صحيفة الكترونية اردنية شاملة

سالم باشا الهنداوي .. الذكرى السنوية الواحدة والسبعون لاستشهاده

 

يصادف هذا اليوم المبارك. اليوم الأول لعيد الأضحى المبارك الذكرى السنوية الواحدة والسبعين لاستشهاد جدي سالم باشا الهنداوي. احد زعمات ورجالات الوطن في بداية القرن الماضي الذين أفنوا حياتهم وبذلوا الغالي والنفيس رخيصا في سبيل الوطن وتحقيق استقلاله وخدمة قائده وشعبه ودعم قضيتة وقضية الامة المحورية والاولى. القضية الفلسطينية.

رغم عمره اليافع آنذاك، كان احد مؤسسي حزب الاستقلال الاردني، اول حزب في امارة شرق الاردن عام 1920 ، والذي شكل اول حكومة في امارة شرق الأردن برئاسة رشيد طليع، رغم معارضة سلطات الإنتداب البريطاني الشديدة لهذا التشكيل. وكان احد ابرز المشاركين في المؤتمر الوطني الاول عام 1928 والداعي لاستقلال المملكة وطرد سلطات الانتداب البريطاني ودعم الثورة الفلسطينية.. وصفه علي خلقي باشا الشرايري في مذكراته ب “المجاهد الشهم الغيور كريم النفس ومجهز جيوش الثوار”.

كان الزعيم الوطني وشيخ العشيرة والذي فوضته السلطنة العثمانية بامتلاك والتصرف باكثر من ثمانين الف دونم من اراضي شمال الاردن، والتي كان يوزعها وبصرف منها لدعم الثورة الفلسطينية ومدها بالمال والرجال والسلاح، بالاضافة لفتح مضافة الهنداوي في قرية النعيمة لاستقبال وإيواء واكرام الضيف وعلى مر عقود طويلة منذ اواخر القرن التاسع عشر وحتى وفاته في اوائل الخمسينيات من القرن الماضي.

حكمت سلطات الانتداب البريطاني بالإعدام عليه واقرانه من الزعماء الوطنيين، امثال علي خلقي باشا الشرايري و سليمان باشا السودي وراشد باشا الخزاعي وحسين باشا الطراونة وماجد باشا العدوان وناجي باشا العزام وغيرهم، اواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، وذلك لمواقفهم القومية والوطنية الداعية لاستقلال المملكة ودعم الثورة الفلسطينية، وللعمليات الميدانية التي كانوا يقومون بها ومن دعموهم ضد قوات الانتداب البريطاني ومخافر الشرطة البريطانية وخطوط الاتصالات والنقل لقوات الانتداب في لواء عجلون. اودعتهم سلطات الانتداب سجن العقبة تمهيدا لتنفيذ حكم الاعدام بهم. ولكنهم تمكنوا من الهرب، بمعاونة وطنيين من خارج السجن، واللجوء الى السعودية، حيث كان سالم باشا، ولصغر سنه وجهامة بنيته وقوة شكيمته، يحمل اقرانه من الزعماء الوطنيين، واحدا تلو الآخر، على ظهره ليقطعهم للجانب السعودي، ومنثم يعود لحمل الزعيم الآخر. وهكذا دواليك حتى اوصلهم جميعا لبر الامان. مكثوا في منفاهم لثلاثة سنوات حتى عفا عنهم قائدهم ورفيق دربهم الامير عبد الله، رغم معارضة الإنجليز الشديدة لهذا العفو، وعادوا لوطنهم ليتم انتخابهم جميعا في المجلس التشريعي الخامس، بين الاعوام 1942 و1947 والذي اعلن استقلال المملكة.

عندما اعلن المجلس التشريعي الخامس، باعضائه الستة عشرة، استقلال المملكة في 26-5-1946، انتخب المجلس اربعة من اعضائه وهم سالم باشا الهنداوي وماجد باشا العدوان ومعارك باشا المجالية وحمد باشا بن جازي، لنقل قرار الامة بالاستقلال الى الامير عبد الله ومبايعته، نيابة عن الامة، ملكا على المملكة الوليدة بلقب “حضرة صاحب الجلالة الهاشمية”.

