صحيفة الكترونية اردنية شاملة

اللاجئون .. عبء أم مورد؟

النظام العالمي لإدارة اللاجئين، والمعمول به منذ الخمسينات من القرن الماضي أثبت عدم فعاليته وجدواه واستدامته... الأردن، بسمعته وتاريخه ومكانته ومنظومة القيم التي ينتمي إليها والاحترام والتقدير الكبيرين الذين يكنهما العالم أجمع لقيادته الحكيمة وتجربته السابقة مع اللجوء إلى ارضه وتضحيات شعبه بهذا الشأن، لهو الأقدر عالميا على إعادة صياغة منظومة جديدة كليا ومبتكرة واستشرافية لإدارة اللجوء، تستند على النظرة إلى اللاجئ على أنه "مورد" وليس "عبئا"..

 

النظام العالمي لإدارة اللاجئين، والمعمول به منذ إعلان ميثاق الأمم المتحدة للاجئين عام 1951، أثبت عدم فعاليته وجدواه واستدامته وعدم تلبيته للحدود الدنيا من احتياجات كافة الأطراف المعنية به (لاجئين ودول مضيفة، حكومات وشعوبا، ودول مانحة ومجتمع دولي) خلال العقود السبعة الماضية. فهو نظام يستند بالأساس على ركائز جانبها الصواب، تتمثل في أن موضوع اللجوء في مجمله، لأي شعب وأي قضية، هو تحد طارئ يستمر لسنوات قليلة فقط، وأن التعامل معه وإدارته يجب أن يتأتى من منظور “دعم إنساني” فقط، بينما هو حقيقة يستمر لعقود طويلة. واللاجئون، والذين تركوا أوطانهم التي ولدوا وعاشوا وترعرعوا فيها طوال حياتهم، أبا عن جد، لخوفهم على حياتهم وحياة أسرهم لما يمثلونه أو يؤمنون به من دين أو ينتمون إليه من عرق أو طائفة أو مذهب أو ينادون به أفكار ومعتقدات سياسية. ينشدون وطن لجوء يحميهم ويوفر لهم ولأسرهم حياة أمنة. حماية وأمن تأتي بثمن باهظ متمثل بحياة ومعيشة ضنكة في مواطن لجوئهم ولعقود طويلة، لا يستطيعون خلالها تأمين قوت يومهم وأسرهم. والدول المضيفة، حكومات وشعوبا، والتي ترضخ تحت نير ظروف اقتصادية غاية في السوء، وإن كانت قد استقبلتهم بمنتهى الرحمة والترحاب بدايةـ إلا أن نظرتها، ومع مرور الوقت، تأخذ بالتغير شيئا فشيئا لتصبح ترى في اللاجئين “عبئا” إضافيا عليها لا تستطيع تحمله فوق ما تحمله من أعباء اقتصادية واجتماعية تثقل كاهلها. والمجتمع الدولي، مع مرور الوقت أيضا، يأخذ بالتملل من استمرار دعم اللاجئين إنسانيا ودعم الدول المضيفة ماليا. فلا اللاجئ ولا الدول المضيفة راضون ولا حتى الدول المانحة أو المجتمع الدولي. كلهم مستاؤون وضجرون، وحتى ناقمون أحيانا، على نظام عالمي عابر للزمان والمكان والقومية والدين والسياسة. وإن كان هذا النظام قد قدم مساعدات إنسانية مقدرة للاجئين في كافة أصقاع الأرض خلال العقود السابقة يشكر عليها، إلا أنه في المجمل لم يجلب سوى الضيق والبؤس لكافة الأطراف المعنية به، ولم يحقق لها الحد الأدنى من أمالها وطموحاتها وتطلعاتها بالعيش الكريم المستدام.
تعامل المجتمع الدولي والدول المانحة لقضية اللاجئين يتصف بالمعايير المزدوجة أحيانا والنفاق أحيانا أخرى. ففي حين تتباكى هذه الدول على اللاجئين وظروفهم الإنسانية القاسية، فتطالب الدول المضيفة بفتح حدودها أمام اللاجئين ولإبقائها مفتوحة لهم باتباع سياسة “الباب المفتوح”، وعدم إعادة اللاجئين قصريا بعد قدومهم؛ تغلق هذه الدول حدودها وتشدد من إجراءاتها الأمنية عليها، لدرجة استخدام القوة وخراطيم المياه والغازات المسيلة للدموع لصدهم وإبعادهم إذا اقتضت الحاجة لذلك، وتزيد على ذلك لتحمل الدول المضيفة مسؤولية أي تنقل طوعي للاجئين اتجاهها في حال حدوثه.
