العلاقات الأردنية السعودية: ماض عتيد وحاضر عريق
د. غازي فناطل العطنه/ جامعة اليرموك
اتسمت العلاقات السعودية الأردنية على الدوام بخصوصية امتازت بالشفافية؛ وذلك بفضل الروابط القوية والمتينة القائمة بين قيادتي وشعبي البلدين، والتي تمتد في أعماق التاريخ مدعومة بمعطيات عديدة وراسخة ومتجذّرة، وقد شهدت هذه العلاقة تطورًا ونموًا كبيرًا في مختلف المجالات، فهي علاقات أخوية متينة وراسخة، توطدت عبر الزمن بحكم الهوية القومية، والجغرافيا، والوطن العربي الواحد، ولذلك كانت على الدوام علاقات تعاون وتنسيق، وروابط إخاء ومودة دائمة. وظلت العلاقات بين البلدين الشقيقين قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون المُثمر؛ ممّا شكل عمقًا استراتيجيًا للأردن والسعودية على حد سواء؛ الأمر الذي يدل على النظرة الحكيمة لقيادتي البلدين.
تبادلت حكومتا المملكة العربية السعودية وإمارة شرقي الأردن الاعتراف المتبادل في شهر آذار من عام 1933، وذلك من خلال برقيتين تبادلهما الملك عبد العزيز آل سعود والأمير عبدالله بن الحسين – يرحمهما الله – ، أعربا فيها عن رغبتهما في تحسين العلاقات بينهما. وعلى إثر ذلك قامت الحكومتان الأردنية والسعودية بمباحثات نجم عنها ابرام معاهدة صداقة وحسن جوار؛ وذلك من اجل التعاون بين البلدين، وتنظيم الحدود بينهما. ولزيادة تعميق العلاقات بين الجانبين قام الأمير سعود بن عبد العزيز – ولي العهد السعودي انذاك – بزيارة إلى شرقي الأردن عام 1935، أقام فيها أربعة أيام، زار خلالها مختلف المناطق، وقام بزيارة لفلسطين وحظي بالصلاة في المسجد الأقصى. وكان لتلك الزيارة دور كبير في تعزيز العلاقات بين الجانبين، فقد تلقى الأمير عبدالله بن الحسين رسالة من الملك عبد العزيز آل سعود شكره فيها على حسن الضيافة التي لقيها ولي عهده اثناء زيارته لشرقي الأردن.
وقد لعبت الدبلوماسية الأردنية والسعودية بقيادة الأمير عبدالله والملك عبد العزيز دورًا كبيرًا في إنهاء الإضراب الفلسطيني الذي حدث في ثلاثينيات القرن الماضي، من خلال النداء الذي تم توجيهه الى الفلسطينيين لفك الإضراب والعودة إلى الحياة الطبيعية في فلسطين. كما شاركت المملكة العربية السعودية وإمارة شرقي الأردن في تأسيس الجامعة العربية، وكانتا من الدول السبع التي وقّعت على برتوكول الإسكندرية؛ لذا نرى أن الدولتين كانتا تسعيان إلى التعاون والتكاتف العربي. وعندما حصلت شرقي الأردن على استقلالها في 25 أيار عام 1946 بعث الملك عبد العزيز ببرقية تهنئة إلى الملك عبدالله الأول.
وفي عام 1948 زار الملك عبدالله الأول الرياض، وكان يتطلع لهذه الزيارة منذ أمد بعيد، وقد لقي الملك عبدالله حفاوة كبيرة من لدن الملك عبد العزيز، وقد استمرت الزيارة ثلاثة أيام تبادل الملكان خلالها الأحاديث والآراء حول قضايا العرب، ومستقبل الصراع في فلسطين. وقد عبّر البيان الختامي عن الرغبة في توثيق عُرى العلاقات، وعن اتفاقهما في الغاية والهدف، وفي تأييدهما للجامعة العربية.
ومن طرائف المجاملة بين الملك عبد العزيز والملك عبدالله الأول قول الملك عبدالعزيز للملك عبدالله الأول حينما وصف زيارته بانها كالماء حيث قال: ” إن الماء أيها الأخ لا يُقدّره إلا المحتاج إليه، وأنا أشد الناس حاجة الى هذه الزيارة “.
وقد وصف الملك عبدالله الأول الملك عبد العزيز بقوله :” فأنا اقرّ بأنّ جلالته من دهاة العرب في العصر الحاضر، حلو المعشر، اصحل الصوت، لطيف الكلمات والجمل، وهو سعيد النزل، ومكرم الضيف رزقه الله من البنين والحفدة، ومهّد له كل ما أراد ولقد صادف قرمين من العرب كلاما أشجع من أسامة بن زيد، ولكنه عرف كيف يتقي بأسهما ثم يتخلص منهما “. وقد نتج عن تلك الزيارة أن تبادل التمثيل الدبلوماسي بين الجانبين.
