الموازنة لدى مالية النواب
يتضح من المؤشرات الأولية لنقاشات اللجنة المالية في مجلس النواب حول مشروع قانون موازنة 2017، أن الأمور لا تسير بالاتجاه الصحيح، أو حتى لا تتناسب مع متطلبات الوضع الاقتصادي الراهن، وطبيعة التحديات التي تعصف بالمملكة.
كل من حضر لقاءات مالية النواب يخرج بانطباعات باهتة فيما يتعلق بأسلوب النقاش الذي لم يخرج من دائرة الاستماع لا أكثر لمطالب الدوائر الحكومية والوزارات والمؤسسات المختلفة.
دور المستمع لا يتناسب أبدا في هذه المرحلة بالنسبة للجنة المالية، فالأمر يحتاج إلى الانتقال للمشاركة الفعلية في رسم الخطة الاقتصادية والمالية للدولة في سنة 2017، فهناك مأزق حقيقي تعيشه الحكومة في كيفية ضمان الوصول إلى الايرادات المقدرة في العام المقبل، والتي بنت فرضياتها على معدلات نمو تتجاوز الـ3 بالمائة، والكل يراهن على أن مثل هذا النمو ليس من الممكن الوصول إليه في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تسود المناخ الاقتصادي المحلي والاقليمي.
مشروع قانون موازنة 2017 يحتاج إلى مشاركة نيابية حقيقة هذه المرة على غير الدور التقليدي السابق لعدة أسباب حيوية أهمها حاجة الحكومة للمساندة في وضع تصورات تساهم في معالجة الاختلالات المالية التي تعاني منها خزينة الدولة، والتأكد من أن التقديرات الأولية لأرقام الموازنة قريبة إلى حد ما من الواقع، رغم المعرفة الكاملة بصعوبة تحقيق تلك الفرضيات على ضوء الوضع الراهن وتقلباته المثيرة.
عادة ما تستعين اللجنة المالية النيابية بالحكومة لمساعدتها على إعداد تقرير الموازنة الذي تتقدم به للمجلس، ويجري التصويت عليه، لكن سرعان ما تتبين حالة الانفصام بين اعضاء اللجنة، فبعضهم يصوت ضد توصيات التقرير، ثم يبدأ موسم التصويت على قانون الموازنة، ونشاهد المجلس في حالة عجيبة من الفوضى، وتقر الموازنة بظروف غامضة بعد انسحابات وغيابات من النواب، ما يفتح باب الجدل في الشارع حول دور المجلس ولجنته المالية تجاه الاقتصاد وكيفية تعزيز مراقبته وتقييمه لمختلف السياسات التنموية.
موازنة الدولة هي خطة الحكومة الاقتصادية لعام كامل، وهي بمثابة مشروع ثقة جديد من السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية، وحتى يتسنى تطوير أداء النواب الرقابي الاقتصادي؛ فإن الأمر يحتاج إلى نقلة نوعية في أداء اللجنة المالية التي تعد المحرك الرئيسي للاداء الاقتصادي للمجلس.
مشروع قانون الموازنة هو الملعب الذي يتيح للجنة المالية التأكد من سلامة التوجهات الاقتصادية الرسمية، إذ تمتلك اللجنة الحق الدستوري في تصويب الاختلالات المالية التي قد تصيب الموازنة، وتملك السلطة في خفض الانفاق وتوجيهه إلى الجهة الأكثر استحقاقا، وبإمكانها أن تعيد عملية توزيع مكتسبات التنمية في إطار تنموي يحقق العدالة النسبية المنشودة.
مالية النواب مطالبة بأن تتحقق من مبدأ الاعتماد على الذات الذي كانت تتغنى به الحكومة بعد أن تبين أن مشروع موازنة 2017 أكثر اعتمادا على المنح الخارجية من الاعوام السابقة، حيث قدرت المساعدات بحوالي 777 مليون دينار هذا العام .
المديونية العامة وخدمتها السنوية سترتفع في موازنة 2017 الى مليار دينار، فكيف سيتعامل النواب مع الحكومة في هذه القضية المصيرية التي يهدد تناميها استقرار الاقتصاد الوطني بكامله؟، فاللجنة مطالبة بدور تشاركي فاعل في هذا الامر وعدم ترك الحكومة تحدد وحدها مصير الدين العام الذي اقتربت مستوياته من الـ93.1 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي .
باستطاعة اللجنة المالية التأكد من مدى التزام الحكومة بتعهداتها في معالجة هيكلة الوحدات والمؤسسات المستقلة، خاصة وأن أرقام موازنة 2017 تشير الى تناقض واضح بين تلك التعهدات وبين ما تحقق فعلا على ارض الواقع، حيث زاد انفاق هذه المؤسسات كما ارتفع الدعم الرسمي من الخزينة الى تلك الوحدات.
التحديات الاقتصادية الراهنة، والمؤشرات المالية السلبية التي ظهرت في مشروع موازنة 2017 تتطلب من اللجنة المالية دورا أكبر في المشاركة الفعلية في رسم السياسة الاقتصادية وممارسة حقها الدستوري الذي يسمح لها بذلك.
[email protected]
[email protected]