وفي نفس السياق، يقوم المجتمع الدولي بدعم اللاجئين والدول المضيفة خلال سنوات اللجوء الأولى، وعندما تكون قضيتهم متصدرة للإعلام العالمي وحاصدة لتعاطف شعوب العالم. ولكن هذه الدعم ما يلبث أن يخبو شيئا فشيئا خلال السنوات اللاحقة للجوء، والتي يمكن أن تمتد لعقود، عندما تفقد قضيتهم بريقها وتخرج من تحت الأضواء وتبتعد من أمام كاميرات وسائل الإعلام العالمية.
ألأردن، بمواطنيه وقاطنيه الأحد عشر مليونا، لهو ثاني أعلى دولة في العالم من حيث عدد اللاجئين نسبة لعدد السكان (حوالي 20%)، وذلك باستضافته ل 2 مليون فلسطيني بين أواخر الأربعينات والسبعينات من القرن الماضي، ومليون عراقي بين عامي 2005 و2008، ومنثم 1.3 مليون سوري بعد عام 2011. وأن هذه النسبة تعادل على سبيل المثال والمقارنة والمحاكاة استقبال المملكة المتحدة ل 12 مليون لاجئ أو استقبال الولايات المتحدة ل 70 مليون لاجئ، وهو أمر خارج عن نطاق التوقع أو حتى الخيال بالنسبة لكذا دول متقدمة. الأردن فعل ذلك بإرادته وعن طيب خاطر، ومازال، من منطلق ومنظور الوقوف مع الأشقاء وقت الشدة، مستندا إلى منظومة من القيم العربية والإسلامية والإنسانية الراسخة التي يستند إليها، وليس من منظور الاستجابة لطلبات وضغوطات المجتمع الدولي والدول المانحة ومواثيق اللاجئين الدولية.
ليس من الحكمة النظر إلى اللاجئين على أنهم “عبء” اقتصادي يفاقم المشاكل الاقتصادية داخل الوطن، وعلى رأسها مشكلة البطالة، بل يجب النظر إليهم على أنهم “مورد” اقتصادي هام ذو خصائص فريدة، إذا ما تم التعامل معه واستثماره والاستفادة منه بالشكل الصحيح، فإنه يمكن أن يساهم وبشكل فاعل في تخفيف أعباء اللجوء على الدول المضيفة وتحريك عجلة النمو الاقتصادية ومعالجة مشكلة البطالة فيها من جهة، ويساهم في تحسين نوعية حياة اللاجئين ومستوى معيشتهم من جهة أخرى. فاللاجئون يجلبون معهم علومهم وخبراتهم ومعارفهم ومهاراتهم، وأحيانا رؤوس أموالهم، بالإضافة لحافزيتهم ودافعيتهم وروح مبادرتهم والتي تجعلهم موردا اقتصاديا ثمينا يمكن استثماره والاستفادة منه في المجالات التي تفتقر لكذا معرفة ومهارة وخبرة ورأس مال.
الأشقاء اللاجئون العراقيون مثلا، ذو الملاءة المالية الأكثر ومستوى التعليم الأعلى مقارنة مع نظرائهم السوريين، ساهموا في تحريك الاقتصاد الوطني في الفترة الواقعة بين عامي 2005 و2006، وذلك باستثمارهم في بعض القطاعات الاقتصادية وعلى رأسها قطاعات المقاولات والصناعة. كان عدد سكان الأردن حينها حوالي 6.5 مليون نسمة، وبلغت نسبة النمو الاقتصادي حوالي 7% ونسبة البطالة 13% في المتوسط خلال تلك السنوات. أما اليوم فارتفع عدد سكانه ليتجاوز ال 11 مليون نسمة ونسبة البطالة فيه تتجاوز 25% (50% ممن تقل أعمارهم عن 30 عاما) ولم يتجاوز معدل النمو الاقتصادي السنوي فيه خلال العقد الأخير ال 2.4%.
أكثر من 80% من العاملين الأردنيين في سوق العمل يعملون في قطاع الخدمات (40% منهم في القطاع العام)، والباقي يعملون في قطاع الصناعة والقطاعات الاقتصادية الأخرى. بينما تتركز عمالة الأشقاء السوريين في قطاعات اقتصادية لا يقبل عليها الأردنيون مثل قطاعات المقاولات والبناء (تستحوذ على أكثر من 40% من العمالة السورية) والزراعة والإعمال والمهن الحرفية (سجاد ونحاسيات وأثاث وأعمال خشبية…إلخ) والخدمات المنزلية وغيرها.