وبعد أن تولى الملك طلال بن عبد الله – رحمه الله – الحكم في الأردن، سعى إلى تمتين العلاقات مع السعودية، وقام بزيارة إلى الرياض بعد مدة وجيزة من توليه سلطاته الدستورية. وتابع الملك الحسين بن طلال – طيب الله ثراه – نهج جده ووالده في تعميق العلاقات الثنائية، وعلى إثر توليه سلطاته الدستورية شاركت المملكة العربية السعودية بوفد رسمي كبير برئاسة الأمير مشعل بن عبد العزيز للاحتفال بتتويج الملك الحسين؛ وتبع ذلك زيارة ولي العهد السعودي انذاك الأمير سعود بن عبد العزيز لعّمان لتقديم التهاني بتولي الملك الحسين لسلطاته الدستورية، وكانت أول زيارة خارجية قام بها الملك الحسين بن طلال بعد توليه سلطاته الدستورية كانت إلى الرياض للقاء الملك عبد العزيز.
وتعتبر مواقف المملكة العربية السعودية مواقف ثابتة وراسخة تجاه الأردن؛ فالسعودية هي الدولة العربية الوحيدة التي التزمت بالوفاء بالتزاماتها تجاه الأردن عقب إنهاء المعاهدة الأردنية-البريطانية عام 1957، وتوقيع اتفاقية المعونة العربية. وكان للبلدين مواقف متطابقة في الكثير من الأزمات التي عصفت بالمنطقة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين؛ فقد اشتركت القوات الأردنية والسعودية في تثبيت الأمن والنظام عقب اندلاع الأزمة العراقية الكويتية عام 1961 في الكويت، وشارك الجندي الأردني مع الجندي السعودي، جنبا الى حنب، في الدفاع عن حدود المملكة العربية السعودية الجنوبية في العام 1962 بعد الأزمة اليمنية، وكان التنسيق الأردني والسعودي على درجة عالية من التطابق والترابط في وجهات النظر. فقد تجاوب الأردن بقوة مع دعوة الملك فيصل بن عبد العزيز للتضامن الإسلامي، إذ كان للأردن دور كبير في هذا الأمر، ونتيجة لهذا التطابق فقد قام الملك فيصل بن عبد العزيز بزيارة للأردن في العام 1966، وتجول في ربوع الأردن، وزار المسجد الأقصى المبارك. وعبّر البيان الختامي عن التطابق في وجهات النظر والمصير المشترك، وقد نتج عن تلك الزيارة أن تم ترسيم الحدود الأردنية السعودية بشكل كامل.
رابطت القوات السعودية جنبا إلى جنب مع القوات الأردنية على الأراضي الأردنية، فقد دخلت القوات السعودية على اثر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ودخلت مرة أخرى في الحرب العربية الإسرائيلية الثالثة عام 1967، وبقيت مرابطة في الأراضي الأردنية على خطوط الدفاع الأولى إلى العام 1975، وقد انطلقت القوات السعودية من الأراضي الأردنية في العام 1973 للمشاركة في الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة، وبعد انتهاء الأعمال الحربية في الجبهة السورية عادت لترابط على الأراضي الأردنية.
وتعتبرمواقف المملكة العربية السعودية تجاه الأردن مواقف راسخة وثابتة؛ فقد التزمت السعودية عقب مؤتمر بغداد عام 1979 بتقديم مساعدات للأردن، بعد أن اقرّ العرب في هذا المؤتمر تقديم الدعم والمساندة لها، ولم توقف السعودية تلك المساعدات طوال تلك المدة، على الرغم من كل الظروف السياسية الصعبة التي عصفت بالمنطقة. كما تجاوب الأردن مع مبادرة الأمير/الملك فهد بن عبد العزيز للسلام في العام 1981، مثلما تجاوب مع مبادرة الأمير/ الملك عبدالله بن عبد العزيز للسلام في العام 2001، في قمة بيروت، وأصبحت تلك المبادرة محورًا للدبلوماسية الأردنية، كما أنها محور للدبلوماسية العربية من اجل حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على أساس من العدل والحق. وهذا يدلل على عمق العلاقات الثنائية بين الاردن والسعودية، والتطابق في وجهات النظر، ووحدة الرأي لحل الأزمات العربية العربية والعربية الدولية.
تتسم علاقة المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية بالعُمق والرسوخ والثبات منذ أزل التاريخ؛ فالعلاقات التي تربط البلدين والتي يقودها كُلٌ من الملك عبد الله الثاني ابن الحُسين وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ، قد أخذت مسارًا مُتميزًا وراسخًا بين القيادتين والحكومتين؛ ما أثمر التوافق الدائم بين المصالح المشتركة للمملكتين الشقيقتين. وفي هذا الصدد يقول جلالة الملك المُعزّزعبدﷲ الثاني ابن الحسين: ” ان العلاقات بين المملكة الاردنية الهاشمية والمملكة العربية السعودية علاقات تاريخية متجذّرة تستمد قوتها ورسوخها من حرص البلدين على تطوير هذه العلاقات وتمتينها بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين وامتنا العربية “.
حفظ الله المملكة الأردنية الهاشمية وشقيقتها المملكة العربية السعودية.



التعليقات مغلقة.