صحيفة الكترونية اردنية شاملة

(قانون المآذن) ومعركة الهوية في القدس الشريف ‬

0

في كتابات الإسرائيليين عن حرب عام ١٩٦٧ ان رئيس الأركان اسحق رابين ( آنذاك ) شعر بالقلق من ما ستكون عليه ردود الفعل العربية والإسلامية بعد أن قامت قواته باحتلال القدس . اليوم وبعد نصف قرن من سقوط القدس الشريف في يد القوات الصهيونية يبحث الكنيست قراراً بمنع الآذان في المدينة المقدسة ، الآذان الذي يسميه المسلمون ” بالدعوة التامة ” . وهو حدث يذكر بمصير القدس في ظل الاحتلال القائم وبالتدهور الذي وصل إليه الوضع العربي .
” قانون المآذن ” الصهيوني ، حتى وإن كان لا يزال على الورق ، هو رسالة الى الفلسطينيين والعرب والمسلمين بأن الاحتلال على وشك الانتقال من مرحلة إحاطة المدينة القديمة بالمستوطنات الى مرحلة ” معركة الهوية ” . فقادة الاحتلال يعرفون بأن فرض الهوية اليهودية على القدس لا تتم بعدد الأحياء الاستيطانية ، ولا بمسألة نقل السفارة الأمريكية إليها ، ولا الحفريات المستمرة تحت المسجد الأقصى ، إنما بالعمل على مسح هوية القدس العربية الإسلامية ،المتعارف عليها في كل الدنيا ، من خلال إزالة رموزها الخالدة الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى المبارك . وقانون منع الآذان هو خطوة أخرى في معركة الهوية .
لقد بدأ الاحتلال هذه المعركة منذ أن قامت حكومته بإرسال موجات من اليهود المتدينين لاقتحام المسجد الأقصى وإقامة الشعائر الدينية فيه ، تحت حراسة عسكرية وبشكل إسبوعي ، مع ما صاحب ذلك من دعوات تزعم بأن المسجد هو مكان مقدس لليهود والمسلمين معًا ، وإنه من حق اليهود الصلاة فيه ، بل ذهبوا إلى حد السعي لتحويله إلى مكان سياحي ديني يتجول فيه أدلاء سياحيين يهود ، وهم ينقلون للسياح أكاذيبهم عن الهيكل الذي حوله المسلمون الى مسجد . هم يعلمون بان ما دام هناك آذان يرفع وصلوات تقام ( خاصة صلاة الجمعة ) فإن مكرهم لن ينجح ، لذلك يقومون باستغلال أجواء (الإسلام فوبيا )في أمريكا وأوروبا من أجل بدء معركة الهوية أو قل معركة مسح الهوية العربية الإسلامية بإسكات الآذان ، بعد أن مسحوا عن الأرض المقابر والأحياء والمنازل العربية في القدس الشريف المحتل .
( قانون المآذن ) الصهيوني هو أيضًا امتداد لما يشهده العالم العربي من حملات أجنبية مركزة تستهدف تدمير تاريخه وهويته ، فالحرب على الإرهاب تستغل لنفض الغبار عن أحقاد وثارات الماضي ضد العرب ، ومن يتابع ما يتم تداوله في وسائل الإعلام الأوروبية والأمريكية وفي حملات أحزابها الانتخابية يرى أن المستهدف هو الإسلام كدين ، بالزعم أنه ( دين ينتج الإرهاب ويحث على العداء ضد الشعوب ) وهو أمر لم نسمعه في وصف الدين اليهودي رغم كل ما ارتكبته الحركة الصهيونية من جرائم باسمه ، (احتلال وطن الفلسطينيين واقتلاعهم من أرضهم وتشريدهم ) تحت مزاعم دينية تنتمي إلى آلاف السنين عن الارض التي وعدهم بها الرب في التوراة .. لم نسمعه في وصف الدين اليهودي بالإرهاب بعد الكم الكبير من الدعوات إلى القتل وسفك الدماء التي أطلقها حاخامات اليهود . ففي ظل حروب إسرائيل على غزة المحاصرة وتدميرها وقتل الالاف من أبنائها قام الحاخام الأكبر عوفاديا يوسف ، كبير حاخامات اسرائيل ، مؤسس حركة شاس المشاركة في الحكومة ، بحث الجنود الاسرائيليين على تطبيق ما ورد في التلمود ” إذا دخلت المدينة فاحرص على أن تجعل نسائها سبايا لك ورجالها عبيدًا لك او تقتلهم مع أطفالهم “. وهو الذي قال عن الفلسطينيين ” ليضربهم الطاعون انهم يتكاثرون كالنمل “. بعد كل هذا الكلام لم نسمع من قادة حماس ولا من أي عربي ومسلم ما يصف الدين اليهودي بأنه منبع الارهاب ، لأن العرب والمسلمين يؤمنون بجميع الأنبياء ويحترمون ما انزل عليهم فاحترموا اسلامنا .
