صحيفة الكترونية اردنية شاملة

عودة المتطرفين من بؤر القتال

0

بعد أن أوشكت ما تسمى بالدولة الإسلامية (داعش) على الانهيار كتنظيم إرهابي، سيضطر أعضاؤها إلى العودة لأوطانهم، ومن بينها الأردن الذي يبلغ عدد مقاتليه في ذلك التنظيم ثلاثة آلاف مقاتل. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هذه الأيام هو : كيف ستتعامل معهم الدولة الأردنية إذا ما قرروا العودة إلى وطنهم ؟
لا شك بأن عودة هؤلاء المقاتلين إلى الأردن، تشكل تهديدا للأمن الوطني والمجتمعي بشكل عام، إذا لم نحسن التصرف معهم، لاسيما وأن بعضهم قد أمضى سنوات عديدة في القتال، بين صفوف تلك المنظمات الإرهابية على اختلاف مسمياتها.
بثت فضائية جو سات مساء يوم الأربعاء الماضي 3 / 1 / 2017 برنامجا حول هذا الموضوع الخطير، قدمته الإعلامية القديرة الدكتورة رلى الحروب، حيث أجرت استفتاء على الهواء على مدى ساعتين، لمعرفة موقف المواطنين حيال هذا الموضوع، والإجابة على السؤال التالي : ” هل تؤيد عودة المقاتلين إلى الأردن أم تعارضها ؟ “. فكانت نسبة المعارضين للعودة أعلى منها في نسبة الموافقين عليها.
ومن خلال استماعي لإجابات المتصلين، استنتجت أن معظمهم سواء من المعارضين أو من الموافقين – باستثناء عدد قليل منهم – اعتمدوا على أحكام متسرعة إما مشفوعة بالغضب لما أقدم عليه أولئك المقاتلون، مطالبين بمنع دخولهم للأردن وإسقاط الجنسية عنهم، وإما أحكاما ممزوجة بالشفقة على شباب أساءوا التصرف، ويمكن استيعابهم وإصلاحهم في حضن الوطن. ولكي نصل إلى حكم معقول ينعكس إيجابا على مصلحة الأردن وأمنه الوطني، لابد لنا من النظر بعمق إلى هذا الموضوع، ومناقشته بعقول مفتوحة وحيادية تامة.
فالحقيقة التي لا جدال فيها هي أن هؤلاء المقاتلين هم من أصول أردنية، التحقوا بالمنظمات الإرهابية بدوافع مختلفة لا نعلم كنهها إلا بعد التحقيق معهم. ومع أننا نستنكر بشدة ما أقدموا على فعله، إلا أننا نواجه الآن أزمة حقيقية وعلينا أن نتصرف بمنتهى الحكمة، لنجد حلا مناسبا لها من خلال استعراض الافتراضات التالية :
• الافتراض الأول منع دخولهم للأردن. وهذا سيخلق لنا ثلاثة آلاف عدو على الأقل يعملون خارج البلاد، قد يعبّرون عن غضبهم بعمليات انتقامية من خلال مهاجمة السفارات والمصالح الأردنية، أو حتى الوفود الرسمية والمدنيين عند تواجدهم في الخارج. وقد يحاولون كذلك التسلل إلى داخل البلاد بأية طريقة ممكنة لتنفيذ مآربهم. ومن جانب آخر سيخلق هذا التصرف حنقا مكبوتا لدى أهاليهم، الذين مهما بلغ غضبهم على أبنائهم، إلا أنهم يأملون باحتوائهم وإصلاحهم مع مرور الزمن. وعليه فهذا افتراض لا ينصح الأخذ به.
• الافتراض الثاني، يقضي بالسماح لهم بدخول الأردن والعودة إلى منازلهم بعد إجراء تحقيقات أمنية بسيطة معهم. وهذا سيشكل خطورة أمنية بالغة على أمن الوطن لأنهم قد يشكلون خلايا كامنة، تترقب الفرصة المواتية لتنفيذ أعمال إرهابية، لأن نزعة الشرّ ما زالت مغروسة في نفوسهم. وهو افتراض مرفوض تماما.
• الافتراض الثالث، ويتلخص في السماح لهم بالدخول إلى وطنهم الذي يحملون جنسيته، ولكن من خلال تطبيق إستراتيجية وطنية محكمة، تتضمن محاور فكرية وأمنية وعملية، تهدف إلى استيعابهم ودمجهم في المجتمع بعد تطبيق الشروط التالية :