الأصل هو حل المشكلة من جذورها لتمكين الأشقاء من العودة لبلدهم وديارهم طوعيا في أقرب فرصة. ولحين حدوث ذلك فإنه يمكن تحويل اللاجئين من كونهم مجرد “عبء” إلى “مورد” اقتصادي هام، وذلك من خلال عدة وسائل، ومنها مثلا تمكينهم ماليا لإقامة مشاريعهم الصغيرة والمتوسطة الخضراء النظيفة في مجالات تخصصهم، داخل مخيمات لجوئهم وخارجها، مما يمكنهم من تسخير خبراتهم ومهاراتهم ومعارفهم في قطاعات لا يقبل عليها الأردنيون، أو لا يمتلكون فيها المعرفة والخبرة والمهارة السابقة الكافية. مشاريع اقتصادية ريادية توظف بين جدرانها أردنيين وسوريين على حد سواء. كما يمكن السعي الجاد لاستبدال عشرات الألاف من العاملين من دول شرق أسيا والذين يعملون في صناعات الألبسة المقامة في المناطق الاقتصادية الخاصة والمؤهلة بعاملين من الأشقاء السوريين بمهاراتهم وخبراتهم الكبيرة في هذا المجال. علما بأن التجربة السابقة في هذا المجال ضمن برنامج (كومباكت الأردن 2016) لم يكتب لها النجاح، بالرغم من الاشتراطات التخفيفية للاتحاد الأوروبي لشروط وقواعد المنشأ بهدف زيادة التصدير. كان مرد هذا الإخفاق بشكل رئيس بعد هكذا مناطق اقتصادية خاصة عن مواقع سكن اللاجئين بالإضافة لظروف العمل الداخلية (الراتب، ساعات عمل، استراحة ووجبة غداء… إلخ) غير المناسبة في بعض المصانع العاملة في هذه المناطق. كما يمكن دراسة إمكانية تحويل مخيمات اللاجئين السوريين (الزعتري مثلا) إلى مناطق اقتصادية خاصة تعمل المفوضية العليا للاجئين على السعي الحثيث لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية والمؤسسات التمويلية للعمل داخلها. كل هذه المقترحات وغيرها كثير، يمكن أن تساهم في مساعدة اللاجئ على الوصول لحد الكفاية وتغطية احتياجاته واحتياجات اسرته المعيشية من جهة، ولا يشكل عبئا على الدولة المضيفة أو يزيد من مشكلة البطالة فبها من جهة أخرى. بل على العكس تماما، فإنه يمكن أن يساهم بشكل فاعل في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة فيها.
الدول المانحة، والتي لا تمول حاليا سوى 30% من تكلفة استضافة اللاجئين على الأردن، والمقدرة بأكثر من 2.5 مليار دينار سنويا (طاقة ومياه وصحة وتعليم واستهلاكات بنية تحتية وغيرها)، يجب عليها الاستمرار في دعم الأردن ماليا ويشكل أكبر لتمكينه من إقامة مشاريعه الكبرى، مثل الناقل الوطني والمدينة الجديدة وتطوير وادي عربة زراعيا وسياحيا ومشاريع النقل وسكك الحديد الوطنية وتدوير النفايات وغيرها، وذلك للمساهمة في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة فيه وتمكينه من تحقيق أهدافه التنموية ورفع مستوى معيشة أبنائه وجودة حياتهم، وفي نفس الوقت التعامل وإدارة تحديات اللجوء على أرضه بكل كفاءة واقتدار.
ألأردن، بسمعته وتاريخه ومكانته ومنظومة القيم التي ينتمي إليها والاحترام والتقدير الكبيرين الذين يكنهما العالم أجمع لقيادته الحكيمة، وتجربته السابقة مع اللجوء إلى ارضه وتضحيات شعبه بهذا الشأن، لهو الأقدر عالميا على إعادة صياغة منظومة جديدة كليا ومبتكرة واستشرافية لإدارة اللجوء، تستند على النظرة إلى اللاجئ على أنه “مورد” وليس “عبئا”. وبالتالي تحويل النظرة إلى الدعم المقدم له وللدولة المضيفة من دعم “إنساني” إلى دعم “اقتصادي تنموي” يسهم في تحسين جودة الحياة للاجئ ودفع عجلة التنمية الاقتصادية المستدامة وحل مشكلة البطالة في آن واحد. ليتم تبني هذه المنظومة الجديدة في إدارة اللجوء عالميا وتعديل ميثاق الأمم المتحدة للاجئين على أساسها. فكر استشرافي لتحد اللجوء نأمل أن يأخذ طريقه للتطبيق الفعلي في المستقبل بإذن الله.
حفظ الله الأردن عزيزا وقويا ومنيعا… وحماه شعبا وأرضا وقيادة…

التعليقات مغلقة.