رؤية التحديث الاقتصادي في ميزان التنافسية العالمية
قراءة في مؤشرات التنافسية العالمية للأردن من تحسّن الترتيب إلى تحسّن حياة المواطن...
خارطة طريق مقترحة لتفعيل رؤية التحديث الاقتصادي 2022-2033 عبر مؤشرات التنافسية الدولية…
بين ما تحقق للأردن فعلاً… وما لم يتحقق بعد…
بقلم: د. أحمد ذوقان الهنداوي
الأردن اليوم في المرتبة 25 عالمياً في محور “كفاءة الأعمال“، وفي المرتبة 67 من أصل 70 دولة في محور “الأداء الاقتصادي“. الرقمان ليسا من تقريرين مختلفين من تقارير مؤشرات التنافسية العالمية للدول، ولا من سنتين مختلفتين؛ إنهما من التقرير نفسه: “تقرير التنافسية العالمية“ الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية IMD، وللسنة نفسها، 2026. أداء متقدّم ومتحسّن في “كفاءة الأعمال“ يقابله “أداء اقتصادي“ متأخر ومتراجع للأردن في التقرير عينه… فكيف يكون هذا؟
هذه فجوة قدرها 42 مرتبة داخل المؤشر الواحد. ومعناها بوضوح أن الإصلاح المؤسسي يسير في الاتجاه الصحيح، لكن الاقتصاد الحقيقي لا يزال عاجزاً عن استيعابه بالسرعة نفسها. وهي الفجوة التي تختصر، أكثر من أي رقم آخر، المسافة الفاصلة بين ما تحقق من تقدّم في بيئة الأعمال والمؤسسات، وما لم يتحقق بعد على طاولة المواطن من وظائف ودخل وفرص... وهو ما يصدح به ألما وحسرة ليل نهار…
مشكلتنا الحقيقة إذا ليست في الإصلاح، مشكلتنا في تحويل هذا الإصلاح إلى واقع ملموس يشعر به المواطن…
هذا المقال يستعرض، بالأرقام والجداول، أين تقدّم الأردن فعلاً في مؤشرات التنافسية الدولية المرتبطة برؤية التحديث الاقتصادي 2022-2033، وأين تراجع أو راوح مكانه، وأين تغيّرت قواعد اللعبة نفسها بحيث لم تعد بعض أهداف الرؤية قابلة للقياس أصلاً. ثم يخلص إلى خارطة طريق عملية تتحرك على ست جبهات متكاملة، بدل الاكتفاء بقائمة عامة من التوصيات، لتحويل هذا التقدّم المؤسسي إلى أثر ملموس في حياة الأردنيين.
خلفية: ماذا تعني رؤية التحديث الاقتصادي؟
أطلقت المملكة في حزيران 2022، برعاية جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، رؤية التحديث الاقتصادي 2022-2033 بوصفها خارطة طريق اقتصادية عابرة للحكومات، تمتد على ثلاث مراحل تنفيذية (2022-2025، 2026-2029، 2030-2033)، وتضم أكثر من 300 مبادرة موزعة على 8 محركات تنفيذية وأكثر من 35 قطاعاً وقطاعاً فرعياً.
وتضع الرؤية ثمانية أهداف استراتيجية قابلة للقياس نظرياً، من أبرزها: استيعاب مليون شاب وشابة إضافية في سوق العمل، وزيادة النمو في الناتج المحلي الإجمالي بمعدل5% سنوياً، وجذب استثمارات بمقدار 40 مليار دينار ورفع مستوى الرضا عن جودة الحياة لدى الأردنيين إلى 80%، إلى جانب أهداف مرتبطة مباشرة بمؤشرات التنافسية الدولية، منها دخول الأردن ضمن أفضل 30% من دول العالم في مؤشر التنافسية العالمي للمنتدى الاقتصادي العالمي، وأفضل 30% في مؤشر ليغاتوم للازدهار. كل ذلك على امتداد سنوات الرؤية العشرة.
