أنصار ترامب و«فقاعة الحرب»!
يدعم «بيتر ثيل»، مليادير وادي السليكون، دونالد ترامب لعدة أسباب. أولها أنه يخشى نشوب حرب لا تنتهي، أو هذا على الأقل هو ما قاله «ثيل» في غرفة تمتلئ بالصحفيين في نهاية الشهر الماضي، في نادي الصحافة القومية. وذكر أنه «بينما يكافح آلاف الأشخاص لمواجهة تحديات الحياة اليومية تبدد الحكومة تريليونات الدولارات في شن حروب في مناطق بعيدة… وفي الوقت الحالي نخوض خمس حروب في العراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال»، وكان بوسعه أن يضيف أفغانستان، وربما أيضاً باكستان.
ويرى «ثيل» أن هذا جزء مما يطلق عليه «فقاعة الحرب» التي يطلق فيها السياسيون وعوداً بتحقيق النصر القريب. ولكن هذا النصر لا يتحقق أبداً. وبدلًا من ذلك، نجد أن هذه الصراعات لا تنتهي أبداً. ويوضح «ثيل» أنه قد اختار ترامب لأن المرشح الجمهوري سينهي «فقاعة الحرب»، بينما هيلاري كلينتون بوعدها بإقامة منطقة حظر طيران في سوريا ستورطنا في حروب لا تنتهي. ومثل فقاعات أخرى كثيرة، تنتفخ فقاعة الحرب لأن الصفوة في المراكز البحثية تخدع نفسها بتقديم حلول سهلة لمشكلات صعبة ومعقدة. ويعتقد «ثيل» أن فشل الصفوة السياسية يأتي ضمن الأسباب التي تجعل كثيراً من الأميركيين يؤيدون ترامب.
ولكننا نرى أن الحروب الخمس التي ذكرها «ثيل» هي في الواقع حرب واحدة بدأت بعد الحادي عشر من سبتمبر. وقد دأب الرئيس السابق جورج بوش على تسميتها بالحرب على الإرهاب. صحيح أن القرار الأولي الذي أجاز شن الحرب كان أضيق مما يفسره البيت الأبيض حالياً. ولكن بسبب عدم تأكيد الكونجرس سلطاته في الحرب، استخدم كلا الرئيسين بعد الحادي عشر من سبتمبر هذا التفويض لاستهداف عدد من المتطرفين على امتداد الكرة الأرضية. ويتعين أن يكون «ثيل» على دراية بهذا. فهو على كل حال من ساعد في تأسيس شركة «بالانتير تكنولوجيز» للتنقيب عن البيانات التي عملت عن كثب مع الجيش الأميركي ومجتمع الاستخبارات في هذه الحرب. وفي عام 2015 نشر موقع «تيككرانش» على الإنترنت وثائق عن شركة «بالانتير»، وأنها كشفت عن زبائنها الكثيرين للحكومة الأميركية. وتضمنت الوثائق شهادة من جندي سابق في قوات مشاة البحرية الأميركية جاء فيها أنه من خلال تكنولوجيا شركة «بالانتير» هذه «يعرف المرء كل وغد في منطقته». وفي الأيام القليلة الماضية، فازت الشركة بقضية تسمح لها بأن تنافس شبكة الجيش الأميركي للاستخبارات في المعارك من الجيل الثاني.
وبالإضافة إلى هذا يفضل «ثيل» مرشحاً لم يقدم وعوداً بتقليص الحرب على الإرهاب. بل على العكس تماماً، فقد صرح ترامب بأنه سيدك «داعش» في سوريا دكاً، ويأمل أن يشكل فريقاً مع روسيا والطاغية السوري للقيام بهذه المهمة! والفارق الأساسي بين ترامب وكلينتون في هذه الحروب التي لا تنتهي لا يتعلق بما إذا كان أي منهما سيواصل خوضها أم لا. فقد أعلنت كلينتون أنها تدعم إقامة منطقة حظر طيران جوي في سوريا لحماية المدنيين، بينما بدا ترامب غير مهتم بمثل هذا التدخل لأغراض إنسانية، وبدلًا من هذا يفكر في قتل الإرهابيين لا أكثر.
وهناك أيضاً مرشح تبنى المنهج نفسه في عام 2008، إنه باراك أوباما الذي شن حملته الانتخابية على أساس مواصلة الحرب ضد «القاعدة» مع إنهاء حرب العراق التي كان يرى أنها لا تمت بصلة للإرهاب. ونجح في هذا في بداية المطاف. وفي عام 2011 سحب الرئيس قواته من العراق وأجاز شن الغارة التي قُتل فيها أسامة بن لادن. وهذا دفع الرئيس المنتصر إلى القول إن مد الحرب ينحسر. وأشار أوباما أيضاً في عام 2014 إلى أن أميركا تخرج من حالة الحرب. ثم استولى «داعش» بعد فترة قصيرة على قطاعات كبيرة من أراضي العراق وسوريا، وبدأ يدبر لأعمال إرهابية ويلهم بها على امتداد العالم. وقد أدرك أوباما أن سعيه لإنهاء الحرب على الإرهاب لا يعني بالضرورة أن ينهي الإرهاب حربه علينا. ولذا يترك أوباما المنصب قريباً وهو يقاتل في حرب اعتزم إنهاءها أصلاً.
والدرس هنا هو أن الحرب الطويلة ضد الإرهاب ترتبط على رغم هذا بحروب أخرى يقول أوباما وترامب إنها تشتت انتباهنا عنها. وحين يرتكب بعض الطغاة أعمالهم الوحشية تتبع هذا فوضى وفراغ يملؤه الإرهابيون، وفي نهاية المطاف يتصاعد الضغط الشعبي كي تتدخل الولايات المتحدة. ولذا فإن الخرافة الفعلية في هذا السياق هي فقاعة السلام. وقد أكد السياسيون من كلا الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة في السنوات القليلة الماضية أن التقاعس عن التحرك حل سهل لكل مشكلة صعبة مثل سوريا والعراق. ولكن كما تعلمنا جميعاً منذ عام 2014، فلا بديل عن القوة الأميركية. وإذا كنتم لا تصدقونني فاسألوا الرئيس الحالي الذي اختبر هذه الفرضية بكل ما أوتي من جهد وعزيمة.