قبل أيام كنت اشاهد برنامجًا وثائقيًا فرنسيًا عن داعش والقاعدة وما اسمي (بالجهاديين ) تحدث فيه سياسيون وخبراء في جامعات ومراكز دراسات أمنية واكاديمية غربية ، وقد آلمني ، كمسلم ، أن أشاهد آيات القرآن الكريم تستخدم للترويج بأن تعاليم الاسلام هي مصدر الإرهاب الذي نشهده اليوم من داعش وغيرها .. هذا النوع من البرامج يخدم خطط الصهيونية في الهجوم السافر على أعز مقدسات المسلمين وعلى هوية القدس العربية الاسلامية . لقد غابت الموضوعية عن مثل هذه البرامج ، عندما تجاهلت حقيقة أن من أنبت الارهاب ،ودعمه بالمال والسلاح والإعلام ، هي أمريكا وحلفاؤها الغربيون قبل ٤٥ عامًا ، أنهم من اخترع حركات تنظيم الشباب من أفغانستان إلى أوروبا وغرب أفريقيا ، تحت رايات الجهاد ، لخدمة حروب الناتو ضد الغزو السوفييتي لأفغانستان . لقد فُتحت لهم معسكرات التدريب في أوروبا وفي العديد من الدول العربية ، تحت إشراف السي اي آيه والبنتاغون ، ليس فقط لتدريبهم على السلاح إنما لشحن عقولهم بما قاموا به من تحريف واستغلال للدين ، ومن تلك المرحلة ، لا من القرآن والسنة ، تأسست البنية التحتية لكل من القاعدة وداعش بكل ألوانها .
من جورج بوش الابن ، الذي نزل عليه الوحي من السماء ، لكي يدعوه لارسال الجيوش لغزو العراق وتدشين عقدين من الذبح والسلخ لملايين المدنيين في عملية تستحق ان تنسب إلى أبشع فصول الغزوات الهمجية التي شهدتها بغداد على مر العصور ، من بوش إلى بوتين القيصر الجديد القادم بأحقاد حروب القرم مع سلاطين عثمان ، الذي يحرك أساطيله لاستعمار سوريا بعد تحويل حلب الى غروزني اخرى ، إلى ترامب المتربص بجحفل من معاونيه المعادين للعرب والمسلمين ، مع هولاء وبهم ، لا نرى إلا التصميم على إغراق الشرق الأوسط بالإرهاب وبالسياسات المتطرفة التي تصنع المناخات المسمومة لكي تظل الشعوب العربية غارقة في دوامات محرقة الإرهاب والاحتلال والفتن المنتنة .
بعد ٧٠ عامًا من اغتصاب فلسطين ، باسم تعاليم التوراة ، لم يقدم العرب ولا المسلمون على وصف اليهودية بأنها دين يصنع الإرهاب لكنهم اليوم ، في أوروبا وأمريكا ، يفعلون ذلك ضد الإسلام تحت راية الحرب على الإرهاب ( الجهادي ) بينما الغالبية الأعظم من ضحايا هذا الإرهاب ( ملايين الأرواح ، وانهار الدماء ، وتحويل المدن الى خرائب ) هي أرواح المسلمين ودماؤهم وممتلكاتهم ، عربًا وغير عرب .
نستعجل الوقت الذي تنتهي فيه المنطقة من غرهاب داعش في الموصل والرقة ، لعل هذا القتل الذي تقوم به دول عظمى أن يتوقف ، الذي لا يفرق بين مدني وإرهابي ، وبينه وبين من يقاتل ضد الطغيان والديكتاتورية ، ولعل هذا الحقد على الدين الإسلامي يجد له نهاية توقف هذا الاستفزاز الذي يمس بالسوء مشاعر كل مسلم ، وهو يرى العالم يقف متواطئا مع نوايا الاحتلال بملاحقة نداء الله اكبر في القدس وفي غير القدس . ( انه الله ) الذي يصفه المسلمون بأنه اله الناس جميعًا ، وليس اله شعب بعينه دون شعوب الدنيا ، كما قالت اليهود .
قبل أيام حول المقدسيون ( مسلمون ومسيحيون ) أسطح منازلهم إلى مآذن أطلقوا منها نداء الله أكبر للصلاة تصديًا لقانون منع الآذان الصهيوني إنهم بذلك يطلقون بحناجرهم معركة الدفاع عن هوية عاصمة فلسطين العربية الإسلامية كما دافعوا بأجسادهم عن الأقصى . وتروي كتب التاريخ أن مسلمي الأندلس ، الذين أجبروا على التخلي عن دينهم أو الموت من قبل محاكم التفتيش ، كانوا يهمسون في آذان أطفالهم عند الولادة مرددين نداء الصلاة كما تطلقه المآذن . لقد علمنا التاريخ بأن الحرب على معتقدات البشر المتوارثة ( مهما كانت دياناتهم ) هي حرب عبثية بل هي سبب دفعت ضحاياها إلى التمسك بدينهم ومعتقداتهم ، فلا الشيوعية نجحت بإلغاء الأديان من قلوب وعقول شعوب الاتحادالسوفييتي ، ولا العلمانية الإلحادية في أوروبا نجحت بالتقليل من نفوذ ومكانة الكنيسة في قلوب المؤمنين بها ، فشعبية البابا في هذا العصر لم يشهد مثلها بابا في عصور سابقة .
أخيراً ، لن اُتعب نفسي في كتابة سطر واحد اخاطب به عواصم العرب الرسمية بشئ من الكرامة والدفاع عن روح الامة وهويتها في القدس الشريف المحتل ، فالعجز مستفحل ، والهوان لا وصف له ، ولا اجد ما اصف به هذا الحال المزري الذي اوصلت العواصم اليه شعوبها وأوطانها غير قول الشاعر :
صار ميراثنا بيد الغرباء …
وصارت سيوف العدو : سقوف منازلنا .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.