والسؤال الذي يطرحه هذا المقال هو: بعد أكثر من ثلاث سنوات من إطلاق الرؤية، وفي نهاية مرحلتها التنفيذية الأولى (2022-2025)، أين يقف الأردن فعلاً في هذه المؤشرات وما يشابهها من مؤشرات التنافسية الدولية؟
أولاً: أين تحسّن ترتيب الأردن فعلياً
قبل الدخول في التفاصيل، هذا هو المشهد الكامل لأداء الأردن في تسعة مؤشرات دولية رئيسية شهدت تحسّناً ملموساً في الترتيب خلال السنوات الأخيرة:
المؤشر | الجهة المُصدِرة | الترتيب السابق | الترتيب الحالي | الاتجاه |
مؤشر الابتكار العالمي (GII) | WIPO – المنظمة العالمية للملكية الفكرية | 73 / 139 (2024) | 65 / 139 (2025) | ▲ 8 |
مؤشر تطوير الحكومة الإلكترونية (EGDI) | UN DESA – الأمم المتحدة | 100 / 193 (2022) | 89 / 193 (2024) | ▲ 11 |
مؤشر نضج التكنولوجيا الحكومية (GTMI) | مجموعة البنك الدولي | 31 (2022) | 21 / 197 (2025) | ▲ 10 |
تصنيف التنافسية العالمية (المؤشر الكلي) | IMD | 56 / 63 (2022) | 46 / 70 (2026) | ▲ 10 |
محور كفاءة الأعمال | IMD | 45 (2022) | 25 / 70 (2026) | ▲ 20 |
محور البنية التحتية | IMD | 55 (2022) | 48 / 70 (2026) | ▲ 7 |
تصنيف التنافسية الرقمية العالمية | IMD | 50 (2024) | 44 (2025) | ▲ 6 |
مؤشر المعرفة العالمي (GKI) | UNDP + مؤسسة محمد بن راشد للمعرفة | 88 / 141 (2024) | 73 / 195 (2025) | ▲ * |
مؤشر مدركات الفساد (CPI) | الشفافية الدولية | 59 / 180 (2024) | 56 / 182 (2025) | ▲ 3 |
* تحفّظ منهجي مهم: جزء من قفزة مؤشر المعرفة العالمي مصدره توسّع في عيّنة الدول المشمولة بالمؤشر، إذ ارتفع عددها من 141 إلى 195 دولة، أي بزيادة 54 دولة، مقابل تقدّم فعلي للأردن قدره 15 مرتبة فقط ضمن هذه العيّنة الأوسع.
وخلف هذه الأرقام تقف ثلاث قصص نجاح تستحق أن تُروى بالتفصيل. أولاها الابتكار، حيث حقق الأردن في مؤشر الابتكار العالمي المرتبة 65 من 139 دولة لعام 2025، وهو أفضل ترتيب يحققه المؤشر منذ إطلاقه، وجاء في المرتبة الخامسة بين 37 اقتصاداً ضمن فئة الدخل المتوسط المنخفض، بل إن الأردن يحتل المرتبة الثانية عالمياً في نشر المقالات العلمية والفنية قياساً بحجم اقتصاده، وهو مؤشر مباشر على عمق الإنتاج المعرفي والبحثي المحلي رغم محدودية الموارد المتاحة لذلك. أما القصة الثانية فعنوانها الحكومة الرقمية، وهي قصة لا يُتحدَّث عنها بما يكفي، حيث جاء الأردن في المرتبة 21 من أصل 197 دولة في مؤشر نضج التكنولوجيا الحكومية، بنتيجة 0.914 مقابل متوسط عالمي 0.589، أي أن المملكة تتقدّم على المتوسط العالمي بفارق كبير في هذا الملف تحديداً، وهو إنجاز يضاف إليه القفزة في مؤشر الحكومة الإلكترونية من المرتبة 100 إلى 89، ليضع الأردن في مصاف الدول الأكثر تقدماً إقليمياً في رقمنة الخدمات الحكومية. وتبقى القصة الثالثة، بيئة الأعمال، أقوى قصص هذا الملف كله× فقد فغز محور كفاءة الأعمال في تقرير IMD من المرتبة 45 إلى المرتبة 25 عالمياً خلال أربع سنوات فقط، وهو أكبر تقدّم نسبي حققه الأردن في أي محور رئيسي، وضمن هذا المحور جاءت الممارسات الإدارية في المرتبة 14 عالمياً وسوق العمل في المرتبة 19، وكلاهما ترتيب متقدّم يضع الأردن في مصاف الاقتصادات الأكثر كفاءة في تنظيم بيئة الأعمال.
