صحيفة الكترونية اردنية شاملة

التحديث الإقتصادي… النهج والهيكلة في ظل عالم متغير

قيادة جلالة الملك المعظم لبرنامج وجهود التحديث الاقتصادي ورعايته المباشرة لها والإيعاز بمتابعتها، سيكون الضامن الرئيس لنجاحها مستقبلا بإذن الله… هي خطّة تحديث اقتصادية شاملة عابرة للحكومات جاءت بتوجيه ملكي سامي، وأعدّت بمشاركة نخبة طيبة من نشامى ونشميات الوطن الأكفياء المقتدرين الممثلين لكافة قطاعاته الاقتصادية. خارطة طريق تحوي إحدى عشر هدفا استراتيجيا ستتحقق بإذن الله من خلال ثمانية محركات رئيسة تلمس خمسة وثلاثين قطاعا اقتصاديا رئيسيا وفرعيا تم تحليلها تحليلا علميا وتفصيليا ودقيقا للتعرف على واقع هذه القطاعات وأبراز قدراتها وإمكاناتها ونقاط القوّة فيها، وكذلك أبراز التحديات وفرص التحسين الرئيسة فيها. استراتيجية ارتكزت على تقييم الإنجازات والدراسات والخطط السابقة والبناء عليها وتحليل الوضع التنافسي لها مقارنة مع الدول الأخرى… خطّة تحديث وتطوير اقتصادي شاملة سيتم متابعة تنفيذ الحكومات المتعاقبة وكافة المعنيين لها بشكل دوري، وفق مؤشّرات أداء واضحة ومحدّدة وقابلة للقياس والمتابعة، وذلك للتأكّد من التزامهم جميعا بهذا التنفيذ وتحقيقهم للنتائج المرجوة…
واقع الأمر بأنّنا نعيش عالما مختلفا جذريّا عما كان عليه في السابق. عالم ستكون فيه سرعة التغيير في المستقبل أكبر بكثير مما نتوقع ومما عهدناه سابقا. عالم لا يوجد فيه مسلمات… ثوابته متغيرة… عالم يستوجب الشراكة الحقيقية ما بين القطاعين العام والخاص، قطاع الدولة… شراكة إستراتيجية أصبحت ضرورة رئيسة وليست ترفا في سبيل تحقيق الأهداف الوطنية… عالم تكون فيه سرعة التقدّم والتحوّل التقني أسرع بكثير من قدرة البشر على التكيّف مع هذا التحوّل والتعامل معه. عالم تكون فيه دورات التغيير الجذري ما بين ستة أشهر وعامين إلى ثلاثة أعوام بحدّ أقصى، بعكس الدورات الاستراتيجية السابقة والتي كانت تتراوح دورتها ما بين خمسة إلى عشرة أعوام…
في ظل هكذا عالم ديناميكيّ مبهم ومعقّد ومتغيّر بشكل جذريّ ومستمرّ ومتسارع، فإن النهضة الاقتصادية الوطنية الناجعة والفاعلة والمستدامة تحتاج للبدء الفوريّ بتنفيذ عدد محدود من المبادرات والمشاريع الاقتصاديّة الإستراتيجية التحوّليّة الكبرى، بالشّراكة مع القطاع الخاص، مرتبطة بعناقيد اقتصادية (Economic Clusters) وانظمة بيئة اعمال (Business Eco-Systems) واسعة، يتم التركيز عليها خلال فترة زمنية متوسطة المدى، ليتم توجيه وتخصيص جلّ قدرات وطاقات الدولة ومواردها ووقتها وجهدها لتنفيذها وجعلها حقائق ملموسة على الارض، وبما يمكنها من أن تؤتي أكلها وتحقّق نتائج فعلية على المدى المنظور، من خلال تحفيز كافة العناقيد الاقتصادية ومكونات أنظمة بيئة الاعمال المرتبطة بها، وبالتالي دفع عجلة الاقتصاد الوطني وتحسين جودة حياة المواطن على المدى الملموس و المنظور… ليتمّ الانتقال بعد الانتهاء من تنفيذها، أو عند اقتراب حدوث ذلك، لحزمة اخرى من عدد آخر محدد من مشاريع إستراتيجية تحوّلية كبرى يتم تنفيذها في مرحلة زمنيّة اخرى متوسّطة المدى… وهكذا دواليك… نهج يكسب عمليّة التحديث الإقتصادي الزّخم المطلوب لضمان تحقيق النتائج الفعلية الملموسة على الارض وعلى المدى المنظور، مما يعزّز الثّقة والمصداقيّة والإستدامة على المدى البعيد…
عدد كبير جدا من المبادرات، ذات الصّياغة العامّة في مجملها وغير محدّدة الأولويات والأثر المباشر او غير المباشر على النتائج النهائية المرجوة والمخطط لها، سيكون من الصّعوبة بمكان تنفيذها ومتابعة هذا التنفيذ، وسيكون هذا العدد الكبير سببا رئيسا في عدم نجاعة واستمراريّة واستدامة تنفيذ الخطة… وفقدانها للثقة والمصداقيّة…. وضياعها مع مرور الزمن بين الأرفف وتراكم الغبار عليها كسابقاتها من الخطط على اختلاف مسمّياتها…
ألأردنّ لا يملك ترف تكرار أخطاء الماضي بالتخطيط والتنفيذ… ألأردنّ بحاجة لتركيز جلّ طاقاته وموارده ووقته وجهده على عدد محدد جدّا من المبادرات والمشاريع الاستراتيجيّة الكبرى ذات الأثر التحوّليّ الكبير والملموس على اقتصاده وجودة حياة أبنائه، مثل مشروع المدينة الجديدة الذكيّة والمستدامة، و مشروع الناقل الوطنيّ، ومشروع شبكة سكك الحديد المتطوّرة بين كافّة مدن المملكة ومشاريع النّقل الذكيّ داخلها، والمشاريع الزّراعية والسياحيةّ الكبرى، ومشاريع الصّناعات الاستخراجيّة الكبرى للموارد الطبيعيّة الثمينة وغير المستغلّة ومشروع شبكات الجيل الخامس… مقرونة بإصلاح تحوّليّ جذريّ لمنظومة الإدارة العامّة في الدولة، وتطبيق حلّ جذريّ وشموليّ لتحدي الطاقة والتركيز على الطاقة النظيفة والمتجدّدة في كافّة مناحي الحياة، والخفض التدريجيّ والمدروس للعبء الضريبي على المواطنين والمستثمرين على حدّ سواء … والباقي تفاصيل… هذا ما نادى به سيّد البلاد دوما وما زال…

