بقلم الدكتور عصام جميل مرعي
تُعدّ العاصمة الأردنية عمّان القلب السياسي والإداري والاقتصادي للمملكة، حيث تتركز فيها مؤسسات الدولة الرئيسية والجامعات والمستشفيات الكبرى والمراكز التجارية والخدمية. وقد أدى هذا التركز، إلى جانب النمو السكاني المتسارع والتوسع العمراني المستمر، إلى جعل عمّان نقطة الجذب الرئيسية للسكان والاستثمارات والأنشطة الاقتصادية.
وتشير التقديرات الحديثة إلى أن عدد سكان عمّان تجاوز 6.4 مليون نسمة، أي ما يزيد على نصف سكان المملكة، فيما تجاوز عدد المركبات المسجلة فيها 1.7 مليون مركبة. وهذا يعني وجود مركبة واحدة تقريباً لكل 3.8 أشخاص، وهو معدل مرتفع يعكس الاعتماد الكبير على السيارات الخاصة كوسيلة رئيسية للتنقل. كما تستقبل المملكة سنوياً مئات الآلاف من المركبات الأجنبية التابعة للسياح والزوار والمغتربين، يمر جزء كبير منها عبر العاصمة خلال فترة وجوده في الأردن.
ورغم مليارات الدنانير التي أُنفقت خلال العقود الماضية على إنشاء الجسور والأنفاق وتوسعة الطرق وتحسين البنية التحتية المرورية، ما تزال مشكلة الازدحام تتفاقم عاماً بعد عام، حتى أصبحت واحدة من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تواجه المواطنين والدولة على حد سواء.
إن أزمة المرور في عمّان ليست مجرد مشكلة طرق أو تقاطعات، بل هي انعكاس لاختلالات أعمق في التخطيط العمراني والتنمية الإقليمية والنقل العام وإدارة الحركة المرورية، الأمر الذي يتطلب رؤية وطنية شاملة تتجاوز الحلول الجزئية والمؤقتة.
أولاً: الأسباب الرئيسية للازدحام المروري
1. النمو السكاني المتسارع
أدى التوسع السكاني الكبير إلى زيادة الطلب على التنقل والخدمات والبنية التحتية بوتيرة تفوق قدرة المدينة على التكيف والاستيعاب.
2. الارتفاع الكبير في أعداد المركبات الخاصة
أصبحت السيارة الخاصة الخيار شبه الإجباري لكثير من المواطنين نتيجة محدودية البدائل، مما أدى إلى تضخم أعداد المركبات بشكل يفوق الطاقة الاستيعابية للطرق.
3. المركزية الإدارية والاقتصادية
تتركز الوزارات والمؤسسات الحكومية والشركات الكبرى والجامعات والمستشفيات في العاصمة، مما يجذب أعداداً هائلة من المراجعين والموظفين والطلبة يومياً.
4. الحركة اليومية من المحافظات المجاورة
تستقبل عمّان يومياً عشرات الآلاف من القادمين من الزرقاء والبلقاء ومادبا ومحافظات أخرى للعمل أو الدراسة أو إنجاز المعاملات.
5. ضعف منظومة النقل العام
على الرغم من التحسن النسبي الذي أحدثه مشروع الباص السريع، إلا أن النقل العام ما زال غير قادر على توفير بديل حقيقي ومتكامل للسيارة الخاصة.
6. التخطيط العمراني غير المتوازن
يؤدي تركز الأنشطة الاقتصادية والخدمية في مناطق محددة إلى خلق بؤر ازدحام دائمة في أجزاء معينة من المدينة.
7. السلوكيات المرورية السلبية
يساهم الوقوف العشوائي والتوقف المزدوج وعدم الالتزام بالمسارب والحوادث البسيطة في تعطيل الحركة وزيادة الاختناقات.
8. محدودية بعض الطرق والتقاطعات
أصبحت العديد من الشوارع تعمل فوق طاقتها التصميمية نتيجة النمو الكبير في أعداد المركبات.
9. الزيادة الموسمية في الحركة
ترتفع الكثافة المرورية خلال الصيف والأعياد والمواسم السياحية وعودة المغتربين.