ثانياً: أين تراجع ترتيب الأردن – وأين راوح مكانه
المصداقية تقتضي عرض الصورة كاملة. وفي المقابل، سجّل الأردن تراجعاً أو ثباتاً في ستة مؤشرات رئيسية، أبرزها المحور الذي يفترض أن يكون الثمرة النهائية لكل الإصلاح المؤسسي: الأداء الاقتصادي.
المؤشر | الجهة المُصدِرة | الترتيب السابق | الترتيب الحالي | الاتجاه |
محور الأداء الاقتصادي | IMD | 62 (2022) | 67 / 70 (2026) | ▼ 5 |
محور كفاءة الحكومة | IMD | 37 (2024) | 40 / 70 (2026) | ▼ 3 |
ركيزة رأس المال البشري والبحث (GII) | WIPO | 82 (2023) | 86 (2025) | ▼ 4 |
ركيزة البنية التحتية (GII) | WIPO | 87 (2023) | 87 (2025) | = |
مؤشر التنمية البشرية (HDI) | برنامج الأمم المتحدة الإنمائي | 100 (2022) | 100 / 193 (2023) | = |
المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين | المنتدى الاقتصادي العالمي | 131 / 156 (2021) | 122 / 148 (2025) | ▲ نسبي |
لكن المصداقية تقتضي عرض الصورة كاملة. فالأداء الاقتصادي هو التراجع الأوضح في هذا الملف: من المرتبة 62 إلى 67 من أصل 70 دولة، وداخل هذا المحور تحديداً يقف الاقتصاد المحلي عند المرتبة 66، والتشغيل عند المرتبة 67، والاستثمار الدولي (FDI)عند المرتبة 59. وخلف هذه الأرقام المجردة وقائع يشعر بها كل أردني في حياته اليومية: بطالة بنسبة 21.2% ، وهي المرتبة 67 من 70 في هذا البند تحديداً ، وعجز في الحساب الجاري بنسبة 7.6% من الناتج المحلي الإجمالي، أي المرتبة 66، وهذان الرقمان وحدهما يفسران لماذا لا يشعر المواطن بأثر التقدّم المؤسسي في حياته اليومية رغم كل ما تحقق في بيئة الأعمال.
وإذا انتقلنا من محور الأداء الاقتصادي إلى الأسس التي يقوم عليها، نجد أن رأس المال البشري والبنية التحتية هما أضعف ركيزتين للأردن في مؤشر الابتكار العالمي، بالمرتبتين 86 و87 على التوالي، وضمنهما تحديداً تقف البنية التحتية العامة عند المرتبة 125، والتعليم عند المرتبة 114، وتكوين رأس المال الثابت عند المرتبة 110. ولعل الأكثر دلالة أن مؤشر التنمية البشرية يكاد يكون ثابتاً منذ عقد ونصف: قيمته الحالية 0.754 مقابل 0.732 في عام 2010 فحسب، وهو مؤشر مركّب يجمع الدخل والتعليم والصحة معاً. أما الفجوة بين الجنسين فقد تحسّنت فعلاً، من المرتبة 131 إلى 122، غير أنها ما زالت ضمن الخُمس الأدنى عالمياً بين 148 دولة، وهو ما يعني أن مساحة كبيرة من الطاقة الاقتصادية للمرأة الأردنية ما زالت خارج حسابات النمو.
