أنا عربي… أنا حر
يصعب عليك أن تتابع أمور الشأن العام أو العالم العربي بدون أن تصل الى قناعةٍ بأن حال الأمة كلها بائس محبطٌ وموجعٌ، وللاسف فإن المشاهد المؤلمة وتكرار الإعتداءات قد استنزفت المشاعر، فلا يستطيع المواطن الحر ان يحزن أكثر ولا أن يبكي دما ودمعا إلى ما لا نهاية، فالألم والنزف يبدو انهما سيستمران، والتفاعل الإنساني في أجواء ومشاعر القهر لا يمكن أن تبقى مستمرة بدون توقف والى ما لا نهاية.
المشاعر تنفذ كما تنفذ النقود، ويمكنك أن تصرف نقودك حتى تنتهي، وبإمكانك أن تقترضها من غيرك لتستمر في الانفاق، لكن كيف ستقترض من الآخرين مشاعرهم لتحزن أوتبكي وأن تتعاطف!! وعند استمرار الحوادث والأعمال الصادمة من قتل وتدمير وتشريد وتخريب فسيعلن كل منا إفلاسه العاطفي والمشاعري، وسنشاهد ما يجري بدون ان نستطيع التعبير بالرفض أو الانتقاد او حتى بالبكاء الصامت، وتبدو الامور وكأنه مرسومٌ لنا بأن نسير في شوارعنا ونتنقل في بيوتنا ومكاتبنا منكفئين إلى داخلنا مستسلمين أمام هذه المشاهد البائسة الصعبة.
راودتننا السوداوية بقوة بعد أن مرت بنا حوادث وأخبار الاسبوع الماضي من إغتيال الكاتب ناهض حتر، والمساجلات على ادوات التواصل حول الحدث، والمعلومات عن إتفاقية الغاز، واستقالة وزير النقل بعد يوم من تعيينه، وقصف حلب ومستشفياتها وقتل العديد من أطفالها، والمشاركة في جنازة بيريز (صاحب مجزرة قانا الشهيرة) وتعامل المشرعين الامريكان السيء مع الحليف التقليدي لهم وهي العربية السعودية وما رسخه قانون (جاستا) لمحاسبة الدول!!!
لم يشفني من هذه المشاعر السوداوية التي كانت تحيط بي – وربما بغيري – في بداية هذا الاسبوع إلا ما تذكرته من عبارة سمعتها من مواطن بسيط (أنا عربي… انا حر) لقد خطرت ببالي ولمعت في ذهني تماما مثل يفعل وميض البرق وهو يخرج من غيمة شديدة السواد.
كنت في العام الماضي أراجع إحدى المؤسسات الرسمية فالتقيت مع مواطن بسيط يراجع المسؤول الاول فيها وتحدث معي عن قضيته التي يراجع بشأنها، وعندما سألته: لم تراجع في قضية صعبة ولا تقبل قرار المسؤول فيها؟؟ أجابني بعفوية غمرتني: أبو كريم، انا عربي، وميزة العربي التي خلقها الله به تكمن في انه إنسان حر، لن أقبل بهذا القرار سأرفضه، سابقى حرا وسيبقى العربي حراً أينما وجد … ولن أتصرف إلا بهذا المنطق.
تذكرت ما قاله المواطن البسيط لي، وفكرت في أن ما نعيشه ويضغط علينا في دول العالم العربي هو نتيجةٌ لقرار ظالمٌ من أعداء الأمة لخلق ظروف سيئة لنا ولأمتنا ولعالمنا، وليس علينا أن نعيش هذا البؤس وكأنه قدر محتوم ، ورغم انني لم أتخلص من كل السوداوية ولكنني أكثر راحة وانطلاقا فلم لا افكر مثل المواطن البسيط بأن العربي سيبقى حرا بإذن الله.

