الأردني.
الحديث السابق لا ينكر وجود فساد في الأردن، شأنه شأن أي دولة، والحقيقة أن البعض يحاول من تلك الشائعات الحديث بشكل مباشر عن أعمال الخصخصة في المملكة التي تمت خلال العقدين الماضيين، والتركيز على أنها شكل من أشكال الفساد المالي الذي انتهجته الحكومات المتعاقبة.
الخصخصة ليست منهج فساد، إنما هي نهج إداري للمشاريع تتعدد أشكاله وأنواعه، وقد يقول البعض أن الخصخصة أضاعت على الأردن الكثير من الأموال نتيجة البيوعات التي تمت حينها بأثمان بخسة، وهذا رأي يحتمل الجدل.
فالفرصة المالية الضائعة على الخزينة جراء عمليات الخصخصة واردة وحاصلة، بدليل أن الكثير من أسعار أسهم الشركات التي بيعت كانت أقل من قيمها الحقيقية أو حتى السوقية، والكثير من المستثمرين اشتروا الأسهم وحققوا أرباحا مجزية واستعادوا كامل عوائدهم الاستثمارية بعد عام واحد من الخصخصة في بعض المشاريع الكبرى، بدليل أنهم حصلوا على أسعار قليلة مقارنة بحقيقة قيمها الفعلية.
البيع بسعر أقل في عمليات الخصخصة ليس ذنب المستثمر أو حتى التخاصية، إنما هو مسؤولية المفاوض الأردني في ذلك الوقت، والذي أضاع على الخزينة في بعض الأحيان عوائد كانت قد تكون أضعاف ما بيعت به حصص الحكومة في تلك الشركات.
نعم لدينا هدر في المال العام ولدينا أموال منهوبة، ولكنها منهوبة بحكم القانون الذي أتاح للمفاوض الأردني البيع بسهولة وبأثمان بخسة لحصص الحكومة في كبرى الشركات في بعض الأحيان.
[email protected]
[email protected]