1. التحقيق الدقيق مع كل واحد منهم لمعرفة أسباب انخراطه في المنظمات الإرهابية، ومعرفة مدى استعداده للعودة كمواطن صالح في المجتمع، ومن ثم تصنيفهم في مجموعات حسب خطورتهم، ومحاكمة من يثبت ارتكابه الجرائم إنسانية.
2. تهيئة معسكرات صحراوية لاستقبالهم وإيوائهم دون السماح لهم بالاختلاط مع سجناء آخرين أو مواطنين مدنيين.
3. إخضاعهم جميعا لعمليات تأهيل نفسية مكثفة ووضع برامج تثقيفية ودينية لمحاولة التغلب على النزعة الشريرة من نفوسهم.
4. العمل على تدريب من ليس لديهم مهنة، تدريبا حرفيا، ليتمكنوا من الانخراط في سوق العمل والعيش في المجتمع بكرامة.
5. إقامة مشاريع زراعية وحرفية في المنطقة الصحراوية ينفذها هؤلاء المحتجزين تحت الحراسة المشددة، تساهم في التنمية وتغطي جزءا من تكاليفهم.
6. لا يسمح لأي محتجز منهم مهما كانت بساطة تهمته، الخروج من المعسكر قبل مضي ثلاث سنوات على انخراطه في برنامج التأهيل المقرر، للتأكد من تخليه عن أفكاره الإجرامية.
7. إدامة المراقبة لمن ينهي فترة التأهيل ويُفرج عنه، على أن يُثبت وجوده لدى المركز الأمني في أوقات محددة كما تقررها الجهات الأمنية.
لقد واجهت بعض الدول مثل هذه الحالة، فوضعت لها حلولا تتضمن برامج تأهيلية، انضوي تحتها المتطرفون من أبنائها إلى أن جرى إصلاحهم وعودتهم إلى المجتمع. وعلينا الاستفادة من تلك التجارب ونطبّق ما نراه منها مناسبا لنا. فعلى سبيل المثال : الجزائر اكتوت بنار الإرهاب في عقد التسعينات الماضي والتي ذهب ضحيتها 200 ألف قتيل، فعندما تولى الحكم الرئيس بوتفليقة فتح باب الوئام والمصالحة الوطنية. مما دفع خمسة آلاف إرهابي للنزول من الجبال وهجر الإرهاب والاندماج بالمجتمع الجزائري. وكذلك حصل في المغرب الذي احتوى الإرهابيين، من خلال عدد كبير من العلماء الذين يدْعون إلى الوسطية والاعتدال.
وفي الدنمرك قدمت الحكومة برنامجا أسمته ” سياسة استعادة واستيعاب العائدين من سوريا “. يقوم هذا البرنامج على تعاون الأجهزة الأمنية مع منظمات المجتمع المدني، في توفير مزايا اجتماعية ومهنية ودراسية للمتطرف العائد، بهدف حثه على نبذ الأفكار الهدامة والتي تدفع إلى العنف والقتل.
وفي ألمانيا قدمت الحكومة برنامجا أطلقت علية اسم ” الحياة “. وهو برنامج يقوم على إعادة تأهيل المتطرف العائد من خلال ثلاثة محاور هي : التأهيل الفكري، التأهيل النفسي، والتأهيل الوظيفي. وكان الهدف من ذلك الإسراع بدمج العائد منهم في الحياة العامة، بدلا من تركه فريسة للاغتراب في المجتمع وعودته إلى التطرف من جديد.
بعد كل هذا . . هل سيخرج علينا من يقول: يجب أن نمنع هؤلاء المقاتلين من دخول الأردن وننزع عنهم الجنسية الأردنية، أو نعلق لهم أعواد المشانق على الحدود؟ فمن المعروف أن الحلول العنيفة تؤدي إلى ردات فعل عنيفة تسبب الإخلال باستقرار المجتمع. ولهذا فمن غير المنطق حرمان أبناء الوطن الذين غُرّر بهم، أو اندفعوا نحو التطرف تحت ضغوط مختلفة، من التوبة والعودة إلى جادة الصواب، إذا استطعنا لذلك سبيلا.
ومع احترامي لأي رأي مخالف أقول: أن لكل شخص فكره ومدرسته وهو حر برأيه ومعتقده. فمن الواضح أن عودة المتطرفين تشكل أزمة خطيرة للدولة الأردنية. وما علينا إلاّ الانتظار لنرى ما هي التواصي والحلول التي سيقدمها ” المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات ” بهذا الخصوص؟ وكيف ستتصرف الحكومة تجاه هؤلاء القادمين إلينا في وقت لاحق ؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.