من ناحية أخرى، فإن هيكلة حكومات المستقبل وتشكيلتها يجب أن تخرج عن السّياق التقليديّ لهيكلة حكومات الحاضر والماضي… بحيث تتماشى هذه الهيكلة وتحاكي الرؤية الملكيّة السامية لإحداث النهضة والتحديث الشامل وتتمكّن من تحقيقها… ويكون ذلك بتشكيل هياكل حكومات المستقبل استنادا لهذه الرؤية وبالتركيز على الملفّات الاستراتيجيّة المتضمّنة فيها… كالملفّات الإستراتيجية الإقتصادية (مثل ملفّ الشّراكة والمشاريع الكبرى وملفّ ريادة الأعمال والإبداع والإبتكار وملفّ التحوّل الرقميّ والجيل الخامس)، والإدارية (ملفّ الإصلاح الإداريّ وخدمات المستقبل)، والإجتماعية (مثل ملفّ المرأة وملفّ الشباب وملفّ اصحاب الهمم وملفّ المغتربين وملفّ اللاجئين وملف جودة الحياة)، وملفّات الامن الوطنيّ ( ملف الامن الغذائيّ والمائيّ)، والتي تحتاج جميعها لقيادات حكوميّة إستشرافيّة على أعلى المستويات تكون مسؤولة عن قيادة هذه الملفّات ولا شيء غيرها… ولا تكون مشغولة بتسيير الأعمال الحكومية اليوميّة الروتينيّة… قيادات للملفّات الإستراتيجية التحوّليّة تقود فرق عمل من كافّة الوزارات والجهات المعنيّة بتنفيذ المشروع التحوّليّ، مع تطبيق سياسة واضحة للثواب والعقاب تستند إلى مدى قدرة الفرق التنفيذيّة وقياداتها التحوّليّة على إنجاز المبادرات والمشاريع التحوّلية الكبرى، وبذاك تنتقل مسؤوليّة تنفيذ المشاريع التحوّليّة الكبرى من المسؤوليّة المنفردة للوزارات إلى المسؤوليّة المشتركة لفرق العمل الميدانية، والتي يتم توقيع عقود أداء معها لتنفيذ هذه المشاريع التحوّليّة الكبرى…

هيكلة استشرافيّة لحكومات المستقبل تبتعد عن النهج التقليديّ والتاريخيّ للهيكلية القطاعية للتشكيلة الحكوميّة، والتي يمكن دمج العديد من مكوناتها ومؤسساتها للإستمرار في تنفيذ مهام الادارة الحكوميّة التقليديّة، وحتى الاستراتيجيّة، بإستثناء تلك المشاريع التحوّليّة الإستراتيجيّة الكبرى ذات القيادات والفرق الحكوميّة الخاصّة بها والمسؤولة عن تنفيذها… حيث يمكن تحقيق ذلك من خلال دمج الوزارات ذات المسؤوليّات القطاعيّة الشبيهة والمترابطة، كدمج وزارات الصناعة والتجارة والطاقّة والتّخطيط والماليّة مثلا في وزارة للاقتصاد الوطني، ودمج وزارات الزّراعة والمياه في وزارة للأمن الغذائيّ، ودمج وزارات التّربية والتّعليم والتّعليم العاليّ والثقافة والشباب في وزارة للمعرفة والإبداع والإبتكار، ودمج وزرات الإدارة المحلية والأشغال والنقل والرياضة في وزارة لجودة الحياة… وهكذا… هيكلة وتشكيلة حكوميّة غير تقليديّة وإستشرافيّة تضمن التّركيز على الملفّات الإستراتيجيّة ذات الأولوية بشكل مواز مع تسيير اأاعمال اليومية الروتينية للحكومة وبشكل فعّال…

رؤية ملكيّة سامية لإحداث النّهضة الإقتصادية الفاعلة والمستدامة، تحتاج لإجراء تغيير جذريّ وتحوّليّ في نهج وأسلوب التخطيط الاقتصاديّ والتّنفيذ من خلال حكومات مستقبل إستشرافية… هيكلتها غير تقليدية… حكومات كفؤة ورشيقة ومرنة وشفافة وصادقة… يهمّها العمل والإنجاز الفعليّ لا الإستعراض المرئيّ واللغويّ المنمقّ…

حفظ الله الأردنّ عزيزا وقويّا ومنيعا… وحماه شعبا وأرضا وقيادة…

التعليقات مغلقة.