ثالثاً: مؤشرات تغيّرت قواعد قياسها – وهنا المفاجأة الأهم
هذه النقطة هي الأكثر إثارة للاهتمام في هذا الملف كله، لأنها لا تتعلق بأداء الأردن بقدر ما تتعلق بمنظومة القياس نفسها التي تُبنى عليها أهداف الرؤية:
المؤشر | الجهة المُصدِرة | الترتيب السابق | الترتيب الحالي | الاتجاه |
مؤشر ليغاتوم للازدهار | Prosperity Institute | 86 / 167 (2023) | 67 / 161 (2026) | منهجية جديدة |
مؤشر التنافسية العالمي 4.0 | المنتدى الاقتصادي العالمي | 70 / 141 (2019) | متوقف منذ 2019 | ▼ |
سهولة ممارسة الأعمال | مجموعة البنك الدولي | 75 / 190 (2020) | أُلغي في 2021 | ▼ |
مؤشر الأداء اللوجستي | مجموعة البنك الدولي | ترتيب 2023 | لا ترتيب إجمالي | = |
مؤشر الأمن الغذائي العالمي | Economist Impact | إصدار 2022 | لم يُحدَّث منذ 2022 | = |
والمشكلة هنا، كما تكشف الوقائع، بنيوية لا إحصائية. فهدفا رؤية التحديث الاقتصادي الرقميان اللذان وُضعا أصلاً كمقياس للنجاح لم يعودا قابلين للقياس بالشكل الذي صيغا به: الرؤية تحدد هدفين فقط مرتبطين بالترتيب الدولي، دخول أعلى 30% في مؤشر ليغاتوم للازدهار، وأعلى 30% في مؤشر التنافسية العالمي للمنتدى الاقتصادي العالمي، غير أن المنتدى توقف عن نشر هذا المؤشر منذ 2019، فيما أعاد ليغاتوم بناء منهجيته بالكامل في إصدار 2026. والأمر لا يتوقف هنا؛ فثلاثة من مؤشرات خط الأساس التي استندت إليها الرؤية عند إطلاقها توقفت أو تغيّرت جوهرياً: سهولة ممارسة الأعمال أُلغي عام 2021، ومؤشر الأداء اللوجستي لم تعد منهجيته الجديدة تُصدر ترتيباً إجمالياً، ومؤشر الأمن الغذائي العالمي لم يصدر منذ 2022. والمفارقة أن أفضل إنجازات الأردن جاءت أصلاً من خارج إطار الرؤية نفسه: تقريرا IMD للتنافسية العالمية والرقمية، ونضج التكنولوجيا الحكومية، ومؤشر المعرفة العالمي – لا يرد أيٌّ من هذه المؤشرات الأربعة في وثيقة الرؤية، ونتيجة ذلك أن رواية الإنجاز الرسمية وإطار المساءلة المعتمد فيها باتا أقرب إلى وثيقتين منفصلتين لا وثيقة واحدة. وأخيراً، فإن جزءاً من فجوة بيانات الأردن مصدره الأردن نفسه، إذ يُقيَّم الأردن في مؤشر الابتكار العالمي على أساس إنفاق على البحث والتطوير يعود إلى عام 2016، وعدد باحثين يعود إلى عام 2017 – بعبارة أخرى، نُحاسَب دولياً على صورة إحصائية عمرها نحو عقد من الزمن، لا لأن الواقع لم يتغيّر، بل لأننا لم نُبلِغ الجهات الدولية ببيانات محدَّثة.
الخلاصة: جزء كبير من «الفجوة» بين ما تحقق وما هو مستهدف ليس فجوة أداء بقدر ما هو فجوة في تصميم منظومة القياس والمساءلة نفسها، وهذه فجوة يمكن إغلاقها بقرار إداري، لا بعقد كامل من الإصلاح.
خارطة الطريق المقترحة: من التحسّن في الترتيب إلى جودة الحياة…
لا قيمة حقيقية لتقدّم الأردن 25 مرتبة في “كفاءة الأعمال“ إن لم ينعكس هذا التحسّن على ما يشعر به المواطن مباشرة: الوظيفة والدخل. ولذلك، فإن خارطة الطريق المطلوبة اليوم لا تحتمل قائمة عامة من التوصيات، بل تتحرك على ست جبهات متكاملة، كل جبهة منها متصلة بمؤشرات بعينها من الجداول أعلاه، بحيث تتحول التوصيات من شعارات إلى التزامات قابلة للمساءلة أمام الأردنيين.
