صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الباص الأردني: من هون ودز

أحمد عبدالباسط الرجوب
“من هون ودز درج يا مدرّج، باصك من هون دز يا عمي”
بينما كنتُ مشاركًا في حفل زفاف ابن صديق لي، وخلال زفة العريس، وهي من عاداتنا الجميلة في الأفراح، لفت انتباهي مغني الحفل وهو يصدح بهذه الأهزوجة العفوية: “من هون ودز درج يا مدرّج، باصك من هون دز يا عمي”.
في الأعراس الأردنية، حين تعزف فرقة الزفة هذه الكلمات التي لا تخضع لمنطق ولا تلتزم بقواعد نحوية، يتحول المكان إلى موجة واحدة من الفرح والاندفاع، الجميع يهتز ويصفق ويردد خلف المغني، وكأنهم يدفعون حافلة خيالية نحو الأمام.
إنها دعوة للحركة من أجل الحركة، وللدفع من أجل الدفع، دون أن يسأل أحد: إلى أين؟ وهل المحرك يعمل أصلًا؟
لكن ماذا لو انتقلت هذه «الفلسفة» من الزفة إلى عالم الإدارة، وإدارة المؤسسات والدول، وصناعة التعديلات الحكومية؟ عندها قد نجد أنفسنا أمام وصفة شبه مكتملة لصناعة التعثر.
أولًا: الحركة ليست إنجازًا
في الأغنية، المطلوب هو «دز الباص» فحسب، لا أحد يسأل عن الوقود، أو المحرك، أو صلاحية الطريق.
وهذا ما يحدث أحيانًا في بعض المؤسسات، مدير يضغط على موظفيه، يعقد اجتماعات متتالية، يطلب تقارير يومية، ويستعجل النتائج، ثم يظن أن هذا الزخم يعني تقدمًا.
لكن الحقيقة أن النشاط ليس إنجازًا، والانشغال ليس إنتاجية، والضجيج ليس قيمة مضافة.
قد تتحرك المؤسسة طوال النهار، وهي في الحقيقة تدور في مكانها، كعجلات حافلة غارقة في الرمال.
ثانيًا: «يا مدرّج».. وتغيير القمصان بدل إصلاح المحرك
في سياق الزفة، تعني عبارة «ودز درج يا مدرّج»: حرّك الترس وانطلق.
أما في الإدارة، فتغيير التروس يجب أن يكون مدروسًا، وفق حاجة المحرك وسرعته، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التغيير إلى غاية بحد ذاته: تبديل الهيكل التنظيمي، ثم المدير، ثم الفريق، ثم الوزير، دون مراجعة الخلل الجوهري.
وهنا قد تصبح بعض التعديلات الحكومية أقرب إلى تغيير القمصان من إصلاح المحرك، تتغيّر الوجوه، ويُعلن عن «دماء جديدة» و«تصحيح مسار»، لكن بعض السياسات والقوانين وآليات العمل تبقى كما هي، وبالتالي قد تبقى النتائج على حالها.
يمكن تغيير السائق أكثر من مرة، لكن إذا ظل الإطار مثقوبًا والمحرك بحاجة إلى الصيانة، فلن تصل الحافلة إلى وجهتها بالسرعة المطلوبة.
فالتغيير الحقيقي لا يتحقق بتبديل الأشخاص فحسب، وإنما بمراجعة السياسات والهياكل وآليات اتخاذ القرار، وقياس الأداء ومحاسبة المسؤول على النتائج.
وقد تقع بعض الإدارات في خطأ التعامل مع أزماتها من خلال تغيير الوجوه بصورة متكررة، وكأن المشكلة مرتبطة بالأشخاص وحدهم، بينما قد يكون جزء أساسي منها في السياسات أو الأدوات أو آليات التنفيذ.