امتدت له يد الغدر في 9-7-1951، حيث استشهد برصاصة غدر داخل حرم مضافة الهنداوي من قبل من سعى واراد قتل وطنيته وقوميته وانسانيته. توشحت اربد بالسواد وبكاه اهلها. وبكاه صديقه ورفيق دربه الذي بايعه، الملك عبد الله الاول ، والذي اقسم بان يقتل من قتله. الا ان القدر لم يمهله هو الاخر طويلا، حيث استشهد بصاصة غدر اخرى على درجات المسجد الاقصى بعد اقل من اسبوعين في 20-7-1951 ، واستشهد بينهما رئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح في عمان في 16-7-1951. ثلاثة قادة وزعماء وطنيين يستشهدون في بحر اسبوعين على ارض الحشد والرباط لمواقفهم الوطنية والقومية. وبنفس يد الغدر والخيانة.

قصص ومواقف انسانية كثيرة تتداولها الأجيال جيلا بعد جيل حول تواضعه وكرمه واخلاقه ومنظومة قيمه وانسانيته. منها كيف انه قام باحد الايام بإعانة بعض الاغراب من القرى المجاورة للنعيمة بسرقة غلال ومحاصيل وثمار اراضيه، خلال تواجده صدفة في المكان، مخاطبا اياهم وهو يعاونهم بالتحميل في “القفف” بان يسرعوا بالتحميل “قبل ان ياتي الباشا فيراهم”، وهم لا يعلمون ان “الباشا” نفسه هو الذي يخاطبهم ويعاونهم على تحميل غلال ومحاصيل وثمار ارضه.

وقصة اخرى تتعلق كيف انه لبى طلب احد حراس احد مخافر الشرطة في إربد بحمل تنكة من الزيت على كتفه وادخالها للمخفر، كان الحارس لا يقوى على حملها، دون معرفة من الحارس عن هوية الشخص الجهم الذي يطلب مساعدته والذي استجاب على الفور لذلك. فلما رآى قائد المخفر “الباشا”، والذي يعرفه حق المعرفة بطبيعة الحال، صعق بمنظره يحمل تنكة الزيت على كتفه داخل المخفر. فبدا بتوبيخ الحارس وتقريعه بشدة متوعدا اياه بالعقوبة، لولا تدخل الباشا واصراره بانه قد قام بذلك طوعا من تلقاء نفسه لمساعدة الحارس، وليس بطلب من الحارس، حماية له من العقوبة. هكذا يكون الرجال الكبار القدوة الأنموذج.

في مئوية الدولة، يبقى الوسام الأسمى الذي ناله سالم باشا الهنداوي، احد زعاماتها الوطنيين صناع استقلالها، هو استشهاده في سبيل وطنه، وذكراه العطرة التي تشكل لنا المعلم المنارة النبراس التي تنير لنا السبيل السوي القويم. بذل حياته وكل ما يملك في سبيل تحقيق استقلال وطنه وخدمة قائده وشعبه. سيبقى ذكراه وساما ساطعا وخالدا في وجدان وذاكرة كل وطني صادق وغيور من ابناء هذا الشعب الطيب الوفي. كما سيبقى إكليل غار على جبين ابنائه واحفاده من بعده وموضع فخار واعتزاز عظيمين لهم جميعا.

رحمك الله جدي ورحم والدي الحبيب، إبنك ذوقان، الذي كان وفيا لذكراك ومنظومة القيم التي جذرتها ورسختها فيه، فسار على نهجك ودربك، كما هم كافة رجالات الوطن المخلصين الأوفياء، وهم كثر، والذين خدموا وطنهم وقائدهم وشعبهم بكال نزاهة وامانة وإخلاص وشرف، ودون انتظار مقابل. جزاهم الله جميعا عن وطننا وعنا كل خير.

حفظ الله الاردن عزيزا وقويا ومنيعا، وحماه شعبا وارضا وقيادة

التعليقات مغلقة.