الجبهة الأولى، وهي الأهم، تتعلق بنقل البوصلة من “رفع الترتيب“ إلى “التحويل الاقتصادي الفعلي“. فالسؤال الذي ينبغي أن يحكم عمل الحكومة في المرحلة التنفيذية المقبلة (2026-2029) ليس “كيف نرفع ترتيبنا؟“ بل “ما الذي يمنع منظومة ابتكار في المرتبة 65 عالمياً من أن تنعكس في أداء اقتصادي في المرتبة 67 من 70؟“. والإجابة تمر عبر ثلاث نقاط اختناق تحددها المؤشرات نفسها: “تكوين رأس المال الثابت“ (المرتبة 110 عالمياً)، و“استيعاب المعرفة اقتصادياً“ (المرتبة 126)، و“استيعاب سوق العمل للشباب“رغم أن “العائد الديموغرافي الشبابي للأردن“ في المرتبة 34 عالمياً، وهو من أفضل مؤشراته على الإطلاق. ومن هنا يصبح ربط كل حافز استثماري جديد بمؤشر تشغيل فصلي محدد سلفاً، مثل: عدد وظائف فعلية وقيمة مضافة محلية، لا مجرد حجم استثمار مُعلَن عند توقيع الاتفاقيات، شرطاً لتحويل الإصلاح إلى تشغيل، تماماً كما يصبح توجيه حزم الحوافز نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، من تصنيع متقدم ورقمنة وطاقة متجددة وخدمات لوجستية، أولوية تحل محل تركزها التاريخي في قطاعات ريعية محدودة الأثر التشغيلي.
وهنا بالتحديد تكتسب حزمة المشاريع الكبرى التي تنفذها الحكومة اليوم أهميتها الحقيقية، لا كإنجازات إعلامية بل كرافعة مباشرة لرفع ترتيب الأردن في محوري البنية التحتية وتكوين رأس المال. فمشروع الناقل الوطني لتحلية ونقل المياه من العقبة إلى عمان، بكلفة تقديرية تناهز 5.8 مليار دولار وبتمويل بدأ يتأكد فعلياً عبر جهات كالبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، لا يعالج فقط أزمة الأمن المائي، بل يحرر مصادر المياه الجوفية لاستخدامات صناعية وزراعية أكثر إنتاجية، وهو بالضبط نوع الاستثمار الذي يرفع مؤشر البنية التحتية العامة من مرتبته المتأخرة (125). وبالتوازي، يعيد مشروع السكة الحديد الوطنية، الممتد على 942 كيلومتراً بكلفة تقارب 2.2 مليار دينار على محورين رئيسيين: شمال-جنوب من الحدود السورية إلى العقبة، وشرق-غرب من إربد إلى الحدود العراقية مع فرع نحو الحدود السعودية، رسم خريطة الأردن اللوجستية من الأساس، بما يخدم مباشرة ترتيب الأردن في الأداء اللوجستي وتكلفة نقل البضائع، وهو أحد أضعف حلقات تنافسيتنا الإقليمية. أما مشروع الطريق الشمالي-الجنوبي، الجسر الذي يمتد نحو 15.8 كيلومتراً بين صافوط شمالاً وناعور جنوباً بنظام الطرق المدفوعة (التصميم والبناء والتمويل والتشغيل)، فيختصر أزمة الاختناقات المرورية في العاصمة ويعيد توزيع الحركة الاقتصادية بين شمال المملكة وجنوبها. ويضاف إلى هذه المنظومة مشروع “المدينة الجديدة“ الذي أطلقته الحكومة رسمياً بوصفه محاولة لخلق قطب عمراني واستثماري جديد يخفف الضغط السكاني عن عمّان والزرقاء، ضمن نماذج شراكة بين القطاعين العام والخاص لا تزال قيد التصميم. غير أن هذه المشاريع، على ضخامتها، لن تنعكس تلقائياً على المؤشرات الدولية ما لم تُدار بانضباط تنفيذي صارم: جدول زمني ملزم، وتمويل مؤكد لا مُعلَن فحسب، وربط واضح بين كل مشروع وعدد الوظائف المباشرة وغير المباشرة التي يخلقها في مرحلتي الإنشاء والتشغيل على حد سواء، فهذا بالضبط هو الفارق بين مشروع يرفع ترتيب الأردن في تكوين رأس المال والبنية التحتية، ومشروع يبقى عنواناً إعلامياً لا يغيّر رقماً واحداً في تقرير IMD القادم.