10. تغليب الجانب الرقابي على الإدارة المرورية
يرى كثير من المواطنين والخبراء أن الجهد المروري يركز بدرجة كبيرة على ضبط المخالفات وتحصيل الغرامات، في حين يحتاج الواقع إلى اهتمام أكبر بإدارة الحركة المرورية وتخفيف الاختناقات وتحسين انسياب السير. فالمواطن لا يقيس نجاح المنظومة المرورية بعدد المخالفات المحررة، بل بقدرته على الوصول إلى وجهته بوقت معقول وأمان وكفاءة.
ثانياً: الآثار الاقتصادية والاجتماعية للازدحام
هدر ملايين ساعات العمل والإنتاج سنوياً.
ارتفاع كلف الوقود والنقل والصيانة.
زيادة التلوث البيئي والانبعاثات الكربونية.
تراجع الإنتاجية الاقتصادية.
ارتفاع مستويات التوتر والإجهاد النفسي.
زيادة احتمالية الحوادث المرورية.
تراجع جودة الحياة داخل المدينة.
ثالثاً: الحلول المقترحة
1. بناء منظومة نقل عام متكاملة
تشمل توسيع شبكة الباص السريع، وتطوير الحافلات العامة، وربط عمّان بالمحافظات بشبكة نقل جماعي فعالة ومنتظمة.
2. تطبيق اللامركزية الفعلية
نقل جزء من المؤسسات والجامعات والمشاريع الكبرى إلى المحافظات لتخفيف الضغط عن العاصمة.
3. تطوير الإدارة الذكية للمرور
استخدام أنظمة الإشارات الذكية والذكاء الاصطناعي والتحكم الفوري بالحركة المرورية.
4. إعادة توزيع الخدمات والأنشطة الاقتصادية
بحيث لا تبقى معظم الخدمات والفرص الوظيفية متركزة في مناطق محدودة من العاصمة.
5. تشجيع العمل والتعليم عن بعد
كل رحلة يتم الاستغناء عنها تسهم مباشرة في تخفيف الضغط على شبكة الطرق.
6. إنشاء مواقف عامة حديثة ومتعددة الطوابق
للحد من الوقوف العشوائي الذي يستهلك أجزاء كبيرة من الشوارع.
7. تطوير مداخل العاصمة والطرق الدائرية
بما يخفف الضغط عن مركز المدينة ويعيد توزيع الحركة المرورية.
8. تعزيز ثقافة النقل المشترك
لتقليل عدد المركبات المستخدمة لنقل الأعداد نفسها من الأشخاص.
9. إعادة تعريف مؤشرات النجاح المروري
بحيث تقاس كفاءة الإدارة المرورية بسرعة الحركة ومتوسط زمن الرحلات ومستوى رضا المواطنين، وليس فقط بعدد المخالفات المحررة أو قيمة الغرامات المحصلة.
خاتمة
إن أزمة الازدحام في عمّان ليست مشكلة فنية مرتبطة بالطرق فحسب، بل هي قضية تنموية ووطنية شاملة ترتبط بالنمو السكاني والتخطيط الحضري والتنمية الإقليمية والنقل العام وإدارة المرور. ومن دون تبني رؤية استراتيجية طويلة المدى تقوم على تطوير النقل الجماعي وتطبيق اللامركزية وتحسين الإدارة المرورية الذكية، ستظل الحلول الجزئية عاجزة عن مواكبة النمو المستمر في أعداد السكان والمركبات.
إن نجاح أي سياسة مرورية يجب أن يقاس بمدى قدرتها على تسهيل حياة المواطنين، وتقليل الزمن المهدور على الطرق، وتحسين جودة الحياة والإنتاجية الاقتصادية، لا بمجرد زيادة الطاقة الاستيعابية للطرق أو ارتفاع أعداد المخالفات المسجلة.
واخيرا اهيب بالدولة الاردنيه ان تضع خطة تنفذ على مراحل وعلى عدة سنوات لحل مشكلة المرور في العاصمة عمان قبل استفحالها لدرجة قد نعجز عن حلها ضمن الموارد المتاحة .



التعليقات مغلقة.