كم رأينا من تعديلات حكومية يُقال إنها تهدف إلى «تصحيح المسار» أو «ضخ دماء جديدة»، بينما يبقى السؤال الأهم: هل رافق تغيير الأشخاص تغيير حقيقي في السياسات والأدوات وطريقة العمل؟
فلا يكفي تغيير السائق إذا بقيت أعطال الحافلة دون معالجة، ولا يكفي تغيير الوجوه إذا بقيت المشكلات التي أدت إلى التعثر قائمة.
التطوير الحقيقي يبدأ من تشخيص الخلل، ثم اختيار الأدوات والأشخاص والسياسات القادرة على معالجته، لا من التغيير لمجرد التغيير.
ثالثًا: من «هون».. إلى أين؟
ربما أخطر ما في «دز الباص» هو غياب الوجهة:
«من هون».. لكن إلى أين؟
هذه الإشكالية بعينها قد تصيب بعض الإدارات والحكومات، تركيز هائل على بدء الحركة، يقابله أحيانًا ضعف في تحديد الهدف النهائي.
تكثر الخطط والتقارير والاجتماعات والمؤشرات، لكن السؤال الجوهري يبقى معلقًا: ما النتيجة التي نريدها حقًا؟
ليس المهم أن يكون الموظفون مشغولين، أو الاجتماعات متواصلة، أو المناصب متبدلة، الأهم أن نعرف إلى أين نتجه، وكيف نقيس الوصول.
فالباص الذي يتحرك بلا وجهة قد يقطع آلاف الكيلومترات، لكنه لن يصل إلى المكان المطلوب.
رابعًا: لماذا تنجح «الدزّة» في الزفة، وتفشل في الإدارة؟
لأن الزفة تقوم على لحظة عاطفية جماعية مؤقتة، المطلوب فيها هو الفرح والتفاعل، لا الوصول إلى نتيجة استراتيجية.
أما المؤسسة والدولة، فتقومان على العقلانية والتراكم والاستدامة، أهداف واضحة، وقرارات مبنية على بيانات، وسياسات قابلة للقياس، ومحاسبة على النتائج.
عندما تتبنى الإدارة منهج «دز الباص»، فإنها قد تستهلك طاقة الناس دون عائد يتناسب معها، وكما لا يمكن لحافلة أن تقطع مسافة طويلة بالدفع اليدوي، لا يمكن لمؤسسة أو دولة أن تتقدم بالتعديلات الشكلية وتغيير الوجوه دون معالجة جوهر الخلل.
الخلاصة: ارفع غطاء المحرك
الإدارة الناجحة لا تقف خلف الباص لتدفعه، بل تجلس خلف المقود.
تحدد الوجهة، تفحص المحرك، تعرف متى تغيّر الترس، ومتى تزيد السرعة، ومتى تتوقف للصيانة، والأهم أنها تعرف لماذا تسير وإلى أين.
أما الإصلاح الحكومي الحقيقي، فلا يقتصر على تبديل الأشخاص، وإنما يقوم على مراجعة السياسات، وتطوير القوانين والهياكل، وتحسين الأداء، وربط المسؤولية بالنتائج.
لذلك، دعوا «دز الباص» و«يا مدرّج» للزغاريد والأعراس، فهناك تبدوان جميلتين ومبهجتين، لأنهما تنتميان إلى لحظة الفرح والاندفاع العفوي.
أما في غرف الإدارة وقاعات القرار، فالقاعدة مختلفة:
لا تدفع الباص قبل أن تتأكد أن المحرك يعمل، والطريق سالك، وأنك تعرف إلى أين تريد الوصول.
فالباص الذي يُدفع من الخلف، مهما غيّرنا سائقه، ومهما رفعنا أصواتنا بالغناء، سيظل بحاجة إلى ما هو أهم من «الدزّة»:
محرك يعمل، ووجهة واضحة، وسائق يعرف الطريق.
باحث ومخطّط استراتيجي

التعليقات مغلقة.