وإلى جانب هذه المشاريع الكبرى، يبقى تحسين مناخ الاستثمار الإنتاجي اليومي جبهة لا تقل أهمية. فلا يمكن لاقتصاد أن يخلق وظائف من دون استثمار حقيقي، مهما تحسّنت تشريعاته وإجراءاته، وتكوين رأس المال الثابت، وهو أحد أوضح المقاييس على حجم الاستثمار الفعلي في الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، لا يزال عند المرتبة 110 عالمياً، وهو ما يفسر جانباً كبيراً من الفجوة بين تحسّن بيئة الأعمال وضعف انعكاسها على التشغيل. وهذا يستدعي مراجعة جدّية لكلفة التمويل المحلي وتيسير حصول المشاريع الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة على تمويل طويل الأجل بشروط تنافسية، إلى جانب حزمة حوافز ضريبية وجمركية مشروطة بإعادة استثمار الأرباح محلياً بدل الحوافز غير المشروطة التي لا ترتبط بأي أثر تشغيلي أو استثماري لاحق. كما يستدعي معالجة عجز الحساب الجاري (7.6% من الناتج) عبر برنامج وطني لتنويع الأسواق التصديرية ورفع تنافسية الصادرات غير التقليدية متل الخدمات الرقمية والصناعات الدوائية والصناعات الغذائية، بدل استمرار الاعتماد على قاعدة تصديرية محدودة التنوع. وفي المقابل المباشر لرقم البطالة (21.2%)، ثمة حاجة إلى برنامج تشغيل وطني يستثمر مرحلتي الإنشاء والتشغيل في المشاريع الكبرى ذاتها: الناقل الوطني والسكة الحديدية والطرق الجديدة والمدينة الجديدة، كقناة تشغيل سريعة نسبياً، إلى جانب برنامج مخصص لاستيعاب الشباب في سوق العمل يستثمر العائد الديموغرافي المرتفع (المرتبة 34 عالمياً) بدل إهداره، بما ينسجم مع هدف الرؤية استيعاب مليون شاب وشابة إضافية بحلول 2033.
أما الجبهة الثالثة فتخص رأس المال البشري، وهي الجبهة التي تستحق أكبر قدر من الجدية لأنها الأساس الذي يُبنى عليه كل ما سبق. فرأس المال البشري والبنية التحتية هما أضعف ركيزتين للأردن في مؤشر الابتكار العالمي (86 و87 على التوالي)، وضمنهما البنية التحتية العامة في المرتبة 125 والتعليم في المرتبة 114، وهما مؤشران يفسران أيضاً شبه ثبات مؤشر التنمية البشرية منذ 2010. ومعالجة هذه الفجوة تبدأ من مواءمة حقيقية، لا شكلية، بين مخرجات التعليم الفني والمهني والجامعي واحتياجات القطاعات المستهدفة ضمن محركات الرؤية الثمانية، عبر مناهج تصممها الصناعة نفسها لا الجامعات بمعزل عنها، وتوسّع حقيقي في نماذج التدريب المزدوج والتلمذة المهنية التي تجمع الفصل الدراسي بمكان العمل منذ السنة الأولى. وتحتاج المملكة أيضاً إلى برنامج وطني للمهارات الرقمية والتقنية يستهدف تحديداً مهارات الجيلينالرابع والخامس من الصناعة: الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبرانيوالروبوتات والدرون والبلوك تشين والطباعة ثلاثية الأبعاد وغيرها، وبما يواكب الاقتصاد الذي تبنيه رؤية التحديث الاقتصادي لا الاقتصاد الذي نعيشه ونسعى للإرتقاء فيه. وفي الجانب الآخر من المعادلة، تستحق البنية التحتية للتعليم نفسها استثماراً متعدد السنوات في جودة المدارس والمعلمين والتجهيزات، لا في المباني وحدها، إلى جانب توسيع برامج المنح والابتعاث في التخصصات المرتبطة مباشرة بمحركات الرؤية. ولأن الفجوة بين الجنسين، رغم تحسّنها النسبي إلى المرتبة 122 من 148، ما زالت ضمن الخُمس الأدنى عالمياً، فإن برامج مخصصة لرفع تشغيل المرأة اقتصادياً، من حاضنات الأعمال النسائية إلى حوافز تشغيل مرنة ورعاية أطفال ميسّرة، لم تعد ترفاً بل شرطاً لتفعيل نصف الطاقة البشرية للمملكة التي لا تزال إلى حد كبير خارج الاقتصاد الرسمي.
وإلى جانب هذه الجبهات الثلاثة الكبيرة، توجد جبهة رابعة لا تتطلب إصلاحاً هيكلياً ولا كلفة مالية تُذكر، بل قراراً إدارياً بحتاً، ألا وهو سدّ فجوة البيانات والإبلاغ الإحصائيالدقيق والمحدث والفوري للجهات الدولية المعدة لتقارير التنافسية العالمية. فتحديث أرقام الإنفاق على البحث والتطوير وعدد الباحثين لدى معهد اليونسكو للإحصاء، وهي بيانات يعود بعضها إلى عامي 2016 و2017، يرفع ترتيب الأردن في مؤشر الابتكار العالمي دون أي كلفة إصلاحية إضافية، لأن الأردن يُحاسَب حالياً على صورة إحصائية أقدم من واقعه الفعلي. وهذا يستدعي تكليف جهة وزارة التخطيط والتعاون الدولي بمسؤولية الإبلاغ الدوري السنوي لكل مصادر البيانات الدولية، اليونسكو والبنك الدولي وIMDوالمنظمة العالمية للملكية الفكرية وسواها، وبناء قاعدة بيانات وطنية موحدة تُحدَّث فور صدور كل تقرير، إلى جانب نشر تقرير وطني سنوي علني بعنوان “أين يقف الأردن؟“يقارن الأداء عبر كل المؤشرات الدولية بشفافية كاملة، إيجابياً كان أم سلبياً – وهو أرخص مكسب متاح للأردن في هذا الملف كله.
وتبقى جبهة خامسة تتعلق باستعادة كفاءة الحكومة بعد تراجعها من المرتبة 37 إلى 40 في تقرير IMD، وهو تراجع يستحق وقفة خصوصاً أنه يأتي في مقابل قصة نجاح واضحة في نضج التكنولوجيا الحكومية (المرتبة 21 عالمياً)، ما يشير إلى أن التقدّم الرقمي لم يواكبه بعد تحسّن مماثل في الكفاءة التنظيمية والتشريعية الأوسع. ومعالجة ذلك تمر عبر مراجعة الأنظمة والتشريعات الإقتصادية الصادرة مؤخراً وتحليل أثرها الفعلي على بيئة الأعمال قبل اعتمادها نهائياً عبر آلية “تقييم الأثر الشامل”، وتعميم نموذج نضج التكنولوجيا الحكومية الناجح على باقي الخدمات الحكومية غير الرقمية بعد، خصوصاً في منح التراخيص القطاعية وأعمال الرقابة على المنشآت الإقتصادية، إلى جانب خفض زمن وكلفة إجراءات الترخيص المتبقية خارج المنصات الرقمية الموحدة القائمة.
أما الجبهة السادسة والأخيرة فهي الأكثر بنيوية: توحيد منظومة القياس والمساءلة وتحديث أهداف الرؤية نفسها. فأفضل إصلاح مؤسسي لا يُترجم إلى ثقة عامة إن ظلت أهداف الرؤية معلّقة على مؤشرات توقفت عن الصدور، وهذا يستدعي إعادة تأسيس سلة المؤشرات المستهدفة ضمن البرنامج التنفيذي 2026-2029 وفق معيار ثلاثي: أن يكون المؤشر ما زال يصدر سنوياً، وأن يشمل الأردن بانتظام، وأن يرتبط فعلياً بالنمو والتشغيل، مع اعتماد تقرير IMD للتنافسية العالمية بديلاً رسمياً طبيعياً عن هدف مؤشر المنتدى الاقتصادي العالمي المتوقف عن الصدور منذ 2019. كما يستدعي توحيد المسؤولية عن متابعة كل المؤشرات الدولية في وحدة واحدة بوزارة التخطيط والتعاون الدولي، مع تقرير ربع سنوي يربط كل مؤشر بجهة تنفيذية ومساءلة محددة بالاسم، بدل تشتت المسؤولية الحالي بين عشرات الجهات.
أسئلة مشروعة
وقد يتساءل البعض بعد كل هذا: “ ألا نبالغ في الحديث عن التحسّن؟“ والإجابة أن التحسّن حقيقي وموثّق من جهات مستقلة تماماً عن الحكومة الأردنية، مثل المنظمة العالمية للملكية الفكرية، والأمم المتحدة، والبنك الدولي، والمعهد الدولي للتنمية الإدارية. لكن التحسّن في المؤشرات ليس نتيجة نهائية بحد ذاته، بل شرط مسبق لها؛ والنتيجة النهائية هي وظيفة ودخل، وهنا ما زلنا متأخرين بوضوح.
وقد يسأل آخرون “ لماذا لا ينعكس ذلك على المواطن؟“ والجواب أن ما تحسّن هو البيئة المؤسسية والتنظيمية، وما لم يتحسّن بالقدر ذاته هو الاستثمار والتشغيل الفعليان: تكوين رأس المال الثابت لا يزال في المرتبة 110 عالمياً، ولا يمكن لأي اقتصاد أن يخلق وظائف حقيقية من دون استثمار كافٍ، مهما تحسّنت تشريعاته.
و “هل الأرقام مضخّمة أو انتقائية؟“ والرقم غير المريح معروض بوضوح في هذا المقال بنفسه: الأردن في المرتبة 67 من أصل 70 في الأداء الاقتصادي، والبطالة عند 21.2% وهي من الأعلى بين الدول المشمولة بالتقرير. وعرض الصورة كاملة – الإيجابي والسلبي معاً – هو ما يمنح الجانب الإيجابي منها مصداقيته.
و“أين موقع الأردن عربياً؟“ سادساً عربياً في “مؤشر الابتكار العالمي“ بعد تقدّمه من المركز السابع، ورابعاً عربياً في “نضج التكنولوجيا الحكومية“، وخامساً عربياً في مدركات الفساد. والفجوة مع دول الخليج تتسع أساساً في التمويل والبنية التحتية، لا في جودة المؤسسات أو كفاءة الكوادر.
وإن كان لا بد من رقم واحد يخرج به من هذا المقال، فهو رقمان متجاوران ومتباعدان في آن واحد: 25 و67. الأول موقع الأردن في “كفاءة الأعمال“، والثاني موقعه في “الأداء الاقتصادي“. والمسافة الفاصلة بينهما هي، بمعنى دقيق ومحدد، وجب أن تكون أجندة العمل الوطنية للسنوات الأربع المقبلة.
خاتمة: من الترتيب إلى جودة الحياة
رؤية التحديث الاقتصادي 2022-2033 لم تضع في جوهرها هدف “الصعود في المؤشرات الدولية“ كغاية بحد ذاتها، بل كوسيلة لغاية أكبر ألا وهي رفع مستوى الرضا عن جودة الحياة لدى الأردنيين إلى 80%. وهذا يعني أن المقياس الحقيقي لنجاح كل ما ورد في الرؤية ليس عدد المراتب التي صعدها الأردن في تقرير هذا المعهد أو ذاك، بل ما إذا كان الشاب الأردني الباحث عن وظيفة، والأسرة التي تواجه غلاء المعيشة، والمستثمر الذي يزن قراره، قد شعروا فعلاً بأثر هذا التقدّم في حياتهم اليومية.
الأردن يملك اليوم رصيداً مؤسسياً حقيقياً في الابتكار، والحكومة الرقمية، وبيئة الأعمال، لم يكن متاحاً قبل أربع سنوات، ويضيف إليه اليوم حزمة من أضخم مشاريع البنية التحتية في تاريخه الحديث. والتحدي الحقيقي أمام الحكومة، في المرحلة التنفيذية الثانية من الرؤية (2026-2029)، هو تحويل هذا الرصيد المؤسسي وهذه المشاريع الكبرى معاً إلى استثمار وتشغيل ودخل فعلي، عبر خارطة الطريق المقترحة أعلاه، وليس الاكتفاء بالاحتفاء بالتقدّم في الترتيب الدولي أو بحجم المشاريع المعلنة وحدها.
د. أحمد ذوقان الهنداوي
المصادر:



التعليقات